الحلقة الثامنة والستون (68)
أهم السَّرايا والبعوث الَّتي سبقت غزوة بدرٍ الكبرى
بمجرَّد الاستقرار الَّذي حصل للمسلمين بقيادة الرَّسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وقيام الجماعة المؤمنة في المجتمع الجديد كان لابدَّ أن يتنبَّه المسلمون ، وقيادتهم إلى الوضع حولهم، وما ينتظرهم من جهة أعدائهم أعداء الدَّعوة، وكان لابدَّ أن تنطلق الدَّعوة الإسلاميَّة إلى غايتها الَّتي أرسل الله محمَّداً صلى الله عليه وسلم بها، وتحمَّل هو وأصحابه في سبيلها المشاقَّ الكثيرة.
إنَّ موقف قريشٍ في مكَّة من أهم الأمور الَّتي يجب أن تعالجها قيادة المدينة؛ لأنَّ أهل مكة لن يرضوا بأن يقوم للإسلام كيانٌ - ولو كان في المدينة - لأنَّ ذلك يهدِّد كيانهم، ويُقَوِّض بنيانهم، فهم يعلمون أنَّ قيام الإسلام معناه انتهاء الجاهليَّة، وعادات الاباء، والأجداد، فلابدَّ من الوقوف في وجهه.
وقد بذلت مكةُ، وأهلُها المحاولات الكثيرة؛ لعدم وصول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واتَّخذت مواقف عدائيَّةً لضرب الإسلام، والقضاء على المسلمين، واستمرَّ هذا العداء بعد هجرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومن أهم المواقف الدَّالة على ذلك: أنَّ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه حـدَّثَ عن سعد بن معـاذ: أنَّـه قال: كـان صديقـاً لأُميـة بن خَلف، وكـان أُمَيةُ إذا مرَّ بالمدينة نزل على سعدٍ، وكان سعدٌ إذا مرَّ بمكَّة نزل على أميَّةَ، فلـمَّا قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، انطلق سعد معتمراً، فنزل على أُميةَ بمكَّةَ، فقال لأُميةَ: انظر لي ساعةَ خَلوةٍ، لعلِّي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريباً من نصف النَّهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعدٌ. فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكَّة آمناً، وقد أويتم الصُّبَأة، وزعمتم: أنَّـكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله! لولا أنك مع أبي صفوان؛ ما رجَعْتَ إلى أهلك سالماً. فقال له سعد - ورفع صوته عليه -: أما والله! لئن منعتني هذا، لأمنعنَّك ما هو أشدُّ عليك منه، طريقَك على المدينة ...» [البخاري (3950)] وفي روايةٍ عند البيهقيِّ [دلائل النبوة (3/25)] : «والله! لئن منعتني أن أطوف بالبيت، لأقطعنَّ عليك متجرَك إلى الشَّام».
تدلُّ هذه الواقعة على أنَّ (أبا جهلٍ)، يَعْتَبِرُ (سعد بن معاذ) من أهل الحرب بالنَّسبة إلى قريش، ولولا أنَّه دخل مكة في أمان زعيمٍ من زعمائها؛ لأهدر دمه، وهذا تصرُّف جديدٍ من رؤساء مكَّة حيال أهل المدينة، لم يكن قبل الدَّولة الإسلاميَّة فيها؛ فلم يكن أحدٌ من أهل المدينة يحتاج إلى عقد أمانٍ؛ لكي يُسْمَحَ له بالدُّخول إلى مكَّة! بل إن قريشاً كانت تكره أن تفكِّر في حدوث حالة حرب بينها وبين أهل المدينة قبل هذا الوضع الجديد، وقالوا في هذا الصَّدد، يخاطبون أهل المدينة ما نصُّه: «والله! ما مِنْ حيٍّ من العرب أبغضَ إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم»، كما تدلُّ هذه القصَّة، على أنَّ قوافل تجارة قريش في طريقها إلى الشَّام كانت في أمانٍ حتَّى حدوث هذه الواقعة، لم تتعرَّض لها الدَّولة الإسلاميَّة بمكروهٍ؛ أي: أنَّ الدَّولة الإسلاميَّة حتَّى هذا الوقت لم تعامل أهل مكَّة معاملة أهل الحرب، فلم تضرب عليهم الحصار الاقتصاديَّ، ولم تصادر لهم أيَّة قافلةٍ، أو تقصدها بسوءٍ! ومعنى هذا أنَّ الأيدي الممسكة بزمام الأمور في مكَّة هي الَّتي بادرت، وأعلنت الحرب على الدَّولة الإسلاميَّة في المدينة، واعتبرت المسلمين أهلَ حرب، لا يُسْمح لهم بدخول مكَّة إلا بصفة مُسْتأمَنين.
ودليلٌ آخر على مبادرة رؤساء مكَّة إلى إعلان الحرب، على الدَّولة الإسلاميَّة في المدينة ما جاء في سنن أبي داود: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : أنَّ كفار قريش كتبوا إلى (ابن أُبيٍّ) ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج؛ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم اويتم صاحبنا، وإنَّا نقسم بالله! لتُقاتِلنَّه، ولتُخرجُنَّه، أو لَنَسيرنَّ إليكم بأجمعنا، حتَّى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم. فلما بلغ عبد الله بن أُبيٍّ ومن كان معه من عبدة الأوثان، اجتمعوا لقتال النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا بلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لَقِيَهم، فقال: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر ممَّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم، وإخوانكم!» فلـمَّا سمعوا ذلك من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ تفرَّقوا. [أبو داود (3004) وعبد الرزاق في المصنف (9733) والبيهقي في دلائل النبوة (3/179 - 180)] .
