الجمعة

1446-10-06

|

2025-4-4

كتب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ الدكتور علي محمد الصّلابي تعزية بوفاة الشيخ والداعية الأديب عبد اللطيف أحمد الشويرف وجاء فيها:

"تعزية للشعب الليبي وللأمة الإسلامية بوفاة الداعية المربي والأديب المفسر العلامة الشيخ عبد اللطيف أحمد الشويرف (رحمه الله)"

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فقد بلغنا ببالغ الحزن والصبر والاحتساب نبأ وفاة فضيلة العلامة والمربي والمفسر واللغوي الأديب الشيخ عبد اللطيف أحمد الشويرف، أحد أبرز العلماء الفقهاء والمفسرين والدّعاة والمربّين عن عمر يناهز 93 عاماً.. ويُعد (رحمه الله) أحد أعلام الفكر والدعوة والفقه والأدب والصحافة، وقد تولى رئاسة لجنة خبراء المصحف الشريف سابقاً، وتقلد عديد المناصب في الدولة بدءاً بوزير المعارف إبان الحكم الملكي في ليبيا، كما قدم عديد البرامج اللغوية والدينية بالإذاعة الليبية منذ تأسيسها أواخر خمسينيات القرن الماضي، وكتب في عديد الصحف الليبية بينها جريدة «الليبي»، وجريدة «البلاغ» التي تولى رئاسة تحريرها بعد ذلك. وهو أحد مؤسسي جمعية الدعوة الإسلامية، ورئيس لجنة خبراء القرآن الكريم وعلومه بالهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية. وعضو في دار الإفتاء الليبية.

عزائي لأسرة الشيخ عبد اللطيف وأبنائه وأحفاده وطلابه وجيرانه وأهل العلم وأهلنا في ليبيا، ولا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

- السيرة الذاتية للشيخ عبد اللطيف أحمد الشويرف بالتفصيل:

1. نشأته وتعليمه

يتحدث الشيخ عبد اللطيف عن سيرته الذاتية ويقول: ولدت عام 1931 م في بيتنا بالمدينة القديمة محلة البلدية، زنقة الحليب غير النافذة المتفرعة عن شارع جامع الدروج الذي يصل سوق الترك بشارع قوس الصرارعي. ونشأت بحمد الله في أسرة متدينة، فكان أبي رحمه الله حافظاً للقرآن الكريم، وكان مما تشنفت به أذناي منذ نعومة أظفاري صوت تلاوته وهو يدور في وسط البيت، وكان مواظباً على صلاة الصبح في المسجد مع الجماعة، وكان يجمع أفراد العائلة بعد طلوع الشمس ليقرأ الوظيفة الزروقية، وهم يرددون ما يقول، ولا تزال بعض صيغ تلك الوظيفة عالقة بذهني حتى الآن، وكان ملازماً لقراءة ورده اليومي من "دلائل الخيرات"، وكان كل الكبار في البيت يصلون، فنشأت على الصلاة بتأثير هذه القدوة الحسنة .

التحقت وأنا صغير بكتاب الشيخ مختار حورية القريب من بيتنا، وفيه تعلمت القراءة والكتابة وأحكام التلاوة، ولم يقطعني عنه إلا قيام الحرب العالمية الثانية التي كانت إيطاليا المحتلة لبلادنا طرفا فيها بجانب المحور، وقد شردت هذه الحرب أهل طرابلس، واضطرتهم إلى الفرار بأرواحهم من هول الغارات والموت النازل من القنابل، وعطلت الحياة في المدينة تعطيلا كاملا ، وأصابت كل شيء بالشلل ، وكانت سنوات قاسية شديدة تجرع الليبيون مرارتها، وعانوا ويلاتها، وعادت عليهم بالجوع والمرض والفقر والتشرد وحرمان أبنائهم من التعليم. وكان فرار أسرتنا إلى غريان، ومنيت هنالك بجانب قسوة الغربة والحرب بوفاة أبي ثم وفاة أخي محمد الذي كان يعولنا بعد وفاة أبي ، وهو أخي الوحيد ، وكان يحفظ القرآن الكريم وسبقني إلى كتاب الشيخ مختار حورية رحمه الله بمراحل .

