الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

رحلة الإمام محمد بن علي السنوسي إلى مدينة فاس: حاضرة المغرب الأقصى العلمية

بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي

الحلقة الثانية

19 محرم 1441 هجرية
18 سبتمبر 2019

أولا: الرحلة إلى فاس :
وكانت المرحلة الثانية في الطلب، حيث قصد مدينة فاس في المغرب الأقصى ومكث فيها سبع سنوات تقريباً، فأخذ العلم بالرواية عن أفاضل علماء فاس مثل، حمودة بن حاج، حمدون بن عبدالرحمن، والطيب الكيراني، محمد بن عامر المعواني، وأبي بكر الأدريسي، وادريس بن زيان العراقي، ومحمد بن منصور، ومحمد بن عمر الزروالي، ومحمد البازعي، والعربي بن أحمد الدرقاوي، وكان العربي الدرقاوي من شيوخ الطريقة الشاذلية، وتبحر ابن السنوسي في معرفة الطرق الصوفية إلى جانب التفقه في علوم الدين، وتحصل على إجازات من علماء راسخين وأصبح مدرساً بالجامع الكبير بمدينة فاس ونال المشيخة الكبرى بها وأقبل الناس عليه لما رأو من صلاحه وتقواه وفهمه الدقيق لعلوم الشريعة، وروحه الفياضة، وعقله المتنور، وفكره الناضج، وخشيت حكومة السلطان سليمان من نفوذه وبدأت العراقيل، ووجد أن لافائدة ترجى من بقائه بفاس وقرر الارتحال عنها بعد أن تبلورت أصول الدعوة في ذهنه وعزم على محاربة الأوهام والخزعبلات التي أبعدت الاسلام عن حقيقته، وحجزته بينه وبين أتباعه من أن يحقق لهم ماحققه في عهده الأول من رفعة وتلك هي الوسيلة الوحيدة التي تمنح المسلمين القوة، وتمكن لهم من دفع عدوهم عنهم، كما أن تجربته مع السلطان أكسبته خبرة في التعامل مع الحكام في المستقبل، ولقد لاحظ في فاس تباعد الأمة عن دينها وعقيدتها وانحرافها عن كتاب ربها وسنة نبيها وكيف بدأ الغزو الأوروبي يؤثر على المدن المغربية؟ وكيف دخلت البلاد في الصراعات والخلافات الداخلية؟ ولعل الذي جعله يبقي في المغرب الأقصى مدة سبع سنين متتالية جامع القرويين الذي وجد فيه جماعة من العلماء الذين ذكرت بعضهم، وكان يتشوق الى لقائهم ولقد تعمق أحساسه بالخطر الأوروبي وشعر بالاخطار التي كانت تتهدد هذه البلاد من الدول الصليبية، ولقد سمع بعض الناس يتحدثون عن النكبات التي حاقت بها من هذه الدول منذ قرنين من الزمن، حين احتل الاسبان أجزاء كثيرة منها، كالمرسى الكبير، ووهران ، وعنابة وتنس ومدينة الجزائر، ومستغانم (مسقط رأسه) ومازالت أعمالهم الشنيعة، وأفعالهم القبيحة يرويها جيل عن جيل من القتل الذريع، والسبي الشنيع، وإهدار كل حرمة، وتحويل المساجد الى كنائس كانت تلك الأمور محل تأمل وتفكر من قبل ابن السنوسي.
لقد كانت تجربة فاس ثرية بالنسبة لابن السنوسي وقد نقل لنا شكيب ارسلان عن أحمد الشريف السنوسي مادرسه جده في فاس والشيوخ الذين أخذ عنهم فقال : (ومنهم العلامة الهمام سيدي محمد بن الطاهر الفيلالي الشريف العلوي قرأت عليه مختصر السعد، وجمع الجوامع، السلم ، وجملة صالحة من مختصر الشيخ خليل ، وهو يروي عن الحافظ بن كيران والعلامة الزروالي وشيخهم العلامة ابن الشقرون باسانيدهم السابقة وغيرهم من أماثل علماء فاس. ومنهم العلامة المتقي المتفنن ابو المواهب سيد أبوبكر بن زياد الادريس حضرته في علوم كثيرة وقرأت عليه الفرائض والحساب والاربعين ومضاعفاتها والاسطرلابيين وصناعتها والعلوم الاربعة الرياضة والهندسة والهيئة والطبيعة والارثماطقيقي واصول قواعد الموسيقى والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الاحكام والنسب والوقف والتكسير والجبر، والمقابلة وغيرها الخ....) ولقد بقي ابن السنوسي مهتماً بهذه العلوم وقام بتدريسها لبعض طلابه ومريديه.
