الحلقة السادسة والستون (66)
سنَّةَ التَّدافع مع حركة السَّرايا والبُعوث والغزوات الَّتي خاضها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم
إنَّ من السُّنن الَّتي تعامل معها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، سنَّةَ التَّدافع، وتظهر جليّاً في الفترة المدنيَّة مع حركة السَّرايا، والبُعوث، والغزوات الَّتي خاضها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ضدَّ المشركين، وهذه السنَّة متعلقةٌ تعلُّقاً وطيداً بالتَّمكين لهذا الدِّين، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه العزيز، وجاء التَّنصيص عليها في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251]، وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]. ونلاحظ في آية البقرة: أنَّها جاءت بعد ذكر نموذج من نماذج الصِّراع بين الحقِّ والباطل، المتمثِّل هنا في طالوتَ وجنوده المؤمنين، وجالوتَ وأتباعه، ويذيِّل الله تعالى الآية بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251] ؛ «ممَّا يفيد: أنَّ دفع الفساد بهذا الطَّريق، إنعامٌ يعمُّ النَّاسَ كلَّهم».
وتأتي اية الحج بعد إعلان الله تعالى: أنَّه يدافع عن أوليائه المؤمنين، وبعد إذنه لهم - سبحانه - بقتال عدوِّهم، ويختتم الآية بتقريرٍ لقاعدةٍ أساسيَّةٍ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾
لقد أدرك الصَّحابة هذه السُّنَّة، وعلموا: أنَّ القضاء على الباطل وتدميره، لابدَّ له من أمَّةٍ لها قيادةٌ ومنهجٌ، وقوَّةٌ تدمغ الباطل، وتزهقه، وأيقنوا أنَّ الحقَّ يحتاج إلى عزائمَ تنهض به، وسواعدَ تمضي به، وقلوب تحنو عليه، وأعصاب ترتبط به. لقد علَّمهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كيف يتعاملون مع هذه السُّنَّة، فاستجابوا لأمر الله تعالى عندما أمرهم بالجهاد في سبيله، فقد شرع الله - عزَّ وجلَّ - الجهاد لهذه الأمَّة، وجعله فريضةً ماضيةً إلى يوم القيامة، لا يبطله جورُ جائرٍ، ولا عدلُ عادل، وما تركه قومٌ إلا أذلَّهم الله، وسلَّط عليهم عدوَّهم. وقد شرع الله - عزَّ وجلَّ - الجهاد على مراحل؛ ليكون أروضَ للنَّفس، وأكثر ملاءمةً للطَّبع البشري، وأحسن موافقةً لِسَيْرِ الدَّعوة، وطريقة تخطيطها؛ فكان تشريع القتال على مراحل:
المرحلة الأولى: الحظر، وذلك عندما كان المسلمون في مكَّة، وكانوا يطالبون النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالإذن لهم في القتال، فيجيبهم صلى الله عليه وسلم : «اصبروا؛ فإنِّي لم أُؤمر بالقتال» [الكشاف (4/199)].
المرحلة الثانية: الإذن به من غير إيجابٍ. قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: 39] .
المرحلة الثالثة: وجوب قتال من قاتل المسلمين. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190] .
المرحلة الرابعة: فرض قتال عموم الكفَّار على المسلمين. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36] .
إنَّ هذا التدرُّج في حكم القتال، كان يقتضيه وضعُ الدَّولة الإسلاميَّة الناشئة، وحالة الجيش الإسلاميِّ الَّذي كان اخذاً في التَّكوين، من حيث العَدد، والعُدد والتَّدريب، وما إلى ذلك، فكان لابُدَّ من مُضيِّ فترةٍ من الوقت، يكون التعرُّضُ فيها لأعداء الدَّعوة الإسلاميَّة من كفَّار قريش - الَّذين اذوا المسلمين، واضطروهم إلى الخروج من ديارهم .. يكون فيها ذلك التعرُّض لأعداء الدَّعوة، إنَّما هو على سبيل الاختيار، لا على سبيل الإجبار، وذلك إلى أن يَصْلُب عودُ الدَّولة الإسلاميَّة، ويشتدَّ بأسُها، بحيث تستطيع الصُّمود أمام قوى الكفر في الجزيرة العربيَّة، حتَّى لو عملت قريش على تأليبها ضدَّ المسلمين، كما وقع فيما بعد! وحينئذٍ يأتي وجوب القتال، في حالةٍ تكون فيها أوضاع الدَّولة الإسلاميَّة، والجيش الإسلامي، على أُهْبَةِ الاستعداد لمواجهة الاحتمالات كافَّةً، هذا فيما يتَّصل بالقتال الَّذي يتعرَّض فيه المسلمون لكفَّار قريش، جاء النَّصُّ بالإذن، أي بالإباحة، لا بالوجوب، أمَّا في حالة ما لو تعرَّض المسلمون - وهم في دولتهم في المدينة - لهجوم الأعداء عليهم؛ فالقتال هنا فرضٌ، لا مجال فيه للخيار، وليس مجرَّد أمرٍ مأذون فيه، وذلك تطبيقاً لبيعة الحرب، بيعة العقبة الثَّانية، الَّتي أوجبت على الأنصار حرب الأحمر، والأسود من النَّاس، في سبيل الذَّود عن الدَّعوة الإسلاميَّة، وصاحبها صلى الله عليه وسلم ، وأتباعها.
