الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة التاسعة والأربعون (49)

مواكب الخير وطلائع النُّور

قال جابر بن عبد الله الأنصاريُّ: «مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّـة عشر سنين، يَـتَّـبَّعُ النَّاس في منازلهم، بعُكاظ، ومجَنَّة، وفي المواسم بمنى، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتَّى أبلِّغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتَّى إنَّ الرجل ليخرج من اليمن، أو مُضَر، فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتننَّك! ويمشي بين رجالهم؛ وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتَّى بعَثَنا اللهُ إليه من يثرب، فآويناه، وصدَّقناه، فيخرج الرَّجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتَّى لم يبقَ دارٌ من دور الأنصار، إلا وفيها رهطٌ من المسلمين، يُظهرون الإسلام» [أحمد (3/322 - 323، 339 - 340)] .

أوَّلاً: الاتِّصالات الأولى بالأنصار في مواسم الحجِّ، والعمرة:

1 - إسلام سُوَيد بن الصَّامت:

كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، لا يسمع بقادمٍ يقدم مكَّة من العرب، له اسمٌ، وشرفٌ، إلا تصدَّى له، ودعاه إلى الله، وعرض عليه ما جاء به من الهدى، والحقِّ، فقدم سُوَيد بن الصَّامت - أخو بني عمرو بن عوف - مكَّة حاجّاً، أو معتمراً، وكان سُوَيد يسمِّيه قومُه فيهم الكامل، لَجَلده، وشِعْره، وشرفه، ونسبه، فتصدَّى له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله، وإلى الإسلام، فقال له سُوَيد: فلعلَّ الذي معك مثلُ الَّذي معي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وما الَّذي معك؟» قال:مجلَّة لقمان، فقال له رسول الله: «اعرضها عليَّ» فعرضها عليه، فقال: «إنَّ هذا الكلام حسن، والَّذي معي أفضل من هذا؟ قرآن أنزله الله عليَّ، وهو هدًى ونورٌ»، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يَبْعُد منه، وقال: إنَّ هذا القول حسنٌ، ثمَّ انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتله الخزرج، وقد كان رجالٌ من قومه يقولون: إنَّا لنرآه  قُتل؛ وهو مسلمٌ، وكان قَتْلُه يوم بُعاث. [ابن هشام (2/67 - 69) والبيهقي في دلائل النبوة (2/418) والطبري في تاريخه (2/351 - 352)] .

وعلى أيَّة حالٍ، لا توجد دلائل على قيام سُوَيد بن الصامت بالدَّعوة إلى الإسلام وسط قومه.

2 - إسلام إياس بن معاذ:

لـمَّا قدم أبو الحَيْسَر بن رافع مكَّة، ومعه فتيانٌ من بني عبد الأشْهَل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج؛ سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم، فجلس إليهم، فقال: «هل لكم في خير ممَّا جئتم له؟» قالوا له: وما ذاك؟ قال: «أنا رسولُ الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل عليَّ الكتاب»، ثمَّ ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ - وكان غلاماً حدثاًـ: هذا واللهِ خيرٌ ممَّا جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حَفْنَةً من ترابٍ، وضرب بها وجهه، وقال: دعنا منك، فلَعَمرِي لقد جئنا لغير هذا! فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس، والخزرج، ثمَّ لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، وقد روى من حضره من قومه، أنَّه ما زال يهلِّل الله، ويكبِّره، ويحمده، ويسبحه حتَّى مات، فما كانوا يشكُّون: أنَّه مات مسلماً، لقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع. [ابن هشام (2/69 - 70) وأحمد (5/427) والطبراني في المعجم الكبير (805) والبيهقي في دلائل النبوة (2/420 - 421) والطبري في تاريخه (2/352 - 353) ومجمع الزوائد (6/36) والإصابة (1/102)] .

ثانياً: بدء إسلام الأنصار:

كانت البداية المثمرة مع وفدٍ من الخزرج في موسم الحجِّ عند عقبة منى، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: أَمِنْ موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلِّمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله - عزَّ وجلَّ - وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. [ابن هشام (2/70 - 71)، وابن سعد (1/218 - 219)، والبيهقي في الدلائل (2/433 - 435)، والطبراني في المعجم الكبير (20/362)، ومجمع الزوائد (6/40 - 42)] .