ويمكن للباحث أن يلاحظ عدة عوامل أثرت في شخصيته لما كان في الجزائر، وظهور خطوط واضحة بعد انتهاء تجربة المغرب الأقصى في فاس، أما العوامل التي أثرت في شخصيته لما كان بالجزائر منها:
1- تأثر ابن السنوسي مما كان يراه من ظلم الولاة العثمانيين، ومن الثورات التي كانت تقوم بها القبائل ضدهم.
2- لمس أطماع الدولة الأوربية في بلاده.
3- ولادته في بيت شريف مشهور بالعراقة والأصالة، وتأثره بتاريخ أجداده الأدارسة الذين حكموا المغرب، ولذلك صمم على السير في طريق أجداده ولقد برز اهتمامه بتاريخ أجداده في الكتاب الذي ألفه فيما بعد عنهم وسماه " الدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية ".
4- نشأته في بيئة علمية حببت اليه العلم وفتحت عينيه على حقائقه الكثيرة، فأبوه وعدد من أجداده كانوا من الفقهاء والعلماء.
5- تأثره بعمته فاطمة التي أشرفت على تربيته في طفولته الأولى وقد بقى ابن السنوسي في كهولته يذكر بعض توجيهاتها له.
6- التقاليد والأعراف التي ورثتها أسرته ساعدت في صقل شخصيته، من ذلك اهتمام الأسرة بتربية علمية عملية فيها الدراسة وفيها الفروسية.
وأما الخطوط العريضة التي اتضحت في شخصيته بعد الإقامة بفاس فمنها:
1- الصوفية التي تعمق ابن السنوسي في دراستها وساعدته الظروف على ذلك حيث كانت فاس مركزاً نشطاً للطرق الصوفية، وميداناً خصباً لنشاطها، ومعلوم لدى الباحثين أن الشمال الافريقي على وجه خاص حافل بالحركات الصوفية ولدى أهلها اهتمام كبير بها. وكان من الطبيعي أن يتأثر ابن السنوسي بالنظام المغربي للصوفية. ولقد استمر اهتمامه بالصوفية حتى آخر حياته وبقى خطها واضحاً في شخصيته حتى انه نظم طريقة خاصة عرفت باسمه وكتب كتاباً سماه ( السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين ) تحدث فيه عن الطرق الصوفية عامة ووصف الطريق المثلى التي رضى بها والتي عرفت بنسبتها إليه وكانت تجربته في الصوفية قد أعطته خبرة في التعامل معها فهو لم يقبل الصوفية على اطلاقها، ولم يرفضها بالجملة، بل قيدها بالكتاب والسنة وجعل طريقته مبنية على ( متابعة السنة في الأقوال والأحوال والاشتغال بالصلاة على النبي في عموم الأوقات ) وقد اهتم بالصوفية اهتماماً كبيراً وظهرت هذه النزعة في منهجه التربوي الذي جعله لأتباعه والذي سنفصله في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى.
2- اهتمامه بالدراسة الفقهية، فقد واصل ابن السنوسي في فاس دراسته الفقهية على المذهب المالكي ودرس كتب الفقه على يد شيوخه وقد ذكر في مقدمته للموطأ انه أخذه على طريقتي المغاربة والمشارقة، وذكر اثنين من شيوخه المغاربة وهما محمد بن عامر المعداني، ومحمد بن عبدالسلام الناصري ولقد ظهرت سعة اطلاعه في الفقه المالكي وفقه المذاهب الأخرى في تأليفه، ولقد بقى اهتمامه بالجانب الفقهي حتى آخر حياته، واستمر على المذهب المالكي مع اجتهاده فيه ومخالفته للمالكية في مجموعة من المسائل سنبينها في الصفحات القادمة ان شاء الله، ونلاحظ بأن اهتمام ابن السنوسي بالتصوف والفقه اكسبت حركته طابعاً متميزاً، فهو لم يغلُ في صوفيته ولم يغرق في شطحاتها كما انه لم يغل ولم يقف عند الحروف الفقهية ولم يتجمد في فهم احكامها بل زاوج بين دراستها، فأكسب صوفيته طابع السنة ولجمها بحدود الشرع وأعطى فقهه رونقاً وروحانية متألقة بعيدة عن الجمود.
3- اهتمامه بالحركات الإصلاحية، والوقوف في وجه الحكام ضد انحرافهم، والوقوف معهم لتحقيق الإصلاح وتنظيم تكتل شعبي يسند هذه المطالبة ويعززها، فقد زاد هذا الاهتمام بفاس عاصمة الدولة المغربية ومركزها المهم في نشر الوعي، وإشعاع العلم يقول الدكتور محمد فؤاد شكري: ( ولما كان حبه لمنفعة المسلمين ورغبته في أن يرى العدل باسطاً جناحيه على أهل السلطنة وعلى شعوب الإسلام طراً، هي كل مايريد في حياته، فقد أكثر من الموعظة الحسنة في أثناء دروسه، وجرب مع الأهلين وأصحاب الشأن في فاس طرق الإرشاد بالحسنى تارة وبالشدة أخرى، ولكن دعوته إلى العدل والخير وجمع كل المسلمين وتطهير النفوس والابتعاد عن المنكر لم تثمر ثمرتها، بل إن كل ماحدث هو تنبه حكومة السلطان مولاي سليمان إلى هذه الدعوة وتلمس الخطر من جانبها، خشية أن تنقلب الدعوة الدينية إلى أخرى سياسية، فقد تعصف بالسلطنة .. وعلى ذلك فقد شددت الحكومة في مراقبة السيد، فوجد ألا فائدة ترجى من بقائه في فاس وقرر الارتحال ).
ثانيا: الأسباب التي جعلت ابن السنوسي يغادر فاس:
في عام 1235هـ غادر ابن السنوسي فاس إلى الجزائر وقد ذكر المؤرخون عدة أسباب جعلته يغادر فاس منها:
1- أن فتناً كثيرة ثارت في فاس، حيث عمت الفوضى المدينة واضطر أهل الحل والعقد أن يقوموا بضبطها. ثم حدثت فتنة أخرى بسبب نزاع جرى بين القاضي والمفتي رفع أمره للسلطان سليمان فأخر المفتي عن الفتوى، فغضب للمفتي جماعة من المدرسين وطلبة العلم وتحزبوا على القاضي فكتبوا رسماً يتضمن الشهادة بجوره وجهله ثم اضطرمت نار الفتنة حتى انتهت بخروج أهل فاس على السلطان سليمان، وعزموا على بيعة المولى ابراهيم بن يزيد زوج ابنة السلطان، فامتنع أولاً فهددوه قائلين " إن لم نبايعك بايعنا رجلاً من آل المولى ادريس  " فخاف خروج الأمر من بيتهم فوافق، وكان من العلماء الذين حضروا البيعة محمد العربي الدرقاوي وهو أحد أساتذة ومشايخ ابن السنوسي، ولم يكن دور ابن السنوسي كبيراً في تلك الأحداث، وكانت الأحوال في فاس تدعو ابن السنوسي للمغادرة وخصوصاً بعد أن استطاع السلطان سليمان استعادتها ودخول شيخه الدرقاوي إلى السجن وتزعزع مركز العلماء والطلاب الذين وقفوا ضد السلطان سليمان ولاشك أن تلك الأحداث أكسبته خبرات كثيرة وأضافت إلى رصيده تجارب مهمة في حياته المستقبلية.
2- ومن الأسباب التي شجعت ابن السنوسي على مغادرة فاس انه كان قد اخذ حظاً وافراً من الدراسة على علمائها وتاقت نفسه للأخذ على علماء جدد، ولذلك نراه في طريق عودته من فاس يدخل في أعماق صحراء الجزائر ليتعرف على أشهر الزوايا وليقابل مقدميها حتى بلغ عين مهدي ومكث فيها مدة قصيرة ثم قصد " الأغوات " التي كانت تمتاز بموقعها في جنوب الجزائر بوصفها ملتقى القوافل الآتية من السودان الغربي. وفيها مكث بعض الوقت يلقى دروساً في الفقه والشريعة ثم ارتحل منها إلى مسعد ثم إلى جلفة ثم إلى بوسعده وهو في أثناء رحلته يوعظ ويدرس ويفقه الناس بأمور دينهم وكانت لرحلته في جنوب الجزائر أثر في انضاج شخصيته، وفي إعداده لما أخذ نفسه به، فهاهو ذا يشهد ذلك العالم الذي يختلف إلى حد بعيد عن العالم الذي عهده في مدن الجزائر وفي فاس بالمغرب الأقصى، وهاهو ذا يرى ميادين جديدة للدعوة والإصلاح تتفتح له، عالم بدوي بعيد عن صور الحضارة وتعقيداتها، ثم هو في الوقت نفسه ملتقى الإسلام والوثنية.
ولقد كانت تلك البوادي، على سكونها وهدوئها، تضطرب بـألوان من الحركات الدينية والاقتصادية، وكانت الزوايا الدينية التي يقوم عليها أصحاب الطرق الصوفية هي أهم مراكز هذه الحركات، أو لعلها المراكز الوحيدة لها، وكانت هذه الزوايا، أو هذه المراكز الثقافية، تضع في الغالب على طرق التجارة التي تربط السودان بالشمال، وتنتقل بواسطتها السلع في قوافل ماتزال رائحة وغادية.
وفي هذه الزوايا يلتقي رجال القوافل القادمون من الجنوب والعائدون من الشمال، يجلسون إلى شيوخها، ويستروحون بالتلقي عنهم، والانغمار في جوهم، وبتبادل الأحاديث المختلفة عن البلاد التي جاءوا منها أو مروا بها وبذلك كانت تلك الزوايا محلاً ثرياً غنياً بالمعلومات وأخبار الشعوب الإسلامية، وفي هذه الزوايا كان نشاط ابن السنوسي في السودان الغربي يقوم بواجب الدعوة إلى الله تعالى وقد أيقن أن من عوامل نهوض الأمة القيام بهذا الدور العظيم، فإن الإسلام الذي آمن به ابن السنوسي لايكتفي بأن يكون في نفسه صالحاً مهتدياً، وإنما يريد منه أن يكون مصلحاً هادياً، متسلحاً بالعلم، ومتحلياً بالحلم، ومتجملاً بالصبر، ومتحرراً من كل القيود التي تشده الى الأرض، وتقعد به عن كلمة الحق، وأظهار الاسلام لكل أنواع البشر، وفي كل البقاع، لم يبالي ابن السنوسي بالتعب والنصب في سبيل رسالته ودعوته بل كان محتسباً الأجر والمثوبة عند الله تعالى وكان يرى أن شرفه منوط بأداء تلك الرسالة المقدسة.
وقد مكث في تلك الديار مايقارب العامين معلماً ومربياً وداعياً.
ولقد استفاد من هذه التجربة دروساً عظيمة جعلته يركز في مستقبله على دعوة البداية لما رأى فيهم من صفاء الفطرة، وجمال الخلق، وحب التدين وبعدهم عن الفساد وتعقيد الحياة الاجتماعية ، وسيطرة الأهواء السياسية كما لاحظ ذلك في المدن التي عاش فيها.
3- ومن الأسباب التي جعلته يغادر فاس رغبته الملحة لحج بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي (ص) ولذلك غادر بلاد السودان الغربي في رفقة قافلة ذاهبة الى المشرق.

مراجع المقال:

1. علي محمد الصلابي، الإمام محمد بن علي السنوسي ومنهجه في التأسيس، دار الروضة، إستانبول، 2018.ص،(28:22).
2. محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة،دار الفكر، طبعة 1948م ، ص 14
3. محمد طه الحاجري،دراسات وصور من تاريخ الحياة الأدبية في المغرب العربي، دار النهضة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1403هـ،1983، ص278.
4. أحمد الدجاني، الحركة السنوسية، نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر، دار لبنان، أحمد الدجاني، الطبعة الأولى، 1967م، ص 47.
5. أحمد القطان، إمام التوحيد، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الدعوة والدولة، تأليف ، محمد الزين، مكتبة السندس، الكويت، الطبعة الثانية، 1988م،ص109.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022