الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة التاسعة والستون (69)

فوائد ودروس وعبر في سنة التدافع وحركة السرايا والجهاد في سبيل الله

1 - متى شُرِع الجهاد؟

ذهب الشَّيخ الدُّكتور محمَّد أبو شهبة إلى أنَّ تشريع الجهاد كان في أوائل السَّنة الثَّانية للهجرة، وعلَّل ذلك بسبب انشغال المسلمين في السَّنة الأولى بتنظيم أحوالهم الدِّينيَّة، والدُّنيويَّة؛ كبنائهم المسجد النَّبويِّ، وأمور معايشهم، وطرق اكتسابهم، وتنظيم أحوالهم السِّياسيَّة؛ كعقد التاخي بينهم، وموادعتهم اليهود المساكنين لهم في المدينة؛ كي يأمنوا شرورهم. وذهب الأستاذ صالح الشَّامي إلى أنَّ الإذن بالجهاد كان في أواخر السَّنة الأولى للهجرة.

2 - الفَرْق بين السَّرية، والغزوة:

يُطلق كُتَّاب السِّيَر في الغالب على كلِّ مجموعةٍ من المسلمين؛ خرج بها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ليلقى عدوَّه غزوةً، سواءٌ حدث فيها قتالٌ، أم لم يحدث، وسواءٌ كان عددها كبيراً، أم صغيراً. ويطلقون على كل مجموعة من المسلمين؛ يرسلها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لاعتراض عدوٍّ كلمة: (سَرِيَّة) أو: (بعث)، وقد يحدث فيها قتالٌ، وقد لا يحدث، وقد تكون لرصد أخبار عدوِّه، أو غيره، وغالباً ما يكون عدد الَّذين يخرجون في السَّرايا قليلاً ؛ لأنَّ مهمَّتهم محدَّدةٌ في مناوشـة العدوِّ، وإخافتـه، وإرباكه، وقد قاد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سبعاً وعشرين غزوةً، وأرسل ما يُقدَّر بثمانٍ وثلاثين سريَّةً، وبعثـاً، وقد خطَّط لها في فترةٍ وجيزةٍ في عُمْرِ الأمم، بلغت عَشْرَ سنـواتٍ من الزَّمن.

3 - تعداد سكَّان المدينة، وعلاقته بالسَّرايا:

أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بإجراء تعدادٍ سكَّانيٍّ في السَّنة الأولى من الهجرة، وبعد المؤاخاة مباشرةً، وكان الإحصاء للمسلمين فقط، أو حسب نصِّ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «اكتبوا لي من تلفَّظ بالإسلام من الناس» فبلغ تعداد المحاربين منهم فقط (1500) ألفاً وخمسمئة رجلٍ، فأطلق المسلمون بعد إجراء هذا الإحصاء تساؤل تعجبٍ، واستغرابٍ: «نخاف ونحن ألف وخمسمئة؟!»؛ لأنهم كانوا قبلُ لا ينامون إلا ومعهم السِّلاح؛ خوفاً على أنفسهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنع خروجهم ليلاً فرادى؛ حمايةً لهم من الغدر، وبعد هذا التَّعداد مباشرةً، بدأت السَّرايا، والغزوات، وهذا الإجراء الإحصائيُّ يدخل ضمن الإجراءات التَّنظيميَّة في تطوير الدَّولة النَّاشئة.

4 - حراسة الصَّحابة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الشَّخصيَّة:

كان الصَّحابة رضي الله عنهم يحرسون النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حراسةً شخصيَّةً، فعن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «أَرِقَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، فقال: «ليتَ رجلاً صالحاً من أصحابي يَحْرسُني اللَّيلة»؛ إذ سمعنا صوتَ السِّلاح، قال: «مَنْ هذا؟» قال: سعـدٌ يا رسولَ الله! جئتُ أحْرُسُك، فنـام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حتَّى سمعنـا غَطيطه» [البخاري (2885 و7231) ومسلم (2410)]، وكان ذلك قبل غزوة بدرٍ الكبرى. وفي حديث عائشة رضي الله عنها: مشروعية الاحتراس من العدوِّ، والأخذ بالحزم، وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط، وأنَّ على النَّاس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل، وفيه الثَّناء على مَنْ تبرَّع بالخير، وتسميته، وإنَّما عنَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك مع قوَّة توكُّله؛ للاستنان به في ذلك.