وعدنا إلى طرابلس تحت وطأة الحاجة وضيق ذات اليد، وكانت الغارات على أشدها ليلا ونهارا ، وكان الموت يتربص بالعدد القليل الباقي في المدينة في أي لحظة ، وزاد من فظاعة المأساة ضآلة القوت وصعوبة الحصول على ما يسد الرمق، ثم هجمة الحشرات من قمل وبق وذباب وبرغوث الباحثة هي أيضا عن الغذاء فلا تجده إلا في امتصاص الدماء الباقية في عروق البشر .وفي هذه الظروف البائسة التي تحالف فيها البلاء النازل من السماء مع البلاء الواقع في الأرض، عانت والدتي الكثير، وتحملت ما لا تتحمله الجبال من أجل توفير الحد الأدنى من لقمة العيش لي ولأخواتي الأربع، وكانت تحرم نفسها وتبيت جائعة مضحية في سبيلنا .

التحقت بالمدرسة المركزية الابتدائية عقب دخول القوات البريطانية البلاد عام 1943 م، وأهلني إتقاني القراءة والكتابة وشيئا من الحساب انتسابي إلى الصف الثالث ، وكان مدرسنا الأستاذ عمر الباروني رحمه الله الذي استمر مدرسا لنا حتى نهاية السنة الخامسة، وهي آخر سنوات المدرسة الابتدائية في ذلك الوقت . وقد بذل الأستاذ الباروني جهدا كبيرا في تعليمنا، وكنا على استعداد ذهني وسني لاستيعاب ما يزودنا به من علم، إضافة إلى الرغبة الصادقة والتعطش الشديد الذي كان من أثر ظمإ الحرب المادي والمعنوي. ولا أبالغ إذا قلت إن ما حصلنا عليه في السنوات الثلاث الأخيرة من المدرسة الابتدائية، يفوق كثيراً ما يحصل عليه المتخرج في المرحلة الثانوية الآن، إذ كان الأستاذ الباروني يخصنا في بيته بدروس خصوصية مجانا، وعلمنا الجبر وشيئا من الهندسة النظرية ، وأذكر أني كنت أحل المسائل ذات الدرجة الأولى والدرجة الثانية من المعادلات الجبرية ، وكنت مشغوفا في ذلك الوقت بالرياضيات وأقضي معظم وقتي في حل مسائلها الصعبة ، وكنت إذا أعجزتني مسألة لجأت إلى الأستاذ الباروني فأعانني على تذليل الصعب ، فكان بذلك رحمه الله أحد الرجال الذين أدين لهم بالفضل علي في تكويني العلمي، وأحمل لهم التقدير والإعتراف بالجميل والثناء العاطر والذكرى الطيبة .

بعد حصولي على الشهادة الابتدائية عام 1945 م، التحقت بأول مدرسة ثانوية في طرابلس عام 1946 م، حيث لم تكن في ذلك الوقت المرحلة الإعدادية، وكانت هذه المدرسة بمحلة الظهرة في مكان المدرسة الإسلامية العليا زمن الإحتلال الإيطالي، ونجحت في السنة الأولى وانتقلت إلى السنة الثانية. وفي صيف هذه السنة تقدمت إلى امتحان المعلمين الذي كان يعقد كل سنة، وكان الناجح في هذا الامتحان يمنح دبلوما يخوله الحق في أن يعين مدرسا رسميا .وكان امتحانا صعبا لعدم وجود منهج لمفردات مواده من اللغة العربية والرياضيات والدين والتاريخ والجغرافيا. وقد نجحت في هذا الامتحان بفضل الله ثم بفضل الحصيلة العلمية المكونة لدي، وما تلقيته في اللغة العربية على يد الشيخ عمر الجنزوري رحمه الله الذي التحقت بدروسه عام 1946 ، وما تعلمته من الرياضيات على يد الأستاذ عمر الباروني رحمه الله .

وتقدمت بعد نجاحي في امتحان المعلمين بطلب تعييني مدرسا ابتدائيا ، حيث وصلت حالتنا الاقتصادية إلى طريق مسدود كما يقولون ، وبلغ الجهد من والدتي مبلغا لم يعد يتحمله قلبي الغض ، وانقطعت تحت وطأة الظروف الصعبة عن دراستي في المدرسة الثانوية على الرغم من أني كنت معفى من دفع رسوم الدراسة لفقري ، وعينت معلما بمدرسة الظهرة الابتدائية، وعمري إذ ذلك ستة عشر عاما، وربما كنت أصغر معلم في ذلك الوقت .

