الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة السابعة والستون (67)

أهداف الجهاد في سبيل الله تعالى

من أهداف الجهاد في سبيل الله ما يلي:

1 - حماية حرية العقيدة:

قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الآنفال: 39 - 40].

قال صاحب الظِّلال: «هناك واجبٌ آخر على الجماعة المسلمة، وهو أن تُحَطِّم كلَّ قوَّةٍ تعترض طريق الدَّعوة، وإبلاغها للنَّاس في حرِّيَّةٍ، أو تهدِّد حرية اعتناق العقيدة، وتفتن النَّاس عنهـا، وأن تـظلَّ تجاهد حتَّى تصبح الفتنـة للمؤمنين بالله غير ممكنةٍ لقوَّةٍ في الأرض، ويكون الدِّين لله؛ لا بمعنى إكرآه  الناس على الإيمان، ولكن بمعنى استعلاء دين الله في الأرض، بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدُّخول، ولا يخاف قوَّةً في الأرض تصدُّه عن دين الله أن يبلغـه، وأن يستجيب له، وأن يبقى عليه، وبحيث لا يكون في الأرض وضعٌ، أو نظامٌ يحجب نور الله وهداه عن أهله، ويضلَّهم عن سبيل الله بأيَّة وسيلةٍ، وبأيَّة أداةٍ، وفي حدود هذه المبادئ العامَّة كان الجهاد في الإسلام. إنَّه الجهاد للعقيدة، لحمايتها من الحصار، وحمايتها من الفتنة، وحماية منهجها، وشريعتها في الحياة، وإقرار رايتهـا في الأرض؛ بحيث يَـرْهَبُها من يهمُّ بالاعتـداء عليهـا، وبحيث يلجـأ إليها كلُّ راغبٍ فيهـا، لا يخشى قـوَّةً أخرى في الأرض تتعرَّض لـه، أو تمنعه، أو تفتنه. وهذا هو الجهاد الوحيد الَّذي يأمر به الإسلام، ويقرُّه، ويثبت عليه، ويَعْتَبِر الَّذين يقاتلون فيه شهداء، والَّذين يَحْتَمِلون أعباءه أولياء».

2 - حماية الشَّعائر، والعبادات:

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ [الحج: 38 - 41] .

قال النَّسفي - رحمه الله! -: «أي: لولا إظهاره، وتسليطه المسلمين على الكافرين بالمجاهدة؛ لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبَّداتهم، فهدموها، ولم يتركوا للنَّصارى بيعاً، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلواتٍ؛ أي: كنائس، ولا للمسلمين مساجد، أو لغلب المشركون في أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم على المسلمين، وعلى أهل الكتاب الَّذين في ذمَّتهم، وهدموا متعبَّدات الفريقين، وقدَّم غير المساجد عليها؛ لتقدُّمها وجوداً، أو لقربها من التَّهديم».

3 - دفع الفساد عن الأرض:

قال تعالى: ﴿وَلـمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيات اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [البقرة: 250 - 252] .

قال ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ «أي: لولا الله يدفع عن قومٍ بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت، وشجاعة داود؛ لهلكوا».

وقال صاحب الكشَّاف في تفسير هذه الآية: «ولولا أنَّ الله يدفع بعض النَّاس ببعض، ويكفَّ بهم فسادهم؛ لغلب المفسدون، وفسدت الأرض، وبطلت منافعها، وتعطَّلت مصالحها؛ من الحرث، والنَّسل، وسائر ما يعمر الأرض».

وقال الشَّيخ عبد الرَّحمن السَّعدي في تفسيره: «إنَّ في هذه الآية عبراً كثيرةً للأمَّة؛ منها: فضيلة الجهاد في سبيله، وفوائده، وثمراته، وأنَّه السَّبب الوحيد في حفظ الدِّين، وحفظ الأوطان، وحفظ الأبدان، والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقَّت عليهم الأمور؛ فإنَّ عواقبهم حميدةٌ، كما أنَّ النَّاكلين ولو استراحوا قليلاً؛ فإنَّهم سيتعبون طويلاً».

4 - الابتلاء، والتَّربية، والإصلاح:

قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ [محمد: 4 - 6] .

قال ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعالى: أي: ولكن شرع لكم ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾، وقتال الأعداء، ليختبركم، وليبلو أخباركم، كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي ال عمران، وبراءة، في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142] .

