تعزية للأمة الإسلامية وللشعب السوداني في رحيل العالم الرباني البروفيسور محمد عثمان صالح (رحمه الله)
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]
إنَّ فَقْد العلماء العاملين جرحٌ عميق في قلب الأمة، وخسارة لا تُعوَّض؛ فبموتهم تنطفئ شموس العلم، وتغيب منابر الهداية، وتفقد الأمة أدواتها في نشر الخير والرشاد. وليس رحيلهم غيابَ أشخاصٍ فحسب، بل انقطاعَ مدارس، وانطفاءَ تجارب، وتراجعَ أصواتٍ كانت توازن بين العلم والواقع، وبين النص والاجتهاد.
بقلوبٍ مؤمنةٍ راضيةٍ بقضاء الله وقدره، تحتسب الأمة الإسلامية، والشعب السوداني خاصة، رحيل العالم الجليل البروفيسور الدكتور محمد عثمان صالح، الذي وافته المنية في العاصمة السعودية الرياض يوم السبت 9 شوال 1447هـ الموافق 28 مارس 2026م، أثناء رحلة علاج، تاركًا إرثًا علميًا ودعويًا زاخرًا في خدمة الدين والمجتمع.
وكانت علاقتي به قائمة على التقدير والاحترام، وقد جمعنا العمل في مجلس الأمناء، فكان رجلًا خلوقًا، عالمًا رصينًا، وصاحب رأيٍ متزن، يجمع بين الحكمة والتواضع، وبين سعة العلم وحسن الخلق.
مسيرة حافلة بالعطاء
كرّس الفقيد حياته للعلم والتعليم وخدمة قضايا الأمة، متنقلًا بين التدريس، والإدارة، والبحث العلمي، والعمل العام، حيث شغل عددًا من المناصب الرفيعة، وأسهم في تخريج أجيال من العلماء والدعاة، وترك أثرًا واضحًا في المؤسسات التي عمل بها.
وُلِد عام 1939م في بيئة سودانية أصيلة، تشكّلت فيها شخصيته في أجواء المساجد والخلاوي، فحفظ القرآن الكريم مبكرًا، وتشرب قيم الانضباط والزهد وحب العلم. ثم واصل تعليمه في السودان قبل أن ينتقل إلى بريطانيا لدراسة الاقتصاد بجامعة برستول، ليجمع لاحقًا بين العلم الشرعي، والرؤية الاقتصادية، والعمل المؤسسي.
سيرته العلمية والوظيفية
بدأ مسيرته الأكاديمية محاضرًا في جامعة أم درمان الإسلامية، حيث تميز بشغفه بتطوير طلابه وتنمية قدراتهم النقدية، وأسهم في تطوير المناهج وتوجيه الطلاب نحو البحث العلمي.
وفي عام 1982م، انتقل إلى المملكة العربية السعودية أستاذًا مساعدًا ورئيسًا لقسم الاستشراق في جامعة الإمام محمد بن سعود (المعهد العالي بالمدينة المنورة)، حيث أسهم في تطوير برامج الدراسات العليا والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، مع التركيز على فهم الأديان والثقافات بمنهج علمي.
وبعد عودته إلى السودان:
- عُيّن عميدًا لكلية الدعوة والإعلام (1990–1992م)، حيث عمل على ربط الدعوة بوسائل الإعلام الحديثة.
- أصبح أستاذًا بجامعة القرآن الكريم ثم نائبًا لمديرها (1992–1993م).
- تولّى منصب وزير التربية والتوجيه بولاية جنوب كردفان (1993–1995م)، وأسهم في تطوير المناهج التربوية.
- أسّس وأدار المركز العالمي لأبحاث الإيمان (1995–2001م).
- عُيّن رئيسًا لجامعة أم درمان الإسلامية (2001–2009م)، وشهدت الجامعة في عهده توسعًا علميًا ملحوظًا.
كما شغل مناصب قيادية، منها:
- الأمين العام لهيئة علماء السودان (1999–2013م)
- رئيس هيئة علماء السودان
- نائب رئيس المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية بالسودان
- عضو مجمع الفقه الإسلامي بالسودان
مكانته العلمية ومنهجه الفكري
لم يكن الفقيد مجرد أكاديمي أو إداري، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل، سعى إلى وصل العلم الشرعي بواقع الأمة.
وقد تميز منهجه بـ:
- الجمع بين التأصيل والمعاصرة
- النزعة المقاصدية
- التحليل النقدي الواعي
وقد انعكس ذلك في تدريسه وبحوثه، حيث حرص على بناء عقلية علمية ناقدة لدى طلابه.
- دوره الدعوي والإصلاحي
قدّم نموذجًا للداعية الذي يرى الدعوة مشروعًا حضاريًا شاملًا، ومن أبرز معالم دوره:
- توظيف الإعلام في الدعوة
- تعزيز الحوار بين الأديان
- التأثير المؤسسي عبر الهيئات العلمية
- تربية الأجيال وإعداد العلماء
العضويات والمشاركات العلمية
كان له حضور فاعل في مؤسسات علمية ودعوية، منها:
- عضو مؤسس ورئيس مجلس أمناء المركز النسائي الإسلامي العالمي
- عضو جمعية القرآن الكريم المركزية بالسودان
- عضو جمعية حوار الأديان ومجلس التعايش الديني
- عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
- عضو هيئة الإعجاز العلمي – رابطة العالم الإسلامي
وقد أسهمت هذه المشاركات في توسيع أثره العلمي والدعوي محليًا ودوليًا.
البحوث والنشر العلمي
ساهم في المجلات العلمية المحكمة، منها:
- مجلة جامعة القرآن الكريم
- مجلة جامعة أم درمان الإسلامية
- مجلة جامعة أفريقيا العالمية
- مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود
- مجلة أبحاث الإيمان (رئيس التحرير)
- مجلة المنبر (رئيس مجلس الإدارة)
وكان له دور في تطوير البحث العلمي وتعزيز جودته.
إسهاماته العلمية ومؤلفاته
تميّز إنتاجه العلمي بالجمع بين التأصيل والمعالجة الواقعية، ومن أبرز مؤلفاته:
- صراع أهل الأديان حول فلسطين ولبنان
- النصرانية والتنصير
- الاحتساب وأثره في بناء المجتمع
- المدخل لدراسة الأديان
- الإعجاز القرآني في النظام الاقتصادي
أثره في الواقع الإسلامي
لم يكن تأثيره محصورًا في السودان، بل امتد إلى العالم الإسلامي عبر مشاركاته العلمية، وإشرافه على طلاب من دول متعددة، وإسهامه في مؤسسات فكرية ودعوية.
وكان يمثل صوتًا علميًا متزنًا، يجمع بين الحكمة والوضوح، وبين الثبات والانفتاح.
إنّ رحيل الشيخ محمد صالح عثمان في هذا الظرف يزيد من ثقل الفقد، إذ نحن في زمنٍ أحوج ما نكون فيه إلى العلماء الراسخين.
لكن عزاءنا أن أثره باقٍ في تلامذته ومؤلفاته، وأن الوفاء له يكون بحفظ علمه والسير على دربه.
اللهم اغفر لعبدك محمد عثمان صالح، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، واجعل علمه صدقةً جارية.
اللهم أنر قبره، ووسّع عليه، واجعل مثواه الفردوس الأعلى، وألهم أهله ومحبيه الصبر.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كتبه: الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
10 شوال 1447هــ/ 29 مارس 2026م