من كتاب السِّيرة النَّبويّة للدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ
الحلقة الثامنة والثلاثون
دور اليهود في العهد المكِّيِّ واستعانة مشركي مكَّة بهم
تحدَّث القرآن الكريم عن بني إسرائيل طويلاً في سورٍ كثيرةٍ، بلغت خمسين سورةً في المرحلة المكِّيَّة، وفي المرحلة المدنيَّة كان دور اليهود كبيراً في محاولة إطفاء نور الله، والقضاء على دعوة الإسلام، وعلى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تحظَ مِلَّةٌ من الملل، ولا قومٌ من الأقوام بالحديث عنهم بمثل هذا الشُّمول، وهذه التَّفصيلات، ما حظي به اليهود، وحديث القرآن عنهم يتَّسم بمنهجٍ دقيقٍ يتناسب مع المراحل الدَّعوية الَّتي مرَّت بها دعوة الإسلام، فقد جاءت الآيات الكريمة تشير إلى أنَّ غفلة المشركين عن الحقِّ، الَّذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعدم اكتراثهم به، وبدعوته له نماذج بشريَّةٌ تقدَّمتهم؛ مثل: عادٍ، وثمودٍ، وفرعون، وبني إسرائيل، وقوم تُبَّعٍ، وأصحاب الرَّس.
اقرأ معي تلك الإشارات، في قوله تعالى في سورة المزمَّل - وهي السُّورة الثَّالثة في ترتيب النُّزول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً *فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا *السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً *إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ [المزمل: 15 - 19] .
وكذلك ما ورد في سورة الأعلى، وهي السُّورة الثَّامنة في ترتيب النُّزول، فبعد أن ذكرت بعض الصِّفات الجليلة لله جلَّ جلاله، وما أسبغ به من النِّعم الدُّنيويَّة والآخرويَّة على عباده، وذكر طريق الفلاح في الدُّنيا وأنَّ الآخرة خيرٌ وأبقى، ختمت السُّورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ [الأعلى: 18 - 19] .
وفي سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ *إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ *وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ *الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ *فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ *فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ *إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 6 - 14] .
وجاء في سورة النَّجم ذِكْرُ بني إسرائيل، كنماذج بشريَّة تعرَّضت للفتنة، والاضطهاد، فمنهم من انحرف وسقط في هذا الابتلاء، ومنهم من صمد، ونجح في الابتلاء، قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى *أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى *وأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى *أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى *أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى *وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ [النجم: 29 - 42].
إنَّ تلك المبادئ مقرَّرةٌ في صحف موسى - عليه السَّلام - المرسل إلى بني إسرائيل، فليرجعوا إليها إن كانوا في شكٍّ من أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم ، وكذلك في صحف إبراهيم، وهم «أي: قريش» يزعمون أنَّهم ينتمون إليه، ويعظِّمون شرائعه؛ الَّتي توارثوها، كما هو حالهم في القيام على سدانة الكعبة، وخدمة الحجيج.
وفي سورة (ص، ويس، ومريم، وطه) عرض نماذج من قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما أصابهم من الفتنة والابتلاء، وكيف أوذوا فصبروا، وبيان سنَّة الله تعالى في أولئك المتحزِّبين المناهضين لدعوة الحقِّ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ *كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ *وَثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ *إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ *وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ *وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ *اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص 11 17] .
إنَّها إشارةٌ ذات دلالةٍ تربويَّةٍ لأصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مأخوذةٌ من سيرة هؤلاء الأقوام؛ الَّذين تحزَّبوا ضدَّ دعوة الحقِّ؛ لقد كذَّبوا أنبياءهم، فحقَّ عليهم كلمة العذاب، وانتصر أهل الحقِّ عليهم.