قال صاحب الظِّلال: «إنَّما يتَّخذ الله المؤمنين - حين يأمرهم بضرب رقاب الكفار، وشدِّ وثاقهم بعد إثخانهم إنَّما يتَّخذهم سبحانه - ستاراً لقدرته، ولو شاء لانتصر من الكافرين جهرةً، كما انتصر منهم من غير هـذه الأسباب كلِّهـا؛ ولكنَّه إنَّما يريد لعباده المؤمنين الخير. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، وهو يبتليهم، ويربِّيهم، ويصلحهم، وييسر لهم أسباب الحسنات الكبار:

أ - يريد ليبتليهم: وفي هذا الابتلاء يستجيش في نفوس المؤمنين أكرم ما في النَّفس البشرية من طاقاتٍ، واتِّجاهات، فليس أكرم في النفس من أن يعزَّ عليها الحقُّ؛ الَّذي تؤمن به، حتَّى تجاهد في سبيله، فتقتُل، وتُقتل، ولا تسلِّم في هذا الحق الذي تعيش له، وبه، ولا تستطيع الحياة بدونه، ولا تحبُّ هذه الحياة في غير ظلِّه.

ب - ويريد ليربيهم: فيظلُّ يُخرج من نفوسهم كلَّ هوىً، وكلَّ رغبةٍ في أعراض هذه الأرض الفانية ممَّا يعزُّ عليهم أن يتخلَّوا عنه، ويظلُّ يقوِّي في نفوسهم كلَّ ضعفٍ، ويكمل كلَّ نقصٍ، وينفي كـلَّ زَغلٍ، ودَخل، حتَّى تصبح رغائبهم كلُّها في كفَّةٍ، وفي الكفة الأخرى تلبية دعوة الله للجهاد، والتَّطلُّع إلى وجه الله، ورضاه، وتشيل تلك، ويعلم الله من هذه النُّفوس: أنَّها خُيِّرت، فاختارت، وأنَّها تربَّت، فعرفت، وأنَّها لا تندفع بلا وعيٍ؛ ولكنَّها تقدِّر، وتختار.

ج - ويريد ليصلحهم: ففي معاناة الجهاد في سبيل الله، والتَّعرُّض للموت في كلِّ جولةٍ ما يعوِّد النَّفس الاستهانة بخطر المخوِّف، الَّذي يكلف النَّاس الكثير من نفوسهم، وأخلاقهم، وموازينهم، وقيمهم، ليتَّقوه، وهو هيِّنٌ، هيِّنٌ عند من يعتاد ملاقاته، سواءٌ سَلِمَ منه، أو لاقاه، والتَّوجُّه به لله في كلِّ مرَّةٍ، يفعل في النفس في لحظات الخطر شيئاً يقرِّبه للتَّصوُّر فعل الكهرباء بالأجسام، وكأنَّه صياغةٌ جديدةٌ للقلوب والأرواح، على صفاءٍ، ونقاءٍ، وصلاح.

ثـمَّ هي الأسباب الظَّاهرة لإصلاح الجماعة البشريـة كلِّها عن طريق قياداتها بأيدي المجاهدين؛ الَّذين فرغت نفوسهم من كلِّ أعراض الدُّنيا، وكلِّ زخارفها، وهانت عليهم الحياة؛ وهم يخوضون غِمار الموت في سبيل الله، ولم يعد في قلوبهم ما يشغلهم عن الله، والتَّطلُّع إلى رضاه. وحين تكون القيادة في مثل هذه الأيدي تصلح الأرض كلُّهـا، ويصلح العبـاد، ويصبح عزيزاً على هـذه الأيدي أن تسلِّم راية القيادة للكفر، والضَّلال، والفساد، وهي قد اشترتها بالدِّماء، والأرواح، وكلُّ عزيزٍ، وغالٍ أرخصته لتتسلَّم هذه الراية، لا لنفسها، ولكن لله».

5 - إرهاب الكفَّار، وإخزاؤهم، وإذلالهم، وتوهين كيدهم:

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخرين مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [الآنفال: 60]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 14 - 15]، وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ [الآنفال: 17 - 18] .

6 - كشف المنافقين:

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمنوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 179] .

قال ابن كثير: «أي: لابدَّ أن يعقد سبباً من المحنة يظهر فيه وليُّه، ويفتضح فيه عدوُّه، يعرف به المؤمن الصَّابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أُحُد، الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانُهم، وصبرُهم، وجلَدُهم، وثباتُهم، وطاعتُهم لله، ورسولِه صلى الله عليه وسلم ، وهتك به سِتْرَ المنافقين، فظهر مخالفتُهم، ونكولُهم عن الجهاد، وخيانتهم للهِ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ».

7 - إقامة حكم الله، ونظام الإسلام في الأرض:

إنَّ إقامة حكم الله في الأرض هدفٌ من أهداف الجهاد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105] .

8 - دفع عدوان الكافرين:

إنَّ من أهداف الجهاد في الإسلام دفعَ عدوان الكافرين، وهذا العدوان أنواعٌ؛ منها:

أ - أن يعتدي الكفَّار على فئةٍ مؤمنةٍ مُسْتَضْعفةٍ في أرض الكفار، لا سيما إذا لم تستطع أن تنتقل إلى بلادٍ تأمن فيها على دينها: فإنَّ الواجب على الدَّولة الإسلاميَّة، أن تعدَّ العدة لمجاهدة الكفار؛ الَّذين اعتدوا على تلك الطَّائفة، حتَّى يخلِّصوها من الظُّلم، والاعتداء الواقع عليها. قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخرةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 74 - 75] .

قال القرطبيُّ - رحمه الله -: «حضٌّ على الجهاد، وهو يتضمَّن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين؛ الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدِّين؛ فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضُّعفاء من عبادِه، وإن كان في ذلك تلفُ النُّفوس. وتخليص الأُسارى واجبٌ على جماعة المسلمين؛ إمَّا بالقتال، وإمَّا بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النُّفوس؛ إذ هي أهون منها».

ب - أن يعتدي الكفَّار على ديار المسلمين: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 190 - 192] .نصَّ الفقهاء على أنَّه إذا اعتدى الكفار على ديار المسلمين؛ يتعيَّن الجهاد للدِّفاع عن الدِّيار؛ لأنَّ العدوَّ إذا احتلَّها سام المسلمين عذاباً، ونفَّذ فيها أحكام الكفر، وأجبر أهلها على الخضوع له، فتصبح دار كفرٍ بعد أن كانت دار إسلام.

قال ابن قدامة - رحمه الله -: «ويتعيَّن الجهاد في ثلاثة مواضع: ...الثاني: إذا نزل الكفار ببلدٍ معيَّنٍ على أهله قتالُهم، ودفعُهم».

وقال بعض علماء الحنفيَّة: «وحاصله: أنَّ كلَّ موضعٍ خيفَ هجوم العدوِّ منه، فُرِض على الإمام، أو على أهل ذلك الموضع، حفظُه، وإن لم يقدروا فُرِض على الأقرب إليهم إعانتهم إلى حصول الكفاية بمقاومة العدوِّ».

ج - أن ينشر العدوُّ الظُّلم بين رعاياه - ولو كانوا كفاراً -: إنَّ الله سبحانه حرَّم على عباده الظلم، والعدلُ في الأرض واجبٌ لكلِّ النَّاس، وإذا لم يدفع المسلمون الظُّلم عن المظلومين؛ أثِموا؛ لأنهم مأمورون بالجهاد في الأرض؛ لإحقاق الحقِّ، وإبطال الباطل، ونشر العدل، والقضاء على الظُّلم، ولا فلاح لهم إلا بذلك، وهو الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وما كانوا خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8] .

ومن العدل كفُّ الظُّلم عن المظلوم الكافر، الَّذي يبغضه المسلم لكفره. قال السَّرخسيُّ - رحمه الله! -: «وإن كان - يقصد أحد ملوك أهل الحرب - طلب الذِّمَّة على أن يُتْرَك يحكم في أهل مملكته بما شاء؛ من قتلٍ، أو صَلْبٍ، أو غيره بما لا يصلح في دار الإسلام؛ لم يُجَبْ إلى ذلك؛ لأنَّ التقرير على الظُّلم مع إمكان المنع منه حرامٌ».

د - الوقوف ضدَّ الدُّعاة إلى الله، ومنعهم من تبليغ دعوة الله: إنَّ المسلمين مفروضٌ عليهم من قِبَل المولى - عزَّ وجلَّ - أن يبلِّغوا رسالات الله للنَّاس كافَّةً. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]

وأعداء الله يصدُّون أولياءه عن تبليغ عباده دعوته، ولا يتركون لهم سبيلاً إلى النَّاس، كما لا يأذنون للدُّعاة أن يُسْمِعوا النَّاس دعوة الله، ويضعون العراقيل، والعوائق، والحواجز، بين الدَّعوة، ودعاتها، والناس، ولذلك أوجب الله - عزَّ وجلَّ - على عباده المؤمنين، قتال كلِّ مَنْ يَصُدُّ عن سبيل الله تعالى.

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمنوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمنوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ * فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد: 1 - 4] وممَّا تقدَّم يتَّضح لنا أنَّ للجهاد أهدافاً ساميةً، ومصالح كريمةً، وفوائدَ عظيمةً تتحقَّق للمسلمين وغيرهم، وأنَّ الجهاد من آثار الهجرة، ونتائجها المهمَّة، وأنَّه من الدَّعائم؛ الَّتي أقامها الرَّسول صلى الله عليه وسلم لبناء الدَّولة الإسلاميَّة، وتوطيد أركان الإسلام؛ وذلك «لأنَّ الأمَّة بغير جيشٍ قويٍّ عرضةٌ للضَّياع؛ إذ يطمع فيها أعداؤها، ولا يهابون قوَّتها، فإذا كان لها جيشٌ قويٌّ احترم العدوُّ إرادتها، فلا تحدِّثه نفسه باعتداءٍ عليها؛ فيسود عند ذلك السَّلام».

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022