إدريس عليه السلام ... اسمه ونسبه ومولده ونشأته
بقلم: د. علي محمد الصلابي
اختلف المؤرخون في اسم إدريس ونسبه ومولده، وهناك من يقول إنه كان معروفاً عند الشعوب القديمة، فعُرف بالعبرية باسم "خنوخ"، وبالترجمة العربية "أخنوخ"، وعند الإغريق (اليونان) باسم "هرمز"، وعند المصريين بــ "هرمس"، وقيل عنه: هرمس الهرامسة وأسد الأسود، وذكره القرآن الكريم باسم "إدريس" عليه وعلى نبيّنا أفضل السلام، وقيل: إنه سمّي "إدريس" لكثرة درسه الكتب وصحف آدم وشيث (قرقوني، ص 33).
وقيل: إنه سمّي بإدريس لأنه توصّل بمداومة الدرس إلى علمٍ غزيرٍ بما نزل من الوحي قبله (الكبيسي، ص 100). وقيل: هو من ترك أثراً باقياً على مر الزمن، أو هو العلامة التي لا تمحى ولا تزول مع مرور الأيام، وهي باقيةٌ إلى ما شاء الله تعالى (حمد، ص 174).
وورد عن نسبه في الروايات التاريخية أنه جد أبي نوح عليه السلام، ويقال: جدّ نوح، ولا يثبت شيءٌ من ذلك من حيث الصحة والدقّة. ويقول ابن كثير في نسب إدريس عليه السلام: هو في عمود نسب رسول الله على ما ذكره غير واحد من علماء النسب (ابن كثير، 1/154). وورد في جامع البيان للطبري في نسب إدريس عليه السلام أنه بُعث في الفترة ما بين آدم ونوح (وصفي، ص 48-52). وجاء في نسبه أنه جد أبي نوح عليه السلام، ابن لامك بن متوشالح بن أخنوخ، وهو ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر (درويش، ص 91-92). وذكر ابن إسحاق أنه أدرك من حياة آدم ثلاثمائة وثمانين سنة (الحنبلي، 1/19)، وجاء في تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري: نبّأ الله أخنوخ بعد أن مضى من عمر آدم ستمائة واثنتان وعشرون سنة.
وخلاصة القول في نسب إدريس عليه السلام أنه من أصول نوح، ويرى بعض العلماء أنه جد نوح كالطبري في كتابه "جامع البيان" (الطبري، 16/73)، والألوسي في "روح المعاني" عن وهب بن منبه (الألوسي، 16/105) ، بينما يرى آخرون أنه جد أبي نوح كما جاء في تفسير الزمخشري، و"المعارف" لابن قتيبة، و"البحر المحيط" لأبي حيان، والرازي في تفسيره، وكذا البيضاوي والمراغي والخازن في تفاسيرهم، ويذكر النيسابوري أنه من أجداد نوح (النيسابوري، 8/494). ويذكر الألوسي في "روح المعاني" – على ما في مستدرك الحاكم لابن عباس – أن إدريس عليه السلام نبيٌ قبل نوح وبينهما ألف سنة (الألوسي، 16/96). وقال أبو حيان والنسفي والألوسي في تفاسيرهم: إن إدريس عليه السلام أول مرسلٍ بعد آدم. وخلاصة ما قيل في نسبه أنه جد أعلى لنوح عليه السلام وأنه عاش قبل الطوفان (درويش، ص 92). ولكن هذا غير مسلم عند كثير من المحققين كما سيأتي -بإذن الله تعالى- بيانه، ولا يمكن الجزم بما قال به الكثير من المؤرخين.
ذكرت بعض المصادر التاريخية أن إدريس عاش في الفترة التي بين آدم ونوح عليهما السلام، وهي فترة ما قبل الطوفان، أي أقدم من 5000 ق.م، خلال العصر المسمى بالعصر الحجري "6000-5000 ق.م".
وهناك عدة آراء للعلماء المسلمين في مولد إدريس ومكان نشأته، ولا بدَّ من الإشارة إلى أن جلّ ما نعرفه عن إدريس عليه السلام روايات تاريخية متباينة، لا نملك أدلةً ذات قيمة على صحتها، ومن الملاحظ أن شخصية إدريس في الكتب التاريخية تتداخل وأكثر من شخصية معروفة في أكثر من حضارة قديمة، ومن هذه الشخصيات هرمس اليوناني، وأوزوريس المصري (درويش، ص 93)، وأخنوخ التوراتي. وقال ابن كثير -رحمه الله-: وكان أوّل بني آدم، أعطي النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام. وذكر ابن إسحاق: أنه أوّل من خطّ بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين. وقد قال طائفة من الناس: إنه المشار إليه من حديث معاوية بن الحكم السلمي، لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخطّ بالرمل، فقال: إنه كان نبيٌ يخط به، فمن وافق خطه فذاك (ابن كثير، 1/155) (مسلم، رقم: 537).