ومع نزول الإذن بالقتال شرع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تدريب أصحابه على فنون القتال، والحروب، واشترك معهم في التَّمارين، والمناورات، والمعارك، وعَدَّ السَّعي في هذه الميادين من أجلِّ القربات، وأقدس العبادات؛ التي يُتَقَرَّب بها إلى الله - سبحانه وتعالى - وقد قام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بتطبيق قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخرين مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [الآنفال: 60]، وكان منهجه صلى الله عليه وسلم في تكوين المجاهد المسلم، يعتمد على نهجين متوازنين: التَّوجيه المعنويِّ، والتَّدريب العمليِّ.
1 - التَّوجيه المعنويُّ:
كان صلى الله عليه وسلم يسعى إلى رفع معنويات المجاهدين؛ فيمنحهم أملاً يقينيّاً بالنَّصر، أو الجنَّة، ومنذ تلك اللَّحظات وفيما بعد، ظلَّ هذا (الأمل) يحدو الجنديَّ المسلم في ساحات القتال، ويدفعه إلى بذل كلِّ طاقاته النَّفسيَّة، والجسدية، والفنِّيَّة من أجل كسب المعارك، أو الموت تحت ظلال السُّيوف، فمن أقواله صلى الله عليه وسلم في حثِّ أصحابه على الجهاد: «والَّذي نفسي بيده! لولا أنَّ رجالاً من المؤمنين لا تَطيبُ أنفسُهم أن يتخلَّفوا عنِّي، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلَّفت عن سريَّةٍ تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده! لوددت أنِّي أُقتلُ في سبيل الله، ثمَّ أُحيا، ثم أُقتل، ثمَّ أُحْيا، ثمَّ أُقتل، ثمَّ أُحيا، ثمَّ أقتلُ» [البخاري (2797) والنسائي (6/8)]، وقوله صلى الله عليه وسلم : «ما أحدٌ يدخلُ الجنةَ، يُحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيدُ؛ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل عشر مراتٍ؛ لما يرى من الكرامة» [البخاري (2817) ومسلم (1877/109)] .
2 - التَّدريب العمليُّ:
سعى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى اعتماد كلِّ طاقات الأمَّة القادرة على البذل، والعطاء، رجالاً، ونساءً، وصبياناً، وشباباً، وشيوخاً، وإلى التَّمرُّس على كلِّ مهارةٍ في القتال، طعناً بالرُّمح، وضرباً بالسَّيف، ورمياً بالنَّبل، ومناورةً على ظهور الخيل، وكان صلى الله عليه وسلم يمزج خَطَّي التَّربية العسكريَّة المتوازنين: التَّوجيه، والتدريب، والأمل في النَّصر، أو الجنة، وتقديم الجهد في ساحات القتال، ويحضُّ المسلمين على إتقان ما تعلَّموا من فنون الرِّماية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من عَلِمَ الرَّمي ثمَّ تركه؛ فليس منَّا، أو: قدْ عَصَى» [مسلم (1919) وأحمد (4/148) وابن ماجه (2814)]، فهي دعوةٌ إلى عموم الأمَّة، وحتَّى مَنْ دخلوا في سنِّ الشيخوخة، للتَّدريب على إصابة الهدف، ومهارة اليد ونشاط الحركة. إنَّ الإسلام يهتمُّ بطاقات الأمَّة جميعها، ويوجِّهها نحو المعالي، وعلوِّ الهمَّة.
وكان صلى الله عليه وسلم يهتمُّ بالأعداء على حسب كلِّ ظرفٍ وحالٍ، ويحثُّ على كلِّ وسيلةٍ يستطيعها المسلمون، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : أنَّه قال: «وأعدِّوا لهم ما استطعتم من قوة: ألا إنَّ القوَّة الرَّمي! ألا إنَّ القوَّة الرَّميُ! ألا إنَّ القوَّة الرَّميُ!» [مسلم (1917) وأبو داود (1514) والترمذي (3083) وابن ماجه (2883)] .
إنَّ القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة يعلمان المسلمين الإعداد على الأصعدة المعنويَّة، والمادِّيَّة كافَّةً، وأن يأخذوا حذرهم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ [النساء : 71] وهذا يدلُّ على وجوب العناية بالأسباب، والحذر من مكائد الأعداء، ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد؛ المتعلِّقة بالأسلحة، والأبدان، وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة، وكيفيَّة استعمالها، وتوجيههم إلى ما يعينهم على جهاد عدوهم، والسَّلامة من مكائده، والله - عزَّ وجلَّ - أطلق الأمر بالإعداد، وأخْذِ الحذر، ولم يذكر نوعاً دون نوعٍ، ولا حالاً دون حالٍ، وما ذلك إلا لأنَّ الأوقات تختلف، والأسلحة تتنوَّع، والعدوَّ يقلُّ ويكثر، ويضعف ويقوى.