فلـمَّا كلَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أولئك النَّفر، ودعاهم إلى الله؛ قال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلمون والله: أنَّـه للنَّبيُّ الَّذي توعَّدكم بـه يهود، فلا تسبقنَّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدَّقوه، وقَبِلُوا منـه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنَّا قد تركنا قومنـا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرِّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الَّـذي أجبناك إليه من هذا الدِّيـن، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعزُّ منك. ثمَّ انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا، وصدَّقوا، وكانوا ستَّة نفرٍ، وهم: أبو أمامة أسعد بن زُرارةَ، وعوف بن الحارث من بني النَّجار، ورافع بـن مالك، وقُطْبـة بـن عامرٍ، وعُقْبـة بـن عامرٍ، وجابر بـن عبد الله بـن رئاب. فلـمَّا قدموا المدينـة إلى قومهم ؛ ذكروا لهـم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ودعَوهـم إلى الإسـلام، حتَّى فشا بينهم، فلم تبـقَ دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذِكْـرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

فهذا أوَّل موكبٍ من مواكب الخير، لم يكتفِ بالإيمان؛ وإنَّما أخذ العهد على نفسه أن يدعوَ إليه قومه، وقد وفَّى كلٌّ منهم لدينه، ورسوله، فإنَّهم حين رجعوا؛ نشطوا في الدَّعوة إلى الله، وعرضوا كلمة الهدى على أهلهم، وذويهم، فلم تبقَ دارٌ من دور المدينة إلا وفيها ذكرٌ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم ، وهكذا عندما يأذن الله تأتي ساعة الحسم الفاصلة، فقد كان لقاء هؤلاء مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم على غير موعـدٍ، لكنَّه لقاء هيَّأه الله؛ ليكون نبع الخير المتجِّدد الموصول، ونقطة التَّحوُّل الحاسم في التَّاريخ، وساعة الخلاص المحقَّق من عبادة الأحجار؛ بل إنَّها على التَّحقيق ساعة الحسم في مصير العالم كلِّه، ونقل الحياة من الظُّلمات إلى النُّور، أكان معقولاً في لحظةٍ يسيرةٍ أن يتحوَّل هؤلاء من وثنيِّين متعصِّبين، إلى أنصارٍ للدَّعوة متفتِّحين، وجنودٍ للحقِّ مخلصين، ودعاةٍ إلى الله متجرِّدين، يذهبون إلى أقوامهم، وبين جوانحهم نورٌ وعلى وجوههم نورٌ، وإنَّهم لعلى نورٍ؟! تلك مشيئة القدر العالي، هيَّأت للدَّعوة مجالها الخصب، وحماها الأمين، والسَّنوات العِجاف الَّتي قضاها الرَّسول صلى الله عليه وسلم نضالاً مستمرّاً، وكفاحاً دائماً، وتطوافاً على القبائل، والتماساً للحليف، قد ولَّت إلى غير رجعةٍ؛ سيكون بعد اليوم للإسلام قوَّته الرَّادعة، وجيشه الباسل، وسيلتقي الحقُّ بالباطل؛ ليصفِّي معه حساب الأيام الخوالي، والعاقبة للمتقين، وستتوالى على مكَّة منذ اليوم مواكب الخير، وطلائع النُّور، الَّتي هيَّأها الله للخير؛ لتتصل بالهداية، وتسبح في النُّور، وتغترف من الخير، وترجع إلى يثرب بما وَعَتْ من خير، وبما حملت من نورٍ.

ومن الجدير بالتَّنبيه: أنَّ هذه المقابلة الَّتي حدثت عند العقبة، وتلاقى فيها فريقٌ من الخزرج بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وأسلموا على يديه، لم تكن فيها بيعةٌ؛ لأنَّها كانت من نفر صغيرٍ، لم يروا لأنفسهم الحقَّ في أن يلتزموا بمعاهدة دون الرُّجوع إلى قبائلهم في المدينة، ولكنَّهم أخلصوا في تبليغ رسالة الإسلام(2).

ثالثاً: بيعة العقبة الأولى:

بعد عامٍ من المقابلة الأولى؛ الَّتي تمَّت بين الرَّسول صلى الله عليه وسلم وأهل يثرب عند العقبة، وَافَى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه صلى الله عليه وسلم بالعقبة، وبايعوه العقبة الأولى، عشرةٌ من الخزرج، واثنان من الأوس، ممَّا يشير إلى أنَّ نشاط وفد الخزرج الَّذين أسلموا في العام الماضي، تركَّز على وسطهم القبلي بالدَّرجة الأولى؛ لكنَّهم تمكنوا في الوقت نفسه من اجتذاب رجال الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام.

