الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة الخمسون (50)

بيعة العقبة الثَّانية

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «... فقلنا: حتَّى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يُطْرَد في جبال مكَّة، ويُخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتَّى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شِعْب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجلٍ، ورجلين؛ حتَّى توافينا فقلنا: يا رسول الله! علام نُبايعك؟ قال: «تبايعوني على السَّمع، والطَّاعة في النَّشاط، والكسل، والنَّفقة في العسر، واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم ممَّا تمنعون منه أنفسكم، وأزواجكم، وأبناءكم، ولكم الجنَّة». قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويداً يا أهل يثرب! فإنَّا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم: أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافَّةً، وقتلُ خياركم، وأن تعضَّكم السُّيوف، فإمَّا أنتم قومٌ تصبرون على ذلك، وأجركم على الله، وإمَّا أنتم تخافون من أنفسكم جُبَيْنَةً؛ فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله! قالوا: أمط عنَّا يا أسعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً! ولا نَسْلِيها (أي: نتركها)! قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا، وشَرَطَ، ويعطينا على ذلك الجنَّة».

وهكذا بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطَّاعة، والنُّصرة، والحرب؛ لذلك سمَّاها عبادة بن الصَّامت بيعة الحرب، أمَّا رواية الصَّحابي كعب بن مالك الأنصاريِّ - وهو أحد المبايعين في العقبة الثَّانية - ففيها تفصيلاتٌ مهمَّةٌ، قال: «خرجنا في حجَّاج قومنا من المشركين، وقد صلَّينا، وفقهنا، ثمَّ خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، من أوسط أيام التَّشريق، وكنَّا نكتم مَنْ معنا من المشركين أمرنا، فَنِمْنَا تلك اللَّيلة مع قومنا في رحالنا، حتَّى إذا مضى ثلثُ اللَّيل؛ خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نتسَّلل تسلُّلَ القَطَا (الحمام) مستخفين، حتَّى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثةٌ وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نُسَيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرٍو، فاجتمعنا في الشِّعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتَّى جاءنا، ومعه العبَّاس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومه، إلا أنَّه أحبَّ أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثَّق له، فلـمَّا جلس؛ كان أول متكلِّم العبَّاس بن عبد المطلب؛ فبيَّن أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم في منعةٍ من قومه بني هاشم، ولكنَّه يريد الهجرة إلى المدينة، ولذلك فإنَّ العباس يريد التأكُّد من حماية الأنصار له، وإلا؛ فَلْيَدَعُوه، فطلب الأنصار أن يتكلَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فيأخذ لنفسه، ولربِّه ما يحبُّ من الشُّروط.

قال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممَّا تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم» فأخذ البراء بن مَعْرور بيده، ثمَّ قال: نعم والَّذي بعثك بالحق! لنمنعنَّك ممَّا نمنع منه أُزُرَنا، فبايِعْنا يا رسولَ الله! فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحَلقة (السِّلاح)، ورثناها كابراً عن كابر. فقاطعه أبو الهيثم بن التَّـيِّهان متسائلاً: يا رسول الله! إنَّ بيننا وبين القوم حبالاً، وإنَّا قاطعوها (يعني: اليهود)، فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك، ثمَّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتَدَعَنا؟ فتبسَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ قال: «بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الهَدْمُ، أنا منكم، وأنتم منِّي، أحارب مَنْ حاربتم، وأسالم مَنْ سالمتم». ثمَّ قال: «أخْرِجُوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً؛ ليكونوا على قومهم بما فيهم». فأخْرَجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعةً من الخزرج، وثلاثةً من الأوس.

وقد طلب الرَّسول صلى الله عليه وسلم منهم الانصراف إلى رحالهم، وقد سمعوا الشَّيطان يصرخ منذراً قريشاً، فقال العبَّاس بن عُبادة بن نَضْلة: والله الَّذي بعثك بالحق! إن شئتَ؛ لنميلنَّ على أهل مِنًى غداً بأسيافنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لم نُؤْمَر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحالكم». فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصَّباح جاءهم جمعٌ من كبار قريش، يسألونهم عمَّا بلغهم من بيعتهم للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ودعوتهم له للهجرة، فحلف المشركون من الخزرج، والأوس، بأنَّهم لم يفعلوا، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم، قال: ثمَّ قام القوم؛ وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميُّ، وعليه نعلانِ جديدانِ، قال: فقلت له كلمةً - كأنِّي أريد أن أشرك بها القومَ فيما قالوا - يا أبا جابر! أما تستطيع أن تتَّخذ، وأنت سيِّدٌ من ساداتنا، مثل نَعْلَي هذا الفتى من قريشٍ؟ قال: فسمعهما الحارث، فخلعهما من رجليه، ثمَّ رمى بها إليَّ، وقال: والله لتَنْتَعِلَـنَّهما، قال: يقول أبو جابر: مَهْ! أَحْفَظْتَ (أي: أغضبت) والله الفتى، فارددْ إليه نعليه. قال: قلت: لا والله! لا أردُّهما، فألٌ والله صالح! لئن صدق الفأل لأسْلُبَنَّه. [أحمد (3/460 - 462) والحاكم (2/624 - 625) والطبري في تاريخه (2/360 - 362) والبيهقي في سننه الكبرى (9/9)] .

  • دروسٌ، وعبرٌ، وفوائد:

1 - «كانت هذه البيعة العظمى بملابساتها، وبواعثها، وآثارها، وواقعها التَّاريخي، (فتحَ الفتوح)؛ لأنَّها كانت الحلقة الأولى في سلسلة الفتوحات الإسلاميَّة، الَّتي تتابعت حلقاتها في صورٍ متدرِّجة، مشدودةٍ بهذه البيعة؛ منذ اكتمل عقدها، بما أخذ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهودٍ ومواثيق على أقوى طليعةٍ من طلائع أنصار الله؛ الَّذين كانوا أعرف النَّاس بقدر مواثيقهم، وعهودهم، وكانوا أسمح النَّاس بالوفاء بما عاهدوا الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم عليه؛ من التَّضحية، مهما بلغت متطلبَّاتها من الأرواح، والدِّماء، والأموال، فهذه البيعة في بواعثها هي بيعة الإيمان بالحقِّ، ونصرته، وهي في ملابساتها قوَّةٌ تناضل قوًى هائلةً تقف متألِّبةً عليها، ولم يَغِبْ عن أنصار الله قدرها، ووزنها، في ميادين الحروب، والقتال، وهي في آثارها تشميرٌ ناهضٌ بكلِّ ما يملك أصحابها من وسائل الجهاد القتاليِّ في سبيل إعلاء كلمة الله، على كلِّ عالٍ مستكبرٍ في الأرض؛ حتَّى يكون الدِّين كلُّه لله، وهي في واقعها التَّاريخيِّ صدقٌ، وعدلٌ، ونصرٌ، واستشهاد، وتبليغٌ لرسالة الإسلام».

2 - إنَّ حقيقة الإيمان، وأثره في تربية النفوس، تظهر آثارها في استعداد هذه القيادات الكبرى لأن تبذل أرواحها، ودماءها في سبيل الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون لها الجزاء في هذه الأرض كسباً، ولا منصباً، ولا قيادةً، ولا زعامةً، وهم الَّذين أفنوا عشرات السِّنين من أعمارهم، يتصارعون على الزَّعامة، والقيادة، إنَّه أثر الإيمان بالله، وبحقيقة هذا الدِّين، عندما يتغلغل في النُّفوس.

3 - يظهر التَّخطيط العظيم في بيعة العقبة؛ حيث تمَّت في ظروفٍ غايةٍ في الصُّعوبـة، وكانت تمثِّـل تحدِّيـاً خطيراً، وجريئـاً لقـوى الشِّرك فـي ذلـك الوقت، ولذلك كان التَّخطيط النَّبويُّ لنجاحها في غاية الإحكام والدِّقَّة على النَّحو التَّالي:

أ - سِرِّيَّة الحركة، والانتقال لجماعة المبايعين؛ حتَّى لا ينكشفَ الأمر، فقد كان وفد المبايعة المسلم سبعين رجلاً وامرأتين من بين وفدٍ يثربيٍّ قوامه نحو خمسمئة ممَّا يجعل حركة هؤلاء السَّبعين صعبةً ، وانتقالهم أمراً غير ميسورٍ، وقد تحدَّد موعد اللِّقاء في ثاني أيام التَّشريق، بعد ثلث اللَّيل، حيث النَّوم قد ضرب أعين القوم، وحيث قد هدأت الرِّجْل، كما تمَّ تحديد المكان في الشِّعْب الأيمن، بعيداً عن عين مَنْ قد يستيقظ من النَّومِ لحاجةٍ.

ب - الخروج المنظَّم لجماعة المبايعين، إلى موعد، ومكان الاجتماع، فقد خرجوا يتسلَّلون مستخفين، رجلاً رجلاً، أو رجلين رجلين.