وبدأت صلتي بالشيخ عمر الجنزوري رحمه الله عام 1946 كما قلت ، ودرست عليه النحو الواضح وقطر الندى وشذوذ الذهب وأقرب المسالك في الفقه المالكي ، وكنت أطالع له دروسه في مدرسة أحمد باشا ثم في معهد مالك بن أنس ، ودروسه في الفقه أو في التفسير والحديث والوعظ والإرشاد في شهر رمضان ، وكان ما استفدته من علم ولغة وأدب وفقه من مذاكرات الشيخ عمر ومناقشاتي معه وأسئلتي له ، أكثر مما استفدته من دراسة الكتب عليه ، وهو لذلك أحد الرجال الذين أدين لهم بالفضل في تكويني العلمي بعد الله .

بقيت في التعليم بمدرسة الظهرة الابتدائية حتى عام 1953 م حيث قدمت استقالتي متطلعا إلى مجال أرحب وأدعى إلى تحقيق طموحي الشبابي في التقدم وتحسين وضعي الاقتصادي وخاصة بعد أن تزوجت عام 1952 وازداد عبء المسؤولية على عاتقي . ولم أبق عاطلا بلا عمل سوى عشرين يوما ، إذ فتح الله لي بابين للعمل : أحدهما في نظارة المالية بعد أن نجحت في امتحان مسابقة أجرته النظارة لاختيار عدد محدود من الموظفين لديها ، وكان ترتيبي في النجاح الأول على مئات تقدموا للامتحان ، وساعدني على هذا التفوق حصيلتي السابقة من الرياضيات وتمرسي بحل المسائل بالمعادلات الجبرية ، إذ كانت الأسئلة بطبيعة الحال رياضية .

والباب الآخر هو المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب الذي يفتتح لأول مرة عام 1953، وكان في بداية تأسيسه محتاجا إلى موظفين لإدارته. واخترت المجلس التشريعي ، وعينت فيه محررا لمضابط جلساته بدرجة أعلى من درجة التعليم ، وبقيت فيه عشر سنوات تدرجت خلالها بين وظائفه حتى وصلت إلى أعلى وظيفة إدارية فيه وهي السكرتير العام .

ووما قاله في سيرته الذاتية: "لي أربعة أبناء وبنتان كلهم متزوجون، وهم بحمد الله بارون بي وبوالدتهم. وأسعد لحظاتي تلك التي يلوذ بي فيها أحفادي وحفيداتي ، وأداعبهم وألاطفهم وأدخل السرور في قلوبهم، وأسمع ضجيجهم وصخبهم كأنه موسيقى عذبة تشنف أذني. وكيف لا وهم قرة عيني، وبهجة فؤادي، وأنس حياتي، وسلوتي في هذه السن التي قارب قطارها أن يصل بي إلى محطة الثمانين إن قدر الله لي أن أصل إلى هذه المحطة" .

وقال: أعظم ما خرجت به في حياتي ، ويملأ قلبي رضا وطمأنينة وأمنا ، حفظي للقرآن الكريم برواية قالون عن نافع ، فهو ذخري وكنزي وربيع قلبي ونور عيني ، وأدعو الله أن يديم نعمته علي ، ويميتنا ولساني رطب بتلاوته ، ويجعله شفيعا لي يوم يدعى كل أناس بإمامهم.

2. الخبرة العملية

كما ذكرنا: تقدم الشويرف وهو في الصف الثاني الثانوي إلى امتحان المعلمين الذي كان يعقد كل سنة، وهو ما مكنه من أن يبدأ حياته المهنية مبكرا ليلتحق بوظيفة معلم بمدرسة الظهرة الابتدائية، عن عمر 16 عاما، ثم موظف في نظارة المالية، ثم موظف بالمجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب في العام 1953م والذي بدأ فيه محررا لمضابط جلساته حتى رقي إلى السكرتير العام للمجلس الذي استمر يعمل فيه 10 سنوات.