وقد تحدَّث عبادةُ بن الصَّامت الخزرجيُّ عن البيعة، في العقبة الأولى، فقال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنيْ عَشَرَ رجلاً، فبايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب، على ألاَّ نشرك بالله، ولا نسرق، ولا نزني، لا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا، وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفَّيتم فلكم الجنَّة، وإن غَشِيتم من ذلك شيئاً، فأمركم إلى الله - عزَّ وجلَّ - إن شاء؛ غفر، وإن شاء؛ عذَّب» [البخاري (18 و92 و38 و3999) ومسلم (1709)] .

وبنود هذه البيعة، هي الَّتي بايع الرَّسول صلى الله عليه وسلم عليها النِّساء فيما بعد، ولذلك عرفت باسم بيعة النِّساء، وقد بعث الرَّسول صلى الله عليه وسلم مع المبايعين مصعب بن عمير، يعلِّمهم الدِّين، ويقرئهم القرآن، فكان يُسمَّى بالمدينة (المقرئ)، وكان يؤمُّهم في الصَّلاة، وقد اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علمٍ بشخصيَّته من جهةٍ، وعلمٍ بالوضع القائم في المدينة من جهةٍ أخرى، حيث كان بجانب حفظه لما نزل من القرآن يملك من اللَّباقة، والهدوء، وحسن الخُلُق، والحكمة قدراً كبيراً، فضلاً عن قوَّة إيمانه، وشدَّة حماسه للدِّين، ولذلك تمكَّن خلال أشهرٍ أن ينشر الإسلام في معظم بيوتات المدينة، وأن يكسب للإسلام أنصاراً من كبار زعمائها، كسعد بن معاذ، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وقد أسلم بإسلامهما خلقٌ كثير من قومهم.

لقد نجحت سفارة مصعب بن عمير رضي الله عنه في شرح تعاليم الدِّين الجديد، وتعليم القرآن الكريم، وتفسيره، وتقوية الرَّوابط الأخويَّة بين أفراد القبائل المؤمنة من ناحيةٍ، وبين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصحبه بمكَّة المكرمة، لإيجاد القاعدة الأمينة لانطلاق الدَّعوة.

وقد نزل مصعب بن عمير رضي الله عنه في يثرب على أسعد بن زُرارة رضي الله عنه، ونشط المسلمون في الدَّعوة إلى الله، يقود تلك الحركة الدَّعوية الرَّائدة مصعب رضي الله عنه، وقد انتهج منهج القرآن الكريم في دعوته، وهذا هو الذي تعلَّمه من أستاذه صلى الله عليه وسلم، وقد شرح لنا بعض الآيات القرآنيَّة المكِّيَّة بصورةٍ عمليَّةٍ حيَّةٍ، مثل قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125]

 

رابعاً: قصَّة إسلام أُسَيْد بن حُضير، وسعد بن معاذ رضي الله عنهما:

كان سعد بن معاذ، وأُسَيْد بن حضير، سيِّديْ قومهما من بني عبد الأشهل، وكانا مشركَيْن على دين قومهما، فلـمَّا سَمِعَا بمصعب بن عمير، ونشاطـه في الدَّعوة إلى الإسلام؛ قال سعد لأُسَيْدٍ: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرَّجلين، اللَّذين أتيا دارينا؛ ليُسَفِّها ضعفاءنا، فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارَينا؛ فإنَّه لولا أسعد بن زُرارةَ منِّي حيث قد علمت؛ كفيتُك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدماً، فأخذ أُسَيْد حربته، ثمَّ أقبل عليهما، فلـمَّا رآه  أسعد بن زرارة؛ قال: هذا سيِّد قومه، وقد جاءك؛ فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلسْ أكلِّمْه، فوقف عليهما مُتشتِّماً، فقال: ما جاء بكما تسفِّهان ضعفاءنا؟! اعتزلانا؛ إن كانت لكما بأنفسكما حاجةٌ، فقال له مصعب بلسان المؤمن الهادئ الواثق من سماحة دعوته: أو تجلسُ، فتسمع، فإن رضيت أمراً؛ قبلته، وإنْ كرهته؛ نكفُّ عنك ما تكره؟

قال أُسَيْد: أنصفتَ، ثمَّ ركَّز حربته، وجلس إليهما، فكلَّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا - فيما يُذكر عنهما -: والله! لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلَّم في إشراقه، وتسهُّله، ثمَّ قال: ما أحسنَ هذا الكلامَ، وأجْمَلَه! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدِّين؟ قالا له: تغتسل، فتتطهَّر، وتطهِّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقِّ، ثمَّ تصلِّي، فقام، فاغتسل، وطهَّر ثوبيه، وتشهَّد شهادة الحقِّ، ثمَّ قام فركع ركعتين، ثمَّ قال لهما: إنَّ ورائي رجلاً، إن اتَّبعْكما؛ لم يتخلَّفْ عنه أحدٌ من قومه، وسأرسله إليكم الآن: سعد بن معاذ.

ثمَّ أخذ حربته، وانصرف إلى سعدٍ، وقومه؛ وهم جلوسٌ في ناديهم، فلـمَّا نظر إليه سعد مقبلاً، قال: أحلف بالله! لقد جاءكم أُسَيْد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم!!

فلـمَّا وقف على النَّادي؛ قال له سعدٌ: ما فعلتَ؟ قال: كلَّمتُ الرَّجلين، فوالله! ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببتَ، وقد حُدِّثت أنَّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زُرارةَ؛ ليقتلوه؛ وذلك أنَّهم عرفوا: أنه ابن خالتك لِيُخْفِرُوكَ.

فقام سعد مُغْضَباً مبادراً تخوُّفاً لِلَّذي ذكر لـه من أمر بني حارثـة، وأخذ الحربة في يده، ثمَّ قال: والله! ما أراك أغنيتَ شيئاً، ثمَّ خرج إليهما سعد، فوجدهما مطمئنَّيْن، فعرف: أنَّ أسَيْداً إنَّما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتِّماً، ثمَّ قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة! لولا ما بيني وبينك من القرابة؛ ما رُمْتَ هذا منِّي، أتغشانا في دارنا بما نكره؟! وكان أسعد قد قال لمصعب: لقد جاء - والله! - سيِّدُ مَنْ وراءَه مِنْ قومه، إن يتبعك؛ لا يتخلَّف منهم اثنان، فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع؟ فإن رضيتَ أمراً، ورغبتَ فيه قبلتَه، وإن كرهتَه عزلنا عنك ما تكره. فقال سعد: أنصفت، ثمَّ ركَّز الحربة، وجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ القرآن. وذكر موسى بن عقبة: أنَّه قرأ عليه أوَّل سورة الزُّخرف، قالا: فعرفنا - والله! - في وجهه الإسلام قبل أن يتكلَّم في إشراقه، وتسهُّله.

ثمَّ قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم، ودخلتم في هذا الدِّين؟ قالا: تغتسل، فتتطَّهر، وتطهِّر ثوبيك، ثمَّ تشهد شهادة الحقِّ، ثمَّ تصلي ركعتين، فقام فاغتسل، وطهَّر ثوبيه، ثمَّ تشهَّد شهادة الحقِّ، ثمَّ ركع ركعتين، ثمَّ أخذ حربته، فأقبل عائداً إلى نادي قومه، ومعه أُسَيْد بن حُضَيْر، فلـمَّا رآه  قومه مقبلاً؛ قالوا: نحلف بالله، لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلـمَّا وقف عليهم؛ قال: يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيِّدنا، وأفضلنا رأياً، وأيمُننا نقيبةً! قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام؛ حتَّى تؤمنوا بالله، ورسوله! قال: فوالله، ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ، ولا امرأة إلا مسلماً، أو مسلمةً.

ورجع أسعد، ومصعب إلى منزل أسعـد بن زرارة، فأقام عنده يدعو النَّاس إلى الإسلام؛ حتَّى لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلا وفيها رجالٌ مسلمون، ونساءٌ مسلماتٌ [قصة إسلام سعد بن معاذ رواها الطبري في تاريخه (2/357 - 359) وابن سعد (3/420 - 421) والبيهقي في الدلائل (2/431 - 432) والطبراني في الكبير (20/362)] إلا ما كـان من الأُصَيْرِم، وهو عمرو بـن ثابت بـن وقش؛ فإنَّـه تأخَّر إسلامه إلى يوم أُحـدٍ، فأسلم؛ واستُشهِـد بأحدٍ، ولم يصلِّ لله سجدةً قـطُّ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنَّـه من أهل الجنَّة.

وقد روى ابن إسحاق بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرة: أنَّه كان يقول: «حدِّثوني عن رجلٍ دخل الجنَّة لم يصلِّ صلاةً قطُّ، فإذا لم يعرفه النَّاس، قال: هو أُصَيْرِم بني عبد الأشهل» [أحمد (5/428 - 429) ومجمع الزوائد (9/364)] .

خامساً: فوائد، ودروسٌ، وعبرٌ:

1 - اتَّجه التَّخطيط النَّبويُّ للتَّركيز على يثرب بالذَّات، وكان للنَّفر الستَّة الذين أسلموا، دورٌ كبيرٌ في بث الدَّعوة إلى الإسلام، خلال ذلك العام.

2 - كانت هناك عدَّة عوامل ساعدت على انتشار الإسلام في المدينة؛ منها:

(أ) ما طبع الله عليه قبائل الخزرج، والأوس من الرِّقَّة، واللِّين، وعدم المغالاة في الكبرياء، وجحود الحقِّ، وذلك يرجع إلى الخصائص الدَّمويَّة والسُّلاليَّة؛ الَّتي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وَفَد وَفْدٌ من اليمن، بقوله: «أتاكم أهل اليمن، هم أرقُّ أفئدةً، وألين قلوباً» [البخاري (4388) ومسلم (52)] وهما ترجعان في أصليهما إلى اليمن، نزح أجدادهم منها في الزَّمن القديم، فيقول القرآن الكريم مادحاً لهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9] .

(ب) التَّشاحن، والتَّطاحن الموجود بين قبيلتي المدينة، الأوس والخزرج، وقد قامت بينهما الحروب الطَّاحنة كيوم بُعاث، وغيره، وقد أفنت هذه الحرب كبار زعمائهم، ممَّن كان نظراؤهم في مكَّة، والطائف، وغيرها، حجر عثرة في سبيل الدَّعوة، ولم يبقَ إلا القيادات الشَّابَّة الجديدة، المستعدَّة لقبول الحقِّ؛ إضافةً إلى عدم وجود قيادةٍ بارزةٍ معروفةٍ، يتواضع الجميع على التَّسليم لها، وكانوا بحاجةٍ إلى من يأتلفون عليه، ويلتئم شملهم تحت ظلِّه. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يومُ بُعاثَ أمراً قدَّمه الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم ، فَقَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقد افترق مَلَؤهم، وقُتِلت سَرَوَاتهم وجُرِّحوا، فقدَّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم الإسلام». [البخاري (3777 و3846 و3930) وأحمد (6/61) والبيهقي في دلائل النبوة (2/421)] .

(ج) مجاورتهم لليهود، ممَّا جعلهم على علمٍ - ولو يسيرٍ - بأمر الرِّسالات السَّماويَّة، وخبر المرسلين السَّابقين، وهم - في مجتمعهم - يعايشون هذه القضيَّة في حياتهم اليوميَّة، وليسوا مثل قريشٍ؛ التي لا يساكنها أهل كتاب، وإنَّما غاية أمرها أن تسمع أخباراً متفرِّقةً عن الرِّسالات، والوحي الإلهيِّ، دون أن تلحَّ عليها هذه المسألـةُ، أو تشغل تفكيرهـا باستمرارٍ، وكان اليهود يهـدِّدون الأوس، والخزرج بنبيٍّ قد أظلَّ زمانـه، ويزعمون: أنَّهم سيتَّبعونـه، ويقتلونهم به قتَل عـادٍ، وإرم! مع أنَّ الأوس، والخزرج كانوا أكثر من اليهود، وقد حكى الله عنهم ذلك في كتابـه العزيز. قال تعالى: ﴿وَلمَا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلـمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة: 89] .

وكان الأوس، والخزرج قد علوا اليهود دهراً في الجاهليَّة، وهم أهل شرك وهؤلاء أهل كتاب، فكانوا يقولون: إنَّ نبيّاً قد أظلَّ زمانه، نقتلكم به قتلَ عادٍ وإرم.

فلـمَّا أراد الله إتمام أمره بنصر دينه؛ قيَّض ستَّة نفرٍ من أهل المدينة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فالتقى بهم عند العقبة - عقبة منى - فعرض عليهم الإسلام، فاستبشروا، وأسلموا، وعرفوا: أنَّه النَّبيُّ الَّذي توعَّدَهم به اليهود، ورجعوا إلى المدينة، فأفشوا ذكر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بيوتها، وكان هذا هو «بدء إسلام الأنصار» كما يسمِّيه أهل السِّير.

3 - حضر بيعة العقبة الأولى اثنان من الأوس، وهذا تطوُّر مهمٌّ لمصلحة الإسلام، فبعد الحرب العنيفة في بُعَاث استطاع النَّفر السِّتَّة من الخزرج، أن يتجاوزوا قصَّة الصِّراعات الدَّاخلية، ويُحضروا معهم سبعةً جدداً، فيهم اثنان من الأوس، وهذا يعني أنَّهم وفوا بالتزاماتهم؛ الَّتي قطعوها على أنفسهم في محاولة رأب الصَّدع، وتوجيه التَّيَّار لدخول الإسلام في المدينة؛ أوسها، وخزرجها، وتجاوز الصِّراعات القبليَّة القائمة.

4 - كان التَّطُّور الجديد الَّذي أثمرته بيعة العقبة قد بعث مصعب بن عمير ممثلاً شخصيّاً للرَّسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ يعلِّم النَّاس القرآن الكريم، ومبادئ الإسلام، واستطاع مصعب بحكمته، وحصافته، وذكائه السِّياسيِّ أن يحقِّق انتصاراتٍ كبيرةً للإسلام.

5 - استطاع سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل في عامٍ واحدٍ الكثير، وما ذلك إلا بتوفيق الله تعالى، ثمَّ بصدق ذلك الدَّاعية وإخلاصه، فأين سفراء دول المسلمين اليوم من سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلى ولاة الأمر أن يختاروا السَّفير المؤمن الملتزم الموهوب؛ الَّذي يستطيع أن يمثِّل بلاده، ودينه قولاً وعملاً، وخُلُقاً وسلوكاً، فيرى النَّاسُ، ويسمعون من خلاله.

6 - استطاع السَّفير مصعب رضي الله عنه أن يهيِّئ البيئة الصَّالحة، لانتقال الدَّعوة والدَّولة إلى مقرِّها الجديد؛ حيث استطاع ترجمة روح بيعة العقبة الأولى عمليّاً وسلوكيّاً، والَّتي تعني الالتزام التَّامَّ بنظام الإسلام.

7 - بذل الرَّسول صلى الله عليه وسلم كلَّ ما يملك من جهدٍ لتعبئة الطَّاقات الإسلاميَّة في المدينة، ولم يكن هناك أدنى تقصيرٍ للجهد البشريِّ الممكن في بناء القاعدة الصُّلبة، الَّتي تقوم على أكتافها الدَّولة الجديدة، واحتلَّ هذا الجهد سنتين كاملتين من الدَّعوة، والتَّنظيم.

8 - نجحت التعبئة الإيمانيَّة في نفوس مَنْ أسلم من الأنصار، وشعرت الأنصار بأنَّه قد آن الأوان لقيام الدَّولة الجديدة، وكما يقول جابرٌ رضي الله عنه، وهو يمثِّل هذه الصُّورة الرَّفيعة الرَّائعة: «حتَّى متى نترك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يطوف، ويُطرَد في جبال مكَّة، ويُخاف؟!»(2).

9 - وصل مصعب رضي الله عنه إلى مكَّة قبيل موسم الحجِّ، من العام الثَّالث عشر للبعثة، ونقل الصُّورة الكاملة الَّتي انتهت إليها أوضاع المسلمين هناك، والقدرات، والإمكانات المتاحة، وكيف تغلغل الإسلام في جميع قطاعات الأوس، والخزرج، وأنَّ القوم جاهزون لبيعةٍ جديدة، قادرةٍ على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنعته.

10 - كان اللِّقاء الَّذي غيَّر مجرى التَّاريخ، في موسم الحجِّ في السَّنة الثَّالثة عشرة من البعثة؛ حيث حضر لأداء مناسك الحجِّ بضعٌ وسبعون نفساً من المسلمين، من أهل يثرب، فلـمَّا قدموا مكَّة؛ جرت بينهم وبين النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم اتصالاتٌ سرِّيَّة، أدَّت إلى اتِّفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيَّام التَّشريق في الشِّعْب الَّذي عند العقبة، حيث الجمرة الأولى من مِنًى، وأن يتمَّ هذا الاجتماع في سرِّيَّةٍ تامَّةٍ في ظلام اللَّيل.

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022