وهنا تظهر عظمة النُّبوَّة، وعظمة القائد المربِّي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قضى على هذه الفتنة في مهدها، وضرب على وتر العزَّة القبليَّة؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يدرك أغوار النَّفس البشريَّة الَّتي يتعامل معها؛ ولذلك كان خطابه مؤثِّراً في نفوس مشركي يثرب، ونحن بحاجة إلى هذا الفقه العظيم، في تفتيت محاولات المشركين للقضاء على الصفِّ الإسلاميِّ، وزعزعة بنيانه الدَّاخلي، وبعد أن بدأت قريش بإعلان حالة الحرب بينها وبين دولة الإسلام بالمدينة، ونزل الإذن من الله تعالى بالقتال؛ صار من الطبيعي أن تتعامل دولة المدينة مع قريشٍ حسب ما تقتضيه حالة الحرب هذه، فقد اتَّجه نشاط الرَّسول صلى الله عليه وسلم من أجل توطيد مكانة هذه الدَّولة، والردِّ على قريش في إعلانها حالة الحرب على المدينة، فاتَّجه نشاطه صلى الله عليه وسلم نحو إرسال السَّرايا، والخروج في الغزوات، فكانت تلك السَّرايا، والغزوات الَّتي سبقت بدر الكبرى؛ ومن أهمها:
1 - غزوة الأبْوَاء:
أولى الغزوات الَّتي غزاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم غزوة الأبواء، وتُعْرَف بغزوة وَدَّان أيضاً، وهما موقعان متجاوران بينهما ستة أميال، أو ثمانية، ولم يقع قتال في هذه الغزوة؛ بل تمَّت موادعة بني ضمرة (من كنانة)، وكانت هذه الغزوة في (صفر سنة اثنتين من الهجرة)، وكان عدد المسلمين مئتين بين راكبٍ، وراجلٍ.
2 - سرية عُبَيْدة بن الحارث:
وهي أوَّل رايةٍ عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عدد السَّرِيَّة ستِّين من المهاجرين، وكانت قوَّة الأعداء من قريش أكثر من مئتي راكبٍ، وراجلٍ، وكان قائدَ المشركين أبو سفيان بن حرب، وحصلت مناوشاتٌ بين الطَّرفين على ماءٍ بوادي رابغ، رمى فيها سعد بن أبي وقاص بسهمٍ، فكان أوَّل سهمٍ رُمِيَ به في الإسلام، وكانت بعد رجوعه من الأبواء.
3 - سريَّة حمزة بن عبد المطلب:
قال ابن إسحاق: وبعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك - أي لـمَّا وصل إلى المدينة بعد غزوة الأبواء - حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص، في ثلاثين راكباً من المهاجرين، فلقي أبا جهل بن هشام بذلك السَّاحل، في ثلاثمئة راكبٍ من أهل مكَّة، فحجز بين الفريقين مجديُّ بن عمرو الجُهَنيُّ، وكان موادعاً للفريقين جميعاً، فانصرف بعضُ القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال.
4 - غزوة بُوَاط:
وكانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بُواط في شهر ربيع الأوَّل، في السَّنة الثَّانية من مُهَاجره، وخرج في مئتين من أصحابه، وكان مقصده أن يعترض عيراً لقريش، كان فيها أميَّة بن خلف، في مئة رجلٍ، وألفين وخمسمئة بعيرٍ، فلم يلق النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كيداً؛ فرجع إلى المدينة.
5 - غزوة العُشَيرة:
وفيها غزا صلى الله عليه وسلم قريشاً، واستعمل على المدينة أبا سَلَمة بن عبد الأسد، وسُمِّيت هذه الغزوة بغزوة العُشَيرة، فأقام بها جُمَادَى الأولى، وليالي من جُمادى الآخرة، وادع فيها بني مُدْلِج، وحلفاءهم من بني ضَمْرة، ثمَّ رجع إلى المدينة، ولم يلقَ كيداً؛ وذلك: أنَّ العير الَّتي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيامٍ، ذاهبةً إلى الشَّام، فساحلت على البحر، وبلغ قريشاً خبرُها، فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقعت غزوة بدر الكبرى.
6 - سرية سعد بن أبي وقاصٍ:
وبعد غزوة العُشيرة، بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقَّاص، في سريةٍ قوامها ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتَّى بلغ الخَرَّار من أرض الحجاز، ثمَّ رجع، ولم يلقَ كيداً.
7 - غزوة بدر الأولى:
سببها: أن كُرْزَ بنَ جابر الفِهريَّ، قد أغار على سَرْحِ المدينة، ونهب بعض الإبل، والمواشي، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، حتَّى بلغ وادياً يقال له: سَفْوان، من ناحية بدرٍ، وفاتَه كُرْزُ بن جابرٍ، فلم يدركه، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
8 - سرية عبد الله بن جحش الأسديِّ إلى نَخْلة:
وأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في ثمانية رَهطٍ من المهاجرين إلى نخلة جنوب مكة في آخر يومٍ من رجب؛ للاستطلاع، والتَّعرف على أخبار قريش؛ لكنَّهم تعرضوا لقافلةٍ تجاريَّةٍ لقريش، فظَفِرُوا بها، وقتلوا قائدها عمرو بن الحَضْرمي، وأسروا اثنين من رجالها، هما: عثمان بن عبد الله، والحكم بن كَيْسان، وعادوا بهما إلى المدينة، وقد توقَّف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذه الغنائم، حتَّى نزل عليه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217].
فلـمَّا نـزل القرآن الكريم؛ قبـض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم العيـر، والأسيريـن، وفي سريـة عبد الله هـذه غنم المسلمون أوَّل غنيمـة، وعمرو بـن الحَضْرَمي أوَّل قتيلٍ قتله المسلمون، وعثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان أوَّل من أسر المسلمون.
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