النشاط الدعوي لإبن السنوسي في الحجاز...
بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي
الحلقة السادسة
محرم 1441 ه/ سبتمبر 2019
سافر ابن السنوسي الى الحجاز، واستمرت مدة اقامته حوالي ثماني سنوات، وحفلت هذه السنوات بنشاط دعوي عالمي لابن السنوسي، دل على قدرته التنظيمية، وذكائه في تصريف شؤون الحركة، وشرع في إنشاء الزوايا، وكثر دخول الناس في الدعوة، وتعرض لمتاعب من قبل بعض العلماء وقد تحدث الصادق المؤيد عن ذلك فقال: (مع أن المرحوم ابن السنوسي عندما كان في الحجاز لم يتعرض للهجوم على الطرق الصوفية الأخرى، فإنه اصبح هدفاً لنقمة الآخرين ونقدهم. ومع ذلك فقد توسع نفوذ السنوسية ودخلت الصحراء جزيرة العرب حيث اعتنقها عدد من القبائل كبني حارث وبني حرب، كما انتشرت الطريقة بواسطة الحجاج: وهذا سر انتشارها بسرعة خارقة في الحجاز واليمن على الخصوص.
وعلى الرغم مما وقع للسيد السنوسي من رقابة ومنافسة وعداء، فقد كان عدد المريدين في ازدياد، ولذلك أسس زوايا أخرى عدا الزاوية الرئيسية التي في جبل ابي قبيس في المدينة والطائف والحمراء وينبع وجدة).
وكانت كل زاوية من هذه الزوايا عمل خاص (فزاوية أبي قبيس فيها مسجد شريف ومدرسة للتعليم ومساكن لقبول الزوار والمسافرين ، وتكتظ هذه الزاوية بالناس في موسم الحج خاصة. أما زاوية جدة فكانت تستقبل الوافدين من المنسوبين للطريقة وغيرهم وتتولى إسكانهم وإعاشتهم مجاناً، فهي محل ضيافة عامة) .
واستطاع ابن السنوسي أن يساهم في تربية وتعليم القبائل من الحجاز، وارشدهم الى دينهم وعمل ابن السنوسي بالاضافة الى تأسيس الزوايا على تعليم مريديه بنفسه، فجلس في مكة يدرِّسهم الفقه والعلوم الأخرى. كما ألف لهم عدداً من الكتب منها كتابه (بغية المقاصد وخلاصة الراصد) المسمى بالمسائل العشر. وقد انتهى كما تشير الى ذلك النسخة المطبوعة سنة 1264هـ أي أثناء اقامته في الحجاز، ومنها رسالة كتبت مقدمة لكتاب موطأ الامام مالك في أول سنة 1267هـ (وذلك حين بداءته لقراءة الموطأ) بغية إعطاء طلابه فكرة عن الكتاب، وربما قد كتب بعض مؤلفاته الأخرى في تلك الفترة، كإيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، والدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية، والسلسبيل المعين، وقد ظهر في كتبه هذه اتجاهه الصوفي واعتماده على الكتاب والسنة وقوله بالاجتهاد.
وكان طوال إقامته في الحجاز، يحرص على الحج كل عام، ويتصل بالناس ويدعوهم الى دعوته ويضم من يستجيب منهم وكان على اتصال مستمر بأتباعه في برقة يوجههم ويصدر إليهم تعاليمه وارشاداته بواسطة الرسائل. ويذكر الأشهب : (أنه كان يندب سنوياً من يزور مختلف الزوايا لإبلاغ توصياته وتوجيهاته).
وكان ابن السنوسي قد ترك زوجته وولديها محمد المهدي ومحمد الشريف في برقة وكان على اتصال بهم عن طريق الرسائل وكان قد عين عمران بن بركة ومحمد بن ابراهيم الغماري للأهتمام بشؤون أهله وولديه وقد ذكر عبدالقادر بن علي، بأن ابن السنوسي عندما بشر بمولوده الجديد قال (الآن ظهر الصباح وخفي المصباح) وكان يقصد بالصباح ابنه والمصبح نفسه.
وعندما بلغ محمد المهدي الخامسة من عمره (أرسل ابن السنوسي الى الاخوان الكافلين له وقال لهم أدخلوه الكتّاب وعلموه الوضوء والصلاة ففعلوا كما أمر).