ويزعم كثيرٌ من علماء التفسير والأحكام أنّه أوّل من تكلّم في ذلك، ويسمّونه هرمس الهرامسة، ويكذبون عليه أشياء كثيرة، كما كذبوا على غيره من العلماء والحكماء والأولياء (ابن كثير، 1/155). هذا وقد ذكر الألوسي أنه ولد بمصر، وسموه هرمس الهرامسة، حيث أقام فيها يدعو لعبادة الخالق وللتوحيد، وأمر الخلائق بالصلاة وجهاد الأعداء، والزكاة لمعاونة الضعفاء. وذكر ابن جلجل: قال أبو معشر: كان سكن إدريس عليه السلام بصعيد مصر. ويذكره ابن أبي أصيبعة: وعند العرب أن إدريس عليه السلام مولده بمصر (درويش، ص 93).
ويقول صاعد الأندلسي في كتابه " طبقات الأمم": ذكر جماعة من العلماء أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول، الساكن بصعيد مصر الأعلى، وهو الذي يسميه العبرانيون خنوخ بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، وهو إدريس النبي صلى الله عليه وسلم (درويش، ص 93).
ويرجح بعض العلماء أن بني شيث وبني أنوش وقنيان ومهلائيل سكنوا الهضبة الشرقية لوادي النيل، وعندما قلّ العشب في الهضبة أخذوا يتجهون غرباً حتى وصلوا إلى نهر النيل لتوفر المياه والمراعي، لذلك ظهرت أولى الحضارات في العالم في مصر، فأقام إدريس عليه السلام في مصر، وتلاه نوح في العراق، وعاشوا جماعات متفرقة، وبنوا بيوتاً فيها (البدراوي، ص 47-49). ويقول القفطي: قالت فرقة إنه ولد ببابل ونشأ فيها وأخذ علمه من شيث بن آدم جد أبيه، ونهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم وشيث، فآمن به قليل، وخالفه الكثير هو وأتباعه إلى مصر (البدراوي، ص 53).
وقال الدكتور أحمد الكبيسي: وكان ظل التوحيد يتقلص في الأرض، والدعوة إلى الرشد تُنقص من أطرافها، حتى عادت الأصنام تغزو بيوت بابل، وفي إحدى الروايات أن إدريس عليه السلام اضطلع بالدعوة إلى التوحيد متابعاً مسيرة المستخلفين في الأرض من آبائه، وقاتل المفسدين والمشركين من ذرية قابيل، وبيّن للناس فسادهم ودعاهم إلى عدم ملابستهم، لكن الاستجابة إلى دعوة إدريس لم تسجل تقدماً ظاهراً، وظلت بطيئة ومحدودة، فما آمن معه إلا قليل، ورأى إدريس عقم الدعوة في بابل، وأن مدّ الضلال قد بدأ يستنفد قواه، ورأى أنه لن يؤمن معه بعد إلا من قد آمن، فقرّر الهجرة بهم.
اتجه إدريس بالعصبة المؤمنة إلى الجنوب وكانت الجزيرة العربية محطتهم الأولى، ويبدو أنهم لم يجدوا فيها مناخاً صالحاً للدعوة، ولا خفضاً كالذي كان في العراق، فلم يلبثوا أن رحلوا عنها يقودهم الشوق إلى بديل للخير العظيم الذي خلّفوه في الوطن الأم. فتحوّل إدريس بالمؤمنين على الشام، ولكنهم لم يمكثوا فيها مكثاً يذكر، بل تابعوا المسير إلى فلسطين، حيث كانت الوثنية عقبةً كأداء أمام الدعوة التي يحملها على عاتقه، فلم يلبثوا أن غادروها متجهين إلى وادي النيل. وفي الروايات أنه عزّ على إدريس والمؤمنين هجر العيش الرغد في بابل، ذات الجنان والأنهار، فدعا إدريس ربّه أن ينقله إلى أرضٍ ذات نهر مثل بابل، فرأى الانتقال إلى مصر، وكانت هجرته إليها منطلقاً إلى واقعٍ جديدٍ برزت فيه السمة الحضارية لدعوته (الكبيسي، ص102-104).
كانت المنطقة التي عُرفت فيما بعد بمصر أرضاً بكراً قليلة السكان، وعندما رأى إدريس والمؤمنون النيل العظيم وما يحيط به من خصبٍ وخضرة، أدركوا بأنه العوض الذي أنعم الله به عليهم بعد هجر بابل، وسنوات التشرد والتقلب في البلاد، فأطلقوا عليها اسم بابليون، ولعلها تعني بابل العظمى أو الفضلى. وقد استقر إدريس في صعيد مصر الأعلى، ويبدو هنا أن الاستقرار منحه الفرصة لتفعيل قدرات عقله، الموسوعي الفذ، فوضع أسس حضارة هائلة لم تزل تثير التساؤلات، لما تنطوي عليه آثار تلك الأرض من الأسرار (الكبيسي، ص 104).
المصادر والمراجع:
1. قرقوني، حنان، أنبياء الله الكرام قصص وعبر من حياتهم.
2. الكبيسي، أحمد، من أنباء القرى.
3. حمد، خالد محمد، أسماء الأنبياء .. دلالاتها ومعانيها.
4. ابن كثير، البداية والنهاية.
5. وصفي، محمد، الارتباط الزمني والعقائدي بين الأنبياء والرسل.
6. درويش، هدى، نبي الله إدريس عليه السلام بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام.
7. الحنبلي، مجير الدين، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل.
8. الطبري، تفسير الطبري.
9. الألوسي، روح المعاني.
10. النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان.
11. البدراوي، رشدي، قصص الأنبياء والتاريخ.