اختيار ابن السنوسي برقة مركزاً لدعوته... الأسباب والدوافع
بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي
الحلقة الخامسة
محرم 1441 ه/ سبتمبر 2019
إن أقليم برقة أحد أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة ، طرابلس، فزان)، بل أكبر هذه الأقاليم من حيث المساحة (700 الف كيلومتر مربع) وإن لم يكن أكثرها سكاناً، ويمتد هذا الاقليم من هضبة السلوم شرقاً وحدود طرابلس غرباً، وكان يعرف عند الرومان باقليم (سيرينة) التي سماها العرب (قيرين) أو (قرناه) ثم أصبح يعرف منذ الفتح الاسلامي باقليم برقة.
وسطح الاقليم متنوع بين سهل ساحلي يضيق في الجزء الأوسط بحيث يتكون من جيوب ساحلية تنحشر بين رؤس صخرية تصل الى الساحل، ولكن في جناحي برقة: في البطانان شرقاً، وفي برقة البيضاء والحمراء غرباً، يتسع هذا السهل الساحلي بحيث يمتد عشرات الاميال الى أن يلتقي بالصحراء، والى جانب هذا السهل الساحلي يوجد الجبل الأخضر الذي يرتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي ألف متر وتكسوه الخضرة الدائمة، ويرتفع الساحل ارتفاعاً مباشراً ولكنه ينحدر تدريجياً نحو الصحراء في الجنوب، وبه الأراضي الصالحة للزراعة المساحات الكبيرة التي ترويها مياه الامطار الغزيرة.
والى الجنوب من الجبل الأخضر توجد الصحراء الواسعة التي تكون معظم مساحة الأقليم وهذه الصحراء مستوية وان وجد بها بعض الكثبان والهضبات فهي مستوية أيضاً، وفي صحراء برقة توجد أودية عميقة بعضها يمتلئ بالماء فترة ما وبعضها يكون جافاً طول السنة، كما توجد بعض الآبار والينابيع المتناثرة وسط الصحراء تحيط بها واحات فقيرة مثل الجغبوب والكفرة، وجالو، وأوجلة.
وسكان برقة يعيشون في تنظيم قبلي اتضحت صورته منذ الفتح الاسلامي ثم عندما زحفت قبائل بني هلال، وبني سليم من مصر الى المغرب منذ القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي، أصبحت هذه القبائل تنقسم الى قسمين رئيسين: القبائل السعدية ، وقبائل المرابطين ، ويذكر البعض أن السعديين هم قبائل بني سليم، وأن المرابطين هم بقية القبائل العربية اليمنية التي جاءت مع الفتح الاسلامي والتي اختلطت مع سكان البلاد وعربتهم، وأن ثمة قبائل من المرابطين لها شرف في النسب الى بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أهم القبائل السعدية ، العبيدات، وعائلة فايد، والحسا والبراعصة، والدرسة، والعبيد، وعرفة، والعواقير، والمغاربة، وأهم قبائل المرابطين: المنفة ، والقطعان، والحوطة، والفواخر والزوية.
وقبائل برقة تعيش نفس التنظيم القبلي العربي من حيث انقسامها الى عشائر وبطون وأفخاذ، وللقبيلة أرض تملكها وتنتقل في ارجائها، وأفراد كل قبيلة متضامنون في أداء ما عليهم من واجبات وفي الحصول على مالهم من حقوق، ولكل قبيلة رئيس أو شيخ له الرياسة العامة على أفرادها. ومنذ أيام الفتح الاسلامي حتى العصر الحديث كان الحكم في برقة يأخذ القبيلة بعين الاعتبار في تقسيم البلاد الى وحدات ادارية، بحيث تكون القبيلة أساساً لتطبيق النظام ومساعدة الحكام.
كان القبائل في برقة تعيش حياة غير مستقرة؛ فيما عدا الواحات، وكثيراً ما تتقاتل من أجل المراعي أو مياه الآبار.
وقد توفرت في برقة ظروف ملائمة لظهور الحركات السنوسية بوصفها حركة اسلامية شاملة:
أن برقة منفصلة عن الاقطار المجاورة بالصحارى والفيافي التي تحيط بها.
تتألف برقة من قبائل عربية بدوية تربطها أنماط حياة اجتماعية متجانسة.
يقوم النظام القبلي في برقة على (عصبيات) دموية مشتركة وتقاليد وأعراف متشابهة.
لاتزال المناطق الريفية بعيدة عن سيطرة المدن.