كان الجهاد في فهم الصَّحابة مدرسةً عظيمةً في تزكية النَّفس، وأيقنوا: أنَّه لكي يثمر الجهاد ثمراته المرجوَّة، فعليهم أن يخلصوا لله سبحانه في جهادهم، وأن يعملوا بما آمنوا به، ودعوا النَّاس إليه، فقد بيَّن لهم الرَّسول صلى الله عليه وسلم خطورة الرِّياء في الأعمال. فقد قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ أوَّل النَّاس يُقْضى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهدَ، فأُتي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعَرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتَّى استُشْهِدتُ، قال: كَذبت! ولكنَّك قاتلت؛ لأن يُقال: جَرِيءٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه؛ حتَّى أُلقي في النَّار، ورجلٌ تعَلَّمَ العلمَ، وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فَعَرَفها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ، وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ! ولكنَّك تعلَّمت العلمَ؛ ليقال: عالمٌ، وقرأتَ القرآن؛ ليقال: هو قارىءٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمر به، فسُحب على وجهه، حتَّى أُلقي في النَّار، ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فَعَرَفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنْفَقَ فيه إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبتَ! ولكنَّك فعلت؛ ليقال: هو جَوَادٌ، فقد قيل، ثمَّ أُمر به، فسُحب على وجهه، ثمَّ أُلقي في النَّار» [مسلم (1905) وأحمد (2/322) والنسائي (6/23)] .
ولذلك أخلص الصَّحابة في جهادهم لله تعالى؛ طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، فكان كلامهم لله، وأنفقوا أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وقدَّموا أنفسهم دفاعاً عن دين الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله تعالى، وكان لجهاد الصَّحابة في سبيل الله تعالى آثاره العظيمة في تزكية نفوسهم، والَّتي تتجلَّى في الجوانب التَّالية:
(أ) تحرير النَّفس من حبِّ الحياة، والتَّعلُّق بها:
الجهاد في سبيل الله تدريبٌ عمليٌّ على الزُّهد في الدُّنيا، والتَّطلُّع إلى الآخرة، والتَّشوُّق لما أعدَّه الله لعباده في الجنَّة، وهذا من أعظم ما يهدف إليه المنهج الإسلاميُّ في تزكية النَّفس؛ فالمجاهد يبيع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته، والله سبحانه واهب الآنفس، والأموال، ومالكُها، يكرم عباده المجاهدين بأن يشتري منهم ما وهبهم؛ إذا بذلوها في سبيله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالآنجِيلِ وَالْقرآن وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 111 - 112] .
(ب) تمحيص النَّفس، وتدريبها على الصَّبر، والفداء:
أيقن الصَّحابة الكرام من تربية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم: أنَّ الجنَّة محفوفةٌ بالمكاره، ولا تُنال براحة البدن، ولابدَّ من تعويد النَّفس على المشاقِّ، والصِّعاب؛ ليقوى بنيانها، وتصمد في وجه الشَّدائد، والأهوال، وتدع الخمول، والكسل، والتَّواني، وتعلَّمُوا من القرآن الكريم: أنَّ حكمة الله سبحانه اقتضت أن تتعرَّض النُّفوس للتَّمحيص؛ ليظهر ثباتها، ويستقيم حالها، وأنَّ ميدان الجهاد من أكبر الميادين لهذا التمحيص.
قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 140 - 143] .
(ج) الجهاد عزَّةٌ للنَّفس، وقوَّةٌ لها:
وتعلَّم الصَّحابة رضي الله عنهم من الهدي النَّبويِّ الكريم: أنَّ الجهاد في سبيل الله تعالى وسيلةٌ عظيمةٌ لتنمية العزَّة في نفس المسلم، وتقوية كيانها، وتطهيرها من الذِّلَّة، والمهانة، والخمول، وغير ذلك من الصِّفات المهلكة للفرد، والمجتمع، فقد بيَّن لهم سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنَّ المؤمن عزيز الجانب؛ لأنَّه يستمدُّ العزَّة من إيمانه بربه، وتمسُّكه بدينه؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8] .
فإذا تخلَّى المسلم عن الجهاد، وشُغل بالدُّنيا عن الآخرة؛ تعوَّدت نفسه الذِّلَّة، والهوان، والاستكانة، والخُنُوع (أي: الذُّلَّ، والخضوع) قال صلى الله عليه وسلم : «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرع، وتركتُم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتَّى ترجعوا إلى دينكم» [أبو داود (3462) وأحمد (2/42 و84)] .
ويُخشى على منْ جعل الدُّنيا أكبر همِّه، ومبلغ علمه، ولا يعمل إلا لها، ولا يفكر إلا من أجلها أن يكون ممَّن قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7 8] .
وقد قال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ مات؛ ولم يَغْزُ، ولم يُحَدِّث به نَفْسَه؛ مات على شعبةٍ من نفاقٍ» [مسلم (1910) وأحمد (2/374) وأبو داود (2502) والنسائي (6/8)] .
إنَّ الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم، سلكوا طريق الجهاد بأنواعه، وبذلك حظوا بالبشارة العظمى، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69] .
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