لم يسلم أحدٌ من الأنبياء من إيذاء الأقوام، مهما كانت مكانتهم، وعزَّتهم في مجتمعاتهم، فلئن كان نوحٌ، وهودٌ، وموسى، وصالحٌ، ولوطٌ، وشعيبٌ من عامَّة النَّاس، فما قولك في داود صاحب القوَّة، والسُّلطة، والملك، الَّذي كانت معجزاته بارزةٌ للعيان من تسبيح الجبال معه، وحَشْرِ الطُّيور لسماعِ مزاميره، وتلاوته؟ ماذا تقول عنه بنو إسرائيل؟ وماذا دوَّنوا في كتبهم عن سيرته؟ إنَّهم لم يتركوا نقيصةً إلا ألصقوها فيه، وهو النَّبيُّ العابد الأوَّاب، ومثل ذلك ما قالوه عن مريم البتول - عليها وعلى ابنها السَّلام - وقد أورد القرآن الكريم حملها، وولادتها، والخوارق الَّتي حصلت لهما؛ حيث جعلها وابنها ايةً للعالمين: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ [مريم: 21] ؛ فإذا كان هذا شأن بني إسرائيل مع أنبيائهم، وهم أهل الكتاب وبين أيديهم التَّوراة، ﴿فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾، فلا غرابة أن تقول قريش عن دعوة الحقِّ ما يدلُّ على ضلالها، وجهلها، إنَّها تهيئةٌ للنُّفوس، وتثبيتٌ لها على الحقِّ لملاقاة أعدائه المفترين المكذِّبين من المشركين ومن أهل الكتاب، ولم يكن هذا موقفهم من الأنبياء الَّذين كذَّبوهم ولم يؤمنوا لهم؛ بل كانت لهم مواقف غريبةٌ مشينةٌ مع أعظم أنبيائهم؛ الَّذين يفتخرون بنسبتهم إليه، وهم يزعمون: أنَّهم أهل كتابه الَّذي أنزل عليه، وحملة شرائعه وهدآياته، إنَّه نبيُّهم موسى - عليه السَّلام - أعظم أنبياء بني إسرائيل قاطبةً.
وتذكر لنا سورة (طه) كيف كان الحال معه، وما عاناه من سفههم، وتمرُّدهم على أوامر الله، وعصيانهم المتعمَّد، فما كاد موسى - عليه السلام - يغادرهم لمناجاة ربِّه، وقد ترك بين ظهرانيهم أخاه هارون ليصلح من شأن القوم، ولا يتَّبع سبيل المفسدين، إلا وتامروا عليه، وجمعوا زينة القوم ليُخرج لهم السَّامريُّ عجلاً جسداً له خوار، فيقوم النَّاس بالطَّواف به لعبادته؛ وليقولوا كلمتهم الكبيرة: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ﴾ [طه: 88] ، ولـمَّا عرف الحقيقة، استدعى السَّامري ليسأل عن الدَّافع له على هذا التصرُّف السَّفيه، ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ [طه: 96].
إنَّ قوماً يصل بهم السَّفه إلى هذا الحدِّ من الزَّيغ، والضَّلال، والإفساد، فهل يُؤْمَن جانبهم، ويُتوقَّع منهم الخير، أو مناصرة الحقِّ؟! لقد كان لقصص بني إسرائيل في هذه المرحلة المكِّيَّة المتقدِّمة آثار بعيدةُ الدَّلالة في تكوين الشَّخصيَّة الإسلاميَّة المتميِّزة عن هذه الطَّوائف والنِّحَلِ. ومن لطائف الأسرار القرآنيَّة، ومن جميل وجوه المناسبات أن يأتي الحديث عن عالميَّة الدَّعوة الإسلاميَّة، من خلال ذكر العهد والميثاق المأخوذ على بني إسرائيل أنفسهم؛ لكي يؤمنوا بالنَّبيِّ الأمِّيِّ عندما يأتيهم بدعوته العالميَّة، وكان ذلك في سورة الأعراف، وكان إيراد التَّفصيلات في انحرافات بني إسرائيل لتهيئة نفوس المؤمنين، بألا يتأثَّروا بموقف اليهود؛ إن هم تنكَّروا لهم، فإنَّهم قوم بُهْت، وتلك سيرتهم مع أنبيائهم، فإن أعرضوا عن دعوة الإسلام، وكذَّبوا محمَّداً صلى الله عليه وسلم ، وقد وجدوا أوصافه في كتبهم، فلا يستغرب ذلك من القوم المفسدين.
قال تعالـى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾[الأعراف: 156 - 158] .
نعم، إنَّها نقلةٌ من صعيد مكَّة، وشعابها، وجبالها إلى أقطار العالم جميعاً، إنَّها نقلةٌ رُوحيَّةٌ نفسيَّةٌ كبيرةٌ؛ حيث نلاحظ سياق الآيات يرسم معالم الدَّعوة العالميَّة عندما تخرَّج من مكَّة إلى الصَّعيد العالميِّ، كما أنَّ الآيات في سورة الأعراف مليئةٌ بالدُّروس التَّربويَّة العظيمة لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم ، من خلال السَّرد التَّاريخيِّ لحياة بني إسرائيل، وما اعتورها من أحداثٍ عظامٍ، وهذه المداخلات الَّتي تلفت النَّظر إلى أمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودورها ومهمَّتها في قيادة العالم، وفي الوقت نفسه تحذيرٌ لها لكي تتجنَّب ما وقعت فيه بنو إسرائيل، ويمضي السِّياق في الحديث عن الأمم الَّتي تكوَّنت من الأسباط، وكيف فُكَّت ضائقتهم في المطعم والمشرب، بتفجير الينابيع وإنزال المنِّ، والسَّلوى عليهم، وتوفير الظِّلال الوارفة لهم بتظليل الغمام عليهم، ولكن هل أدَّوا شكر هذه النِّعم؟ وماذا كان موقفهم من التكاليف الشَّرعيَّة؟ لقد كان العناد، والتَّحريف، والتَّحايل، والتمرُّد دائماً!
إنَّ إنسانيَّة الإنسان تتحقَّق باتِّباعه الوحي الرَّبَّانيَّ المُنزل من خالق السَّموات والأرض، والعبودية لله تعالى تحقِّق الكمال الإنسانيَّ، حيث تتحقَّق الغاية الَّتي خُلق الإنسان من أجلها، وأيُّ إهمالٍ لهذه المهمَّـة، وأيُّ ابتعادٍ عن نـور الوحي يبعد الإنسان عن الكمال البشريِّ، ويلحقه بالدَّواب، والأنعام، وقد يكون أضلَّ منها؛ لأنه يسخِّر عقله لمزيـد من الإسفاف، والانحطاط، بينما البهائم لا تتحايل في الإسفاف، والانحطاط، وإنَّما هي مفطورةٌ على غرائز معيَّـنةٍ تدفعها لتصرُّفٍ محدَّدٍ.
كانت سورة الأعراف المكِّيَّة، تعرض لمحاتٍ تربويَّةً، وتبيِّن توجيهاتٍ ربَّانيَّةً، وتوضِّح سنناً إلهيةً، من خلال الاعتبار بقصص بني إسرائيل.
عندما وجدت قريش نفسها عاجزةٌ أمام دعوة الحقِّ، وكان المعبِّر عن هذا العجز النَّضر بن الحارث؛ الَّذي صرح قائلاً: «يا معشر قريش! إنه والله قد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد! فانظروا في شأنكم، فإنَّه والله لقد نزل بكم أمرٌ عظيم!». فقرَّروا بعد ذلك إرسال النَّضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعَيْطٍ، إلى أحبار اليهود بالمدينة، لمعرفة حقيقة هذه الدَّعوة، لا لكي يتَّبعوها، ولكن لإدراكهم: أنَّ اليهود قد يمدُّونهم بأشياء تظهر عجز الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ولمعرفة زعماء مكَّة بحقد اليهود المنصبِّ على الأنبياء جميعاً، وأصحاب الحقِّ أينما كانوا.
كانت بعثة المصطفى صدمةً قويَّةً لليهود؛ وذلك لأنَّهم عاشوا في جزيرة العرب على حلمٍ توارثوه طوال السِّنين الماضية، وهو أنَّه سيبعث نبيٌّ مُخلِّص في ذلك الزَّمان والمكان، فرجوا أن يكون منهم؛ آملين أن يخلِّصهم من الفرقة، والشَّتات؛ الَّذي كانوا فيه.
كان التقارب بين معسكر الكفر والشِّرك مع اليهود ينسجم مع أهدافهم المشتركة للقضاء على دعوة الإسلام، ولذلك زوَّدوا الوفد المكيَّ ببعض الأسئلة محاولةً لتعجيز النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: بعثت قريش النَّضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمَّد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنَّهم أهل الكتاب الأوَّل، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا؛ حتَّى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووصفا لهم أمره، وبعض قوله، وقالا: إنَّكم أهل التَّوراة، وقد جئناكم؛ لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاثٍ نأمركم بهنَّ، فإن أخبركم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسلٌ، وإن لم يفعل فالرَّجل مُتَقَوِّلٌ، فقرِّروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدَّهر الأوَّل، ما كان من أمرهم؟ فإنَّه قد كان لهم حديثٌ عجيبٌ، وسلوه عن رجلٍ طوَّاف، بلغ مشارق الأرض، ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الرُّوح، ما هي؟ فإن أخبركم بذلك، فإنَّه نبيٌّ فاتَّبعوه، وإن هو لم يخبركم؛ فهو رجلٌ مُتَقوِّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النَّضر، وعقبة حتَّى قدما مكَّة على قريشٍ، فقالا: يا معشر قريش!، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمَّد،قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمورٍ، فأخبروهم بها، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد! أخْبِرْنا، فسألوه عمَّا أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبركم غداً بما سألتم عنه، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلةً، لا يحدِث الله إليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبريل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكَّة، وقالوا: وعدنا محمَّد غداً، واليوم خمس عشرة، قـد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء ممَّا سألناه عنه، وحتَّى أحْزَنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحي عنـه، وشقَّ عليه ما يتكلَّم بـه أهل مكَّة، ثمَّ جاء جبريل عليـه السلام من الله - عزَّ وجلَّ - بسورة أصحاب الكهف، فيهـا معاتبته إيَّاه على حزنه عليهم، وخبرُ ما سألوه عنه من أمر الفتيـة والرَّجل الطَّوَّاف، وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 85] [ابن هشام (1/322)] ولـمَّا سمع اليهود: قالوا: كيف وقد أوتينا ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾، ومن أوتي التَّوراة؛ فقد أوتي خيراً كثيراً؟ فنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [الكهف: 109].
كانت سورة الكهف قد احتوت على إجابةٍ لأسئلتهم، وإشارةٍ إلى أنَّ كهفاً من عناية الله سوف يُؤوي هؤلاء المستضعفين من أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ، كما اوى الكهف الجبليُّ الفتية المؤمنين الفارِّين بدينهم من الفتنة، وأنَّ نفوساً ستبشُّ في وجوه هذه العصبة من أنصار دين الله في يثرب، بالقرب من الَّذين عاضدوا قريشاً في شكِّهم، وحاولوا معهم طمس نور الحقِّ، بتلقينهم المنهج التعجيزيِّ في التَّثبُّت من أمر النُّبوَّة، وهو منهجٌ غير سليم؛ فمتى كانت الأسئلة التَّعجيزيَّة وسيلة التَّحقُّق من صدق الرِّسالة، وصاحبها؟! فهذا نبيُّ الله موسى عليه السلام، وهو من أعظم أنبياء بني إسرائيل، لم يعلم تأويل الأحداث الثلاثة التي جرت أمامه، وأنكر على الخضر تصرفاته، على الرَّغم من تعهده ألاَّ يسأله عن شيءٍ حتَّى يحدث له منه ذكراً، على الرَّغم من كل ذلك لم تؤثر الأحداث، وما دار حولها في نبوَّة موسى عليه السلام شيئاً، ولم يشكِّك بنو إسرائيل في نبوَّته، فَلِمَ يجعلون مثل هذه الأسئلة أسلوباً للتحقُّق من صدق الرِّسالة؟!.
جعل الله هذه المناسبة وسيلـةً للإشارة إلى قـرب الفرج للعصبة المؤمنـة؛ ليجدوا مأوىً كما وجد الفتية المأوى وليبشَّ في وجوههم أهل المدينة، كما بشَّ أهل المدينـة في وجـه أحـد الفتيـة، ثمَّ ذهبوا إليهم ليكرموهم، وليخلِّـدوا ذكراهم.
إنَّ القرآن الكريم نزل ليكوِّن خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس، لها مقوِّماتها الذَّاتيَّة، ومصادرها المعرفيَّة، ولقد نزل من أوائل ما نزل في المرحلة المكِّيَّة، سورة الفاتحة، وفيها التَّضرُّع إلى الله تعالى بهداية المؤمن إلى الصِّراط المستقيم، وتجنُّبه صراط المغضوب عليهم - وهم اليهود - وصراط الضَّالين - وهم النَّصارى - كما جاء في حديث عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه [الترمذي (2954) وأحمد (4/378 - 379)] .
فتحديد هذا النَّهج، وبيان الصِّراط المستقيم يستدعي بيان المناهج الضَّالَّة؛ حتَّى تُتَجنَّب السُّبل الأخرى المتفرِّقة؛ الَّتي تؤدِّي بصاحبها إلى المزالق، والمهالك، فكان التعرُّض لعقائد اليهود، وانحرافاتهم، ومواقفهم مع أنبيائهم أمراً تقتضيه دواعي التكوين للشخصيَّة الإسلاميَّة المتميِّزة، إنَّ معركتنا مع اليهود معركةٌ مستمرَّةٌ؛ لأنَّها معركةٌ بين المنهج الرَّبَّانيِّ، والصِّراط المستقيم ضدَّ المناهج الجاهليَّة المحرِّفة لكلمات الله، السَّاعية للإفساد في الأرض.