وعندما بلغ محمد المهدي السابعة من عمره أرسل إليهم، ليوجهونه إليه مع زوج خالته، فارتحل به، ولما اجتمع ابن السنوسي بولده سر به سروراً عظيماً وطلب لوح قراءته فوجد أوله (وإنك لعلى خلق عظيم) فازداد سروراً، وزوَّره الروضة الشريفة ولقنه ماعنده من الدعاء ثم زوّره المآثر كلها التي بالمدينة، كمسجد المائدة ومسجد القبلتين وجبل أحد، وقبور شهداء احد، وقبر حمزة رضي الله عنه.
وكان قبل مجيء ابنه قد تزوج ابن السنوسي زوجته الرابعة والأخيرة (ابنة حسن البسكري). وكانت بدرنة مع أختها وأخواتها وتوفي والدها، فأرسل ابن السنوسي الى ابن أخ حسن البسكري أن يأتي بالأم وبناتها، وكانت أكبر البنات تحت عبدالله البسكري ابن أخ حسن البسكري، فرحل بها الى الحجاز وتزوجها ابن السنوسي ورزقت منه بولد وتوفي صغيراً ولم يفارقها حتى مات.
وعندما بلغ محمد المهدي التاسعة غادر والده المدينة الى مكة وتركه مع زوجة أبيه البسكرية فأعتنت به كثيراً. وفي جمادي من سنة 1269هـ طلب ابن السنوسي ابنه محمد المهدي من المدينة وأرسل يطلب من الأخوان في برقة بإرسال ابنه محمد الشريف.
وذكر احمد الشريف رحلة والده فقال : (فأرتحل محمد الشريف من الجبل وهو ابن سبع سنين ومعه والدته وجده السيد أحمد بن فرج الله ومروا على العقبة ثم منها الى الاسكندرية ثم الى كرداسة، ثم نزلوا بمصر ببيت الشيخ عمر الزروالي أقاموا بها أياماً ثم الى السويس وركبوا البحر قاصدين جدة.. وأتتهم ريح عاصفة قبل نزولهم قلعت بالمركب حتى أيقنوا الغرق. وتقطعت الأشرعة وآخر الأمر سلمهم الله ورمتهم الريح على الينبع فنزلوا بها وأقاموا أياماً للاستراحة. ثم ارتحلوا الى المدينة المنورة فزاروا الروضة الشريفة واجتمعوا بالباشا الذي رحب بهما وأعطاه ساعة تساوي مئة، وبعد ذلك بني جامع الزاوية التي بالمدينة بناءً متقناً من نفسه جزاه الله خيراً. وكان بالمدينة يومئذ السيد عبدالله التواتي وأكرمهم غاية الاكرام. وأقاموابها ثلاثة أشهر ونصف ثم ارتحلوا منها الى مكة المشرفة منتصف ذي القعدة سنة تسع وستين بعد المئتين والألف صحبة السيد التواتي .. وتخلف السيد عبدالله لوجع في رأسه وحمى معه آخر فناما ليستريحا ويلحقا بالقافلة، فلم يشعروا إلا وهبت الريح.. وقطاع الطريق قد أحاطوا برواحلهما لينهبوا ماعليها فقاموا إليهم للمدافعة عما أرادوه فضربوا السيد عبدالله بفأس على رأسه فسقط على الأرض وجرحوا صاحبه، وأكتشف رجال القافلة الأمر بعد أن أرسلوا رسولاً ينظر سبب تأخر الرجلين، فتوقفوا لدفنه وساروا في خوف وحزن يحرسهم العسكر الذي أرسله الباشا الى أن وصلوا مكة المكرمة.
وقد حزن ابن السنوسي على مقتل عبدالله التواتي الذي كان من أوائل رفاقه وكان المسؤول الأول عن نشاط الحركة في الحجاز، وقد أمر ابن السنوسي بنقله الى بدر، حيث دفن بجوار الشهداء رضي الله عنهم أجمعين.
كان عبدالله التواتي من كبار العباد في الحركة السنوسية وقد حدثني استاذي في اللغة العربية الشيخ راشد الزبير السنوسي عندما كنا معاً في المعتقل السياسي بطرابلس الغرب بأن عبدالله التواتي كان يقول والله لازاحمنَّ اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ابواب الجنان بركبتي ، وكان عبدالله التواتي شديد الاخلاص لابن السنوسي حتى أنه دعا الله أن يكون فداء له ولأنجاله، وقد أصاب قاتليه مرض مزمن وماتوا ميتة بشعة، وانتشر خبر وفاتهم بين قبائل الحجاز، فأصبحوا يتحاشون السنوسية واتباعهم ولا يمسونهم بسوء أبداً حتى أن أهل مكة والمدينة كانوا اذا أرادوا الحج أو الزيارة فلا يخرجون إلا مع الركب السنوسي لكي يأمنوا حياتهم وامتعتهم.