وإلى جانب وظيفته الرسمية، واصل الشويرف تعليمه وتثقيفه الذاتي، وكان مشاركا في الندوات واللقاءات الفكرية والمحاضرات التي كانت تنظم في نادي الاتحاد، إلى أن استدعي للكتابة في جريدة «الليبي»، ثم جرائد أخرى منها: «الرائد» و«الطليعة» و«الحرية» و«طرابلس الغرب»، بالإضافة إلى البرامج الإذاعية.

وفي العام 1963، عين الشويرف وزيرا للأنباء والإرشاد بحكومة رئيس الوزراء الراحل محيي الدين فكيني إبان العهد الملكي. كما خاض في عام 1965 انتخابات المجلس النيابي عن دائرة المدينة القديمة ضمن الجبهة الوطنية التي كانت تضم الأستاذ علي وريث، والشيخ محمود صبحي، والأستاذ علي مصطفى المصراتي، والأستاذ بشير المغيربي، وغيرهم لكن لم يحالفه التوفيق.

وعين في سنة 1965 رئيسا للجنة العليا لرعاية الفنون والآداب، كما كان من المؤسسين لجمعية الفكر التي كان لها مقر متواضع في شارع البلدية بطرابلس، ومن المؤسسين لجمعية الدعوة الإسلامية التي كان عضوا بمجلس إدارتها الأول الذي كان يرأسه فضيلة الشيخ محمود صبحي، وساهم في إنشاء كلية الدعوة الإسلامية.

بعد تقاعده تولى العالم الراحل عضوية مجمع اللغة العربية الليبي، والمستشار الثقافي للهيئة المشتركة لتأسيس المراكز الثقافية الإسلامية، وعمل مدرسا لمادة البلاغة بكلية الدعوة الإسلامية، ومتعاونا مع مكتب الإعلام والنشر بجمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ومع الهيئة العامة للأوقاف وشؤون الزكاة.

3. مؤلفاته العلمية

ألف الشيخ عبد اللطيف الشويرف (رحمه الله) الأجزاء الأربعة من كتاب «التدريبات اللغوية» المقرر لطلبة كلية الدعوة الإسلامية، وكتاب «تصحيحات لغوية»، وكتاب «نماذج وصور»، وكتابين في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه كانا مقررين على السنتين الثالثة والرابعة في المرحلة الثانوية التخصصية، وكتاب «دليل الحج والعمرة»، كما شارك في تأليف الأجزاء الستة من كتاب «تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها". الإضافة إلى ذلك، لدى الشويرف عشرات المقالات وعديد مشروعات الكتب التي بدأ في تأليف بعضها، وكان ينوي كتابتها.

رثاه أحد طلابه: "في ذمة الغفور الرحيم مساء اليوم الأستاذ الدكتور المتفنن شيخ العربية وأحد أعلام المالكية في البلاد الليبية الذي عم فضله وعلمه الروابي وملأ الخوابي والذي قال فيه بعض علماء المغرب (هذا رجل حُرمنا علمه)الشيخ العلامة عبد اللطيف الشويرف,,,, ‏موت العالم ثلمة لاتسد ومصيبة أشد وقعا من غيرها".

وقال عنه آخر: "حضرت مجالس العلامة اللغوي المفسر #عبد_اللطيف_الشويرف في جامع القرافي بطرابلس الغرب، فكان آية في علمه، واسترساله وفصاحته… تودعه #ليبيا اليوم كما ودعت كل مدننا خيرة أعلامها من الكبار… بوّأه الله منازل الصديقين.."

ونضرع إلى الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يرزقه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يلهم أهله وذويه وإخوانه الصبر الجميل إنه أكرم مسؤول، وإنا لله وإنا إليه راجعون

ولمن أراد أن يفهم سيرة الشيخ التي كتبها بنفسه يمكنه مراجعة صفحته، وفيها كل التفاصيل، رابط:

السيرة الذاتية | موقع الشيخ عبد اللطيف الشويرف (abdullatifeshwerif.net)

أخوكم الدكتور علي محمد الصلابي

6 ذو القعدة 1445هـ الموافق لــ 14مايو 2024م


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022