5 - نص وثيقة المعاهدة مع بني ضَمْرَة والتعليق عليها:

«بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا كتابٌ من محمَّدٍ رسول الله، لبني ضَمْرَة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، بأنَّهم آمنون على أموالهم، وأنفسهم، وأنَّ لهم النَّصر على مَنْ رامهم؛ إلا أن يُحارِبُوا دين الله، ما بَلَّ بحرٌ صُوفَةً، وأنَّ النَّبيَّ إذا دعاهم لنُصْرة؛ أجابوه، عليهم بذلك ذمَّة الله، وذمَّة رسوله، ولهم النَّصرُ على مَنْ برَّ منهم، واتَّقى».

انتهز النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في غزوة الأبْواء فرصةً ذهبيَّةً، فعقد حلفاً عسكرياً مع شيخ بني ضمرة، فقد كان موقع بلاده ذا قيمةٍ عسكريَّةٍ لا تُقدَّر بثمنٍ في الصِّراع بين الدَّولة الإسلاميَّة النَّاشئة، وقريش؛ ولذلك عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضمان حيدتهم، في حالة وقوع صدامٍ مسلَّحٍ بين المدينة، وأهل مكَّة، وكانت خطَّته صلى الله عليه وسلم حتَّى وقعة بدر أن يزعج قوافل قريش بإرسال مجموعاتٍ صغيرةٍ من المهاجرين، وخاصَّةً أنَّ هذه القوافل كانت غير مصحوبةٍ بجيشٍ يحميها، وهو أمرٌ لم تفكِّر فيه قريش حتَّى تلك اللَّحظة.

كان قُرْبُ بني ضَمْرَة، وحلفائهم من المدينة؛ الَّتي كانت سوقَهم، ومصدرَ رزقهم قد وضعهم في موقفٍ لا يسمح لهم بأيِّ مسلكٍ غير موادعة الدَّولة الإسلاميَّة النَّاشئة، وهو حلف عدم اعتداءٍ وفق المصطلح الحديث.

وقد دلَّت هذه الموادعة على أنَّ مقتضيات السِّياسة الشَّرعيَّة، قد تدفع المسلمين إلى التَّحالف العسكريِّ، أو الاقتصاديِّ، أو التِّجاريِّ، مع أيٍّ من الكتل القائمة، وأنَّ التَّحالف السِّياسيَّ له أصلٌ في الشَّريعة، وضرورةٌ يوجبها استهدافُ رفع الضَّرر الحاصل، أو المرتقب، وأنَّ التَّحالف مبنيٌّ على قاعـدة رفع الضَّرر، والمصلحة المشتركة، وأن تكون لأصل الحلف غايـةٌ شرعيَّـةٌ معلومـةٌ، وأن يكون للمسلمين في الحلف قرارٌ، ورأيٌ، أما إذا كانوا أتباعاً، ومنفذين - كما في الأحلاف الحديثـة - فهذا لا ينطبق عليه الأصل الشَّرعيُّ، وعلى قيـادة الأمَّة أن تستـوعب هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حركته السياسية، وأن تفهم القاعدة الشَّرعيَّة؛ الَّتي تقول: «لا ضرر ولا ضرار» [ابن ماجه (2341) وأحمد (1/313) والطبراني في المعجم الأوسط (3789)] .

يقول الشَّيخ مصطفى الزَّرقا في معرض الحديث عن هذه القاعدة، ما نصُّه:

«وهذه القاعدة من أركان الشَّريعة، وتشهد لها نصوصٌ من الكتاب والسنَّة، ويشمل الضرر المنهيُّ عنه ما كان ضرراً عامّاً، أو خاصّاً، ويشمل ذلك دفعه قبل الوقوع بطرق الوقاية الممكنة، ودفعه بعد الوقوع بما يمكن من التَّدابير الَّتي تزيل آثاره، وتمنع تكْرَاره، كما يدلُّ على وجوب اختيