السبت

1447-10-09

|

2026-3-28

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾... تأملات تفسيرية في سورة يوسف

بقلم: د. علي محمد الصلابي

تُجسّد قصة يعقوب عليه السلام مع أبنائه في سورة يوسف أعمق معاني الإيمان والتوكل على الله في مواجهة الابتلاءات والآلام النفسية، ففي موقفٍ إنساني مؤثر، يستحضر يعقوب تجربة فقدِ يوسف عليه السلام، فتظهر مشاعر الحذر الممزوجة بالثقة المطلقة بالله تعالى والتوكل عليه. قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[يوسف: 64]، وتبرز هذه الآية الكريمة مبدأً إيمانيًا عظيمًا يتمثل في أن الحفظ الحقيقي لا يكون إلا من الله وبالله، مهما تعددت الأسباب البشرية، كما تكشف عن أثر معرفة أسماء الله وصفاته في تثبيت القلب وتقوية اليقين.

ومع أن إخوة يوسف أكدوا لأبيهم حفظهم لأخيهم فقالوا: ﴿إنا له لحافظون﴾ وأكدوا حفظهم بالجملة الاسمية الدالة على الثبات وبلام التوكيد إلا أن الكلمة فيما يبدو هيجت أشجان يعقوب (عليه السلام) وأعادت له ذكريات قديمة مريرة إنها الكلمة نفسها التي قالوها يوم قالوا:﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[يوسف: 12] لقدد أعادت إلى ذهن الأب الشفيق الشغوف صورة ابنه الحبيب يوسف، وعندها لم يمتلك يعقوب إلا أن قال:

1- ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾:

كان جواب أبيهم حاضراً وفورياً إذ ما جرى منهن في أمر يوسف (عليه السلام) من قبل لا يُنسى وألمه لا يخف والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، فرد عليهم باستفهام إنكاري تقريعي، أي: هل آمنكم عليه إلا كما آمنتكم على يوسف من قبل وقد أكدتم كما تؤكدون الآن أنكم إن أرسلته معكم فأنتم له حافظون فضيعتموه وما حفظتموه البتة فكيف أعيد الكرة (السقا، ص 307).

2- ﴿فالله خير حافظا وهو ارحم الراحمين﴾:

- ﴿فالله خير حافظاً﴾: فإنه لا ثقة أبدا في حفظ أي مخلوق، ولكن الثقة كلها في حفظ الله القادر الحفيظ العليم.

- ﴿وهو أرحم الراحمين﴾ بخلقه من كل مخلوق (متولي، ص 379).

وهذه من الحقائق الإيمانية القرآنية الراسخة، ذكرها يعقوب (عليه السلام) وأكد عليها وتجب على كل مؤمن من أن يغرسها في قلبه، وتكون عقيدة راسخة وثوابت حقه، وأن يجعلها نصب عينيه في كل أمر وشأن (متولي، ص 379).

- ﴿فالله خير حافظاً﴾: قال ابن عاشور: أي خير حفظاً منكم، فإن حفظه الله سلم، وإن لم يحفظه لم يسلم، كما لم يسلم أخوه من قبل حين أمنتكم عليه (ابن عاشور، 6/13).

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله عز وجل ﴿فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين﴾ أي: هو أرحم الراحمين بي، وسيرحم كِبَري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يرده عليّ ويجمع شملي به، إن أرحم الراحمين (ابن كثير، 1/399).

وواضح من الآية الكريمة أن يعقوب (عليه السلام) يعيش وحفظ الله ليوسف بين جنبيه، وأن تأويله لرؤيا يوسف (عليه السلام) ساكن في قلبه، وأن الله اجتباه وعلمه من تأويل الأحاديث، وسيتم نعمته عليه إلى أخره، لقد عاش يعقوب مع أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وظهر أثر ذلك في حياته: ﴿فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين﴾.

3- اسم الله (الحافظ):

ورد اسمه الحافظ في القرآن الكريم مروة واحدة بصيغة المفرد في قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 64]. وورد مرتين بصيغة الجمع كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: 82]. وأما اسمه سبحانه ﴿الحفيظ﴾ فقد ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات، وذلك:

- في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: 57].

- وقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: 21].

- وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: 6].

وقال البيهقي: قال الحليمي: الحافظ هو الصائن عبده من أسباب التهلكة في أمور دينه ودنياه (البيهقي، ص 69).

- ﴿فالله خير حافظاً﴾: أي: إن الله حافظ لأبناء سيدنا يعقوب (عليه السلام). ومن فوائد اسم الفاعل أنه حاضر الفعل الآن فإنه قد جاء اسم الله: (الحافظ) على لسان نبي الله يعقوب عليه السلام معبراً عن وثوقه المطلق بحفظ الله لولديه يوسف وأخيه حفظاً حاضراً، فإذا خوطب المؤمن باسم الله (الحافظ) فكأنه يعاين الحفظ ويشاهده ولا يقدر على ذلك إلا المؤمن (السوالمة، 2/635).

ومن آثار إيمان يعقوب (عليه السلام) باسم الله (الحافظ) والحفيظ، صدق التوكل على الله وحده والأخذ بأسباب حفظ الله وأعظمها توحيد الله سبحانه وإفراده بالعبادة وفعل ما يحبه الله واجتناب ما يسخطه، وحفظ الله تعالى في حرماته ودينه وشرعه (الجليل، ص 456).

4- ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾:

يعني أن رحمته سبحانه تمييزا تميزا ظاهراً عن رحمة كل الراحمين، فالله رحيم وفي الناس رحيم: والأب رحيم ولكنه سبحانه أرحم الراحمين (أبو موسى، ص 157).

إن اتصاف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة لم يلزم أن تكون رحمته من جنس رحمة المخلوق لمخلوق (الجليل، ص 124).

إن صفة الرحمة من الصفات الثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة وهي صفة كمال لائقة بذاته سبحانه كسائر الصفات لا يجوز أن تنفيها أو تؤولها أو تحرفها أو تفوض معناها أو تكيّفها كما هو مقرر في مذهب أهل السنة والجماعة.

بعد أن واجه يعقوب (عليه السلام) أبناءه بقوله: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 64]، تبين لإخوة يوسف (عليه السلام) أن مواصلتهم الكلام مع أبيهم الآن بخصوص إرسال أخيهم معهن لن تأتي إلا بالرفض، خاصة بعد أن واجههم صراحة لأول مرة واتهمهم بكيدهم لأخيهم يوسف من قبل، وأنهم يريدون أن يعيدوا الكرة مع أخيه الشقيق مما أفحمهم وأبهتهم، فما كان منهم إلا أن أجلوا الحديث معه بهذا الخصوص حتى تأتي مناسبة أخرى تهيئ لهم العودة إليه (متولي، ص 379).

وبعد أن فتحو أوعيتهم وفوجئوا بوجود ثمن الطعام فيها، عادوا يطالبون أباهم بإرسال أخيهم معهم محتجين بما وجدوا في أوعيتهم (مسلم، 4/203).

المصادر والمراجع:

1. السقا، محمد عاطف. يوسف أيها الصديق،د. محمد عاطف السقا، دار المكتبي، الطبعة الأولى، 1429ه – 2008م.

2. متولي، عليش. يوسف وقصته العجيبة، شركة مكتبة المعارف المتحدة، الكويت، الطبعة الأولى، 2015م.

3. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

4. ابن كثير. تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، تحقيق: يوسف علي بديوي، حسن سويدان، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط1، 1434ه، 2013م.

5. البيهقي، أبو بكر. الأسماء والصفات.

6. السوالمة، محمد مصطفى. اللوامع البهية في شرح أسماء الله الحسنى، دار النور المبين، الطبعة الأولى، 2019م.

7. الجليل، عبدالعزيز ناصر. ولله الأسماء الحسنى، دار طيبة، الرياض، ط3، 1430ه، 2009م.

8. أبو موسى، محمد محمد. من حديث يوسف وموسى، مكتبة وهبة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2021م.

9. مسلم، مصطفى. التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، نخبة من كبار علماء القرآن وتفسيره بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم، كلية الدراسات العليا والبحث العلمي، جامعة الشارقة، الإمارات العربية، 2010م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022