ج - ضرب السِّرِّيَّة التَّامة على موعد، ومكان الاجتماع، بحيث لم يعلم به سوى العبَّاس بن عبد المطلب، الَّذي جاء مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليتوثَّق له، وعليُّ بن أبي طالبٍ، الَّذي كان عيناً للمسلمين على فم الشِّعب، وأبو بكر الَّذي كان على فم الطَّريق - وهو الآخر - عيناً للمسلمين، أمَّا مَنْ عداهم من المسلمين، وغيرهم فلم يكونوا يعلمون عن الأمر شيئاً، وقد أمر جماعة المبايعين ألا يرفعوا الصَّوت، وألا يطيلوا في الكلام؛ حذراً من وجود عينٍ تسمع صوتهم، أو تجسُّ حركتهم.

د - متابعة الإخفاء والسِّرِّيَّة حين كشف الشَّيطان أمر البيعة، فأمرهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يرجعوا إلى رحالهم، ولا يحدثوا شيئاً؛ رافضاً الاستعجال في المواجهة المسلَّحة؛ التي لم تتهيَّأ لها الظُّروف بعد، وعندما جاءت قريش تستبرئ الخبر؛ موَّه المسلمون عليهم بالسُّكوت، أو المشاركة بالكلام الَّذي يشغل عن الموضوع.

هـ  اختيار اللَّيلة الأخيرة من ليالي الحجِّ، وهي الليلة الثالثة عَشْرة من ذي الحجَّة؛ حيث سينفر الحجاج إلى بلادهم ظهر اليوم التَّالي، وهو يوم الثالث عشر، ومن ثَمَّ تضيق الفرصة أمام قريش في اعتراضهم، أو تعويقهم؛ إذا انكشف أمر البيعة، وهو أمرٌ متوقَّع، وهذا ما حدث.

4 - كانت البنود الخمسة للبيعة من الوضوح، والقوَّة بحيث لا تقبل التَّمييع والتَّراخي، إنَّه السَّمع، والطَّاعة في النَّشاط والكسل، والنَّفقة في اليسر، والعسر، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والقيام في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم، ونصرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته؛ إذا قدم المدينة.

5 - سرعان ما استجاب قائد الأنصار - دون تردُّدٍ - البراء بن مَعْرور، قائلاً: والذي بعثك بالحق! لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزُرَنا، فبايعنا يا رسول الله! فنحن والله أبناء الحرب! وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابرٍ، فهذا زعيم الوفد يعرض إمكانيات قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقومه أبناء الحرب، والسِّلاح(5). وممَّا يجدر الإشارة إليه في أمر البراء: أنَّه عندما جاء مع قومه من يثرب قال لهم: إني قد رأيت رأياً، فوالله ما أدري: أتوافقونني عليه، أم لا؟

فقالوا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت ألاَّ أدع هذه البَنيَّة - يعني: الكعبة - منِّي بِظَهْر، وأن أصلِّي إليهـا، فقالوا لـه: والله ما بلغنـا أنَّ الـنَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلِّي إلاَّ إلى الشَّام - ببيت المقدس - وما نريد أن نخالفه، فكانوا إذا حضرت الصَّلاة صلُّوا إلى بيت المقدس، وصلَّى هو إلى الكعبة، واستمرُّوا كذلك؛ حتى قدموا مكَّة، وتعرَّفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ مع عمِّه العباس رضي الله عنه بالمسجد الحرام، فسأل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم العباسَ رضي الله عنه: «هل تعرف هذين الرَّجلين يا أبا الفضل؟» قال: نعم، هذا البراء بن مَعْرور سيِّد قومه، وهذا كعب بن مالكٍ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «الشَّاعر؟» قال: نعم. فقصَّ عليه البراء ما صنع في سفره من صلاته إلى الكعبة. قال: فماذا ترى يا رسول الله؟! قال: «قد كنت على قِبْلةٍ لو صبرتَ عليها» قال كعب: فرجع البراء إلى قِبْلةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلَّى معنا إلى الشَّام، فلـمَّا حضرته الوفاة أمر أهله أن يوجِّهوه قبَلَ الكعبة، ومات في صفر قبل قدومه صلى الله عليه وسلم بشهرٍ، وأوصى بثلث ماله إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقبله، وردَّه على ولده، وهو أوَّل من أوصى بثلث ماله.

ويستوقفنا في هذا الخبر:

أ - الانضباط، والالتزام من المسلمين بسلوك رسولهم صلى الله عليه وسلم ، وأوامره، وإنَّ أيَّ اقتراحٍ مهما كان مصدره، يتعارض مع ذلك يُعَدُّ مرفوضاً، وهذه الأمور من أولويات الفقه في دين الله، تأخذ حيِّزها في حياتهم، وهم - بعد - ما زالوا في بداية الطَّريق.

ب - إنَّ السِّيادة لم تعد لأحدٍ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنَّ توقير أيِّ إنسانٍ، واحترامه إنَّما هو انعكاسٌ لسلوكه، والتزامه بأوامر الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وهكذا بدأت تنزاح تقاليد جاهليَّةٌ؛ لتحلَّ محلَّها قيمٌ إيمانيَّة، فهي المقاييس الحقَّة؛ الَّتي بها يمكن الحكم على النَّاس تصنيفاً وترتيباً.

6 - كان أبو الهيثم بن الـتَّـيِّهان صريحاً عندما قال للرَّسول صلى الله عليه وسلم : إنَّ بيننا وبين الرِّجال حبالاً، وإنَّا قاطعوها - يعني: اليهود - فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله؛ أن ترجع  إلى قومك، وتدعنا؟ فتبسَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: «بل الدَّمُ الدَّمُ، والهدمُ الهدمُ، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم».

وهذا الاعتراض يدلُّنا على الحرِّيَّة العالية؛ الَّتي رفع الله تعالى المسلمين إليها بالإسلام، حيث عبَّر عمَّا في نفسه بكامل حرِّيَّته، وكان جواب سيِّد الخلق صلى الله عليه وسلم عظيماً، فقد جعل نفسه جزءاً من الأنصار، والأنصار جزءاً منه.

7 - يؤخذ من اختيار النُّقباء دروسٌ مهمَّةٌ؛ منها:

أ - أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لم يعيِّن النُّقباء؛ إنَّما ترك طريق اختيارهم إلى الَّذين بايعوا، فإنَّهم سيكونون عليهم مسؤولين وكفلاء، والأولى أن يختار الإنسان من يكفله، ويقوم بأمره، وهذا أمرٌ شوريٌّ، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمارسوا الشُّورى عمليّاً من خلال اختيار نقبائهم.

ب - التَّمثيل النِّسبي في الاختيار، فمن المعلوم أنَّ الذين حضروا البيعة من الخزرج، أكثر من الذين حضروا البيعة من الأوس، ثلاثة أضعاف من الأوس؛ بل يزيدون، ولذلك كان النقباء ثلاثة من الأوس، وتسعة من الخزرج.

ج - جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقباء مشرفين على سير الدَّعوة في يثرب، حيث استقام عود الإسلام هناك، وكثر مثقَّفوه، ومعتنقوه، فأراد الرَّسول صلى الله عليه وسلم أن يشعرهم أنَّهم لم يعودوا غرباء؛ لكي يبعث إليهم أحداً من غيرهم، وأنَّهم غدوا أهل الإسلام، وحماته، وأنصاره.

8 - تأكَّد زعماء مكَّة من حقيقة الصَّفقة، الَّتي تمَّت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار، فخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذَاخر، والمنذر بن عمرو، وكلاهما كان نقيباً، فأمَّا المنذر، فأعجز القومَ، وأمَّا سعدٌ، فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بنِسْع رَحْله، ثمَّ أقبلوا به حتَّى أدخلوه مكَّة، يضربونه، ويجذبونه بجُمَّته - وكان ذا شعرٍ كثيرٍ -، واستطاع أن يتخلَّص من قريش، بواسطة الحارث بن حرب بن أميَّة، وجبير بن مُطْعِم؛ لأنَّه كان يجير تجارتهم ببلده؛ فقد أنقذته أعراف الجاهليَّة، ولم تنقذه سيوف لمسلمين، ولم يجد في نفسه غضاضةً من ذلك، فهو يعرف: أنَّ المسلمين مطاردون في مكَّة، وعاجزون عن حماية أنفسهم، وقد قيل في هذه الحادثة أوَّل شعرٍ في الهجرة، بيتان قالهما ضرار بن الخطَّاب بن مرداس؛ حيث قال:

تَدارَكْتُ سَعْداً عَنْوةً فأخَذْتُهُ    وكانَ شِفاءً لَو تَدارَكْتُ مُنْذِرا

ولو نِلْتهُ طُلَّتْ هُنَاكَ جِراحُهُ    وكانَ حرِيَّاً أَنْ يُهَانَ ويُهْدَرا

وكان حسَّان بن ثابت بالمرصاد، وردَّ عليه بأبيات من الشِّعر، تناقلتها الرُّكبان:

وَلَسْتُ إِلَى سَعْدٍ ولاَ المَرْءُ مِنْذِرٌ     إِذَا مَا مَطَايا القَوْمِ أَصْبَحْنَ ضُمَّرا

فَلاَ تَكُ كالوَسْــــــــــــــــــنَانِ يَحْلُمُ أَنَّهُ        بِقَرْيَةِ كِسْرَى أَوْ بِقَرْيَةِ قَيْصَرَا

فإنَّا وَمَنْ يَهْدِي القَصَائِدَ نَحْوَنَا     كَمُسْتَبْضِعٍ تَمْـــــــــــراً إِلَى أَرْضِ خَيْبَرا

9 - في قول العبَّاس بن عبادة بن نضلة: «والله الذي بعثك بالحق! إن شئت لَنمِيلنَّ على أهل مِنَى غداً بأسيافنا»، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» [سبق تخريجه] درسٌ تربويٌّ بليغٌ، وهو: أنَّ الدِّفاع عن الإسلام، والتَّعامل مع أعداء هذا الدِّين، ليس متروكاً لاجتهاد أتباعه؛ وإنَّما هو خضوعٌ لأوامر الله تعالى، وتشريعاته الحكيمة، فإذا شُرع الجهاد؛ فإنَّ أمر الإقدام، أو الإحجام متروكٌ لنظر المجتهدين، بعد التَّشاور، ودراسة الأمر من جميع جوانبه، وكلَّما كانت عبقريَّة التَّخطيط السِّياسيِّ أقوى؛ أدَّت إلى نجاح المهمَّات أكثر، وإخفاء المخطَّطات، وتنفيذها عن العدوِّ، هو الكفيل - بإذن الله - بنجاحها: «ولكن ارجعوا إلى رحالكم» [سبق تخريجه].

10 - كانت البيعة بالنِّسبة للرِّجال ببسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، وقولهم له: ابسط يدك، فبسط يده، فبايعوه، وأمَّا بيعة المرأتين اللَّتين شهدتا الوقعة، فكانت قولاً؛ ما صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةً أجنبيةً قطُّ، فلم يتخلَّف أحدٌ عن بيعته صلى الله عليه وسلم ، حتَّى المرأتان بايعتا بيعة الحرب، وصدقتا عهدهما، فأمَّا نُسَيبة بنت كعب (أمُّ عمارة)، فقد سقطت في أُحدٍ، وقد أصابها اثنا عشر جرحاً، وقد خرجت يوم أحدٍ مع زوجها زيد بن عاصم بن كعب، ومعها سقاءٌ تسقي به المسلمين، فلـمَّا انهزم المسلمون؛ انحازت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت تباشر القتال، وتذبُّ عنه بالسَّيف، وقد أصيبت بجراحٍ عميقةٍ، وشهدت بيعة الرِّضوان، وقطَّع مسيلمة الكذَّاب ابنها إرباً إرباً، فما وهنت، وما استكانت، وشهدت معركة اليمامة، في حروب الرَّدة مع خالد بن الوليد، فقاتلت حتَّى قطعت يدُها، وجُرحت اثني عَشَرَ جُرحاً، وأمَّا أسماء بنت عمرو من بني سلمة، قيل: هي والدة معاذ بن جبل، وقيل: ابنة عمَّة معاذ بن جبل رضي الله عنهم جميعاً.

11 - عندما نراجع تراجم أصحاب العقبة الثانية من الأنصار في كتب السِّير والتَّراجم، نجد: أنَّ هؤلاء الثلاثة والسَّبعين، قد استشهد قرابة ثلثهم على عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبعده، ونلاحظ: أنَّه قد حضر المشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة النِّصف، فثلاثة وثلاثون منهم كانوا بجوار الرَّسول صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته، وأمَّا الَّذين حضروا غزوة بدر، فكانوا قرابة السَّبعين.

لقد صدق هؤلاء الأنصار عهدهم مع الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فمنهم من قضى نحبه، ولقي ربَّه شهيداً، ومنهم من بقي حتَّى ساهم في قيادة الدَّولة المسلمة، وشارك في أحداثها الجِسَام، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبمثل هذه النماذج قامت دولة الإسلام، النَّماذج الَّتي تعطي، ولا تأخذ، والَّتي تقدِّم كلَّ شيءٍ، ولا تطلب شيئاً إلا الجنَّة، ويتصاغر التَّاريخ في جميع عصوره، ودهوره، أن يحوي في صفحاته أمثال هؤلاء الرِّجال والنِّساء.

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022