لم يمارس الحكام العثمانيون إلا سيطرة ضعيفة على المناطق الداخلية.
إن النظام القبلي في برقة كان حلقة مفقودة في خطة ابن السنوسي ووجد ضالته في ذلك المجتمع، فقد أوجد النظام القبلي القواعد السياسية التي اقيمت عليها الحركة السنوسية، إن النظام القبلي في برقة تميز بالتعقيد ووجود مؤسسات متطورة لها مصالحها الاقتصادية، وتركيبتها الاجتماعية ويرجع نجاح الحركة السنوسية في برقة في بعض جوانبه الى التكيف مع هذه التركيب القبلي المعقد، إن الحركة السنوسية وجدت بنية اقتصادية، وتركيبية اجتماعية استطاعت أن تتفاعل معها الحركة، لقد استطاع ابن السنوسي أن يشيد على البناء القبلي تنظيماً ارشادياً ووعظياً، ولم يكن من الممكن اقامة مجتمع جديد بدون ذلك البناء القبلي.
لقد وجد ابن السنوسي ضالته في قبائل برقة، ووجدت القبائل ضالتها المنشودة في دعوة ابن السنوسي.وكانت قبائل برقة قبل مجيء ابن السنوسي تتخبط في دياجير الظلام، حيث استفحل الجهل في تلك القبائل رغم اعتناقها الاسلام الذي تنتسب إليه اسمياً وبالفطرة، ولم يبقى لها من الاسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه وإليك بعض الصور من هذا الانحراف الخطير:
اتخذت بعض القبائل مواقع من برقة لتأدية فريضة الحج بدلاً من الحج الى بيت الله الحرام.
كانت بعض القبائل لا ترى ضرورة صيام رمضان فتكلف ثلاثين شاباً قوياً، فيصومون يوماً واحد، ويرون بذلك قد أدوا واجب الصيام على المسنيين والعجزة وارباب الأعمال من أهل القبيلة.
كثر الأدعياء والدجالين الجهلة الذين يدعون لأنفسهم مقام الولاية والصلاح دون معرفة أصول الدين وعلى غير علم به، وكان حقهم في هذا المقام هو بالتوارث خصوصاً إذا ماكان بين هؤلاء الأدعياء من له صلة بنسب شريف ولهؤلاء مكانتهم في نظر العامة التي اعتقدت أنهم يتصرفون في ملكوت الله أحياء وأمواتاً، وأنهم في حالة الغضب أو الرضى يشقون ويسعدون .
لقد غابت كثير من شعائر الدين بين تلك القبائل.
كانت القبائل يكثر بها الجهل قلما تجد من يعرف القراءة والكتابة، فكل من يصل إليه كتاب يذهب به الى اقرب المدينتين إليه بنغازي أو درنة لقراءته.
كان القوي منهم لا يتورع في الحصول على ماتصبو إليه نفسه بالقوة حتى أن الضعيف لا يرى له حقاً.
كانوا لايرون في شن الغارات والغزو والقتال عيباً، فكل قبيلة من القبائل العربية تعمل ما يعزز مركزها ويقوي شوكتها في نظر القبيلة الاخرى.
كانت الحروب تندلع بين القبائل بأقل الاسباب واتفهها ، فتارة من أجل شخص حلب ناقة غيره بدون استئذانه، وتارة من أجل شخص ضاف آخر فلم يكرم وفادته، ومرة من أجل بهيمة أكلت زرعاً، وحيناً من أجل رجل تزوج امرأة ولها ابن عم لا يريد زواجها منه...الخ فبمثل هذه الاسباب كانت تقع الحروب الكثيرة التي جرت القبائل الى هاوية الخراب والدمار، ولم يمر وقت طويل بدون حرب، ومن أهم الحروب التي وقعت ببرقة قبل مجيء ابن السنوسي حرب العبيدات وأولاد علي ، وحرب قبائل الجبارنة مع الفوائد، ثم الجبارنة مع الحرابي المعروف بحرب (بياض)، وحرب المغاربة مع الزواوات، الى غير ذلك من الحروب الكثيرة.
ولكن الدعوة السنوسية استطاعت أن تزكي النفوس، وتقوى الايمان، وتنشر العلم، وتزيل الجهل ، وتحارب الظلم، وتحبب العدل الى نفوس تلك القبائل ، وبعد فترة من الزمن اصبح من تلك القبائل علماء عاملون يدعون الى الخير وبه يعدلون ولقد استطاع الشاعر أبوسيف مقرب حدوث البرعصى أن يصف الحالة التي كان عليها قومه وكيف تحولوا عنها نتيجة للدعوة السنوسية:
وكم من حريم قد أباحوا واجحفوا
بمال غني لايخافون عادياً
وكم جهول أسود اللون خلقة
كساه لبوس العلم ابيض صافياً
وكم بدوي في الفلا خلف نوقه
يبول على الاعقاب أشعث حافياً
تلافاه في مهوى الضلالة هاوياً
فأصبح نجماً بالهداية عالياً
فتاهوا به فخراً على كل حاضر
ومن جاور الأعلى يحوز المعاليا
وهذه قصيدة الشاعر الأديب الاستاذ احمد شنيب المعروفة بـ (عقيدة وخلود) توصف حال المجتمع الليبي فتقول:
ارض الجدود وقد جفاك بنوك
حتى استحل دم العروبة فيك
ماخطبهم باعوا الهداية بالدجى
وتفرقوا ، وبجهلهم خذولك
وتشتتوا في الأرض لا من غاية
غير التناحر والدم المسفوك
شعب تفرق شمله وقبائل
لم يدركوا (التعارفوا) فرموك
ياوحيهم ماجاء عمرو غازيا
إلا لنشر الحق في ناديك
ودم الصحابة لم يرق عفواً ولم
يستشهد الابرار حين غزوك
وهبوا حياتهم لنصرة ربهم
والدين والقرآن كي يحموك
عادت عصور الجاهلية بينهم
وتصدع الاسلام بين يديك
واحسرتاه على الحنفية كم غدت
تبكي كرامة مجدها المهتوك
لا الدين أصبح يهتدي بجلاله
لا السنة العصماء تسعد فيك
والمسلمون أدلة ليست لهم
من دينهم غير اسمه ياسوك
ساءت موازين الحياة وبالهوى
ساسوا الأمور، وخسفهم ساموك
وتطلع الغرب الغريب توثباً
واعد عدته لكي يرو يك
ابناء روما في الشمال تحفزوا
وبنوا فرنسا في الجنوب قلوك
الله يارض الجدود ومن سوى
رب السماء من الأذى ينجيك
ان الذي بعث النبي محمداً
للتائهين اعز من يهديك
ياابن السنوسي الكبير تحية
من أمة في عصرها المنهوك
جاءت إليك تحط كل رجائها
وتطوف حول ركابك المبروك
او لست سيد عصره وامامها
والقائد الاعلى بغير شريك
في لينه حزم، وفي ايمانه
كل اليقين بنصر خير مليك
وغناه في قصد، وفاقته على
اسمى التجمل في اعف سلوك
ياارض قرى خاطراً وتقدمي
بتحية الاكبار من هاديك
حملت آثاماً فجاء مطهراً
اكرم به من مؤمن يحبوك
وغدوت اشتاتاً فاقبل هادياً
ومبشراً، والى العلا يدعوك
ويلم شعث المسلمين ويبتني
ركنا يقام وامة تفديك
ويعيد للدين القويم بهاءه
ويقيل عثرة شعبك المملوك
إن اختيار ابن السنوسي لبرقة كان قراراً حكيماً، يدل على معرفته للمنطقة جيداً، فقد اتصفت برقة بفراغها السياسي وبجهلها العلمي وبكونها مخرجاً لأواسط أفريقيا.
وظل ابن السنوسي خمس سنين وقيل ستة في برقة، ينشئ الزوايا وينظمها، ويرسم مناهج الدعوة ومبادئها ويبث دعوته الاصلاحية عن طريق هذه الزوايا. ثم عاد بعد هذه السنوات الخمس الى الحجاز، المركز الأول لدعوته، ومنذ ذلك الوقت كان للدعوة عنده مركزان رئيسيان : شرقي في الحجاز وغربي في برقة، وعن هذين المركزين أخذت الدعوة السنوسية تنتشر بواسطة الزوايا هنا وهناك.
إن سفر ابن السنوسي الى مكة يدلنا على إنه كان لديه مشروعات دعوية كثيرة في العالم الاسلامي، وأن هدفه فتح أراضي جديدة لدعوته، لقد استطاع ابن السنوسي أن يرسي قواعد الدعوة في برقة ويثبت أسسها ، فغادر برقة وهو مطمئن الى أن دعوته ستنتشر ، وقد خلف وراءه عدداً من الاخوان للاشراف على الحركة. لقد كان ابن السنوسي يخطط في تنظيمه بحيث يكفل الاستمرار بغض النظر عن وجوده أو عدم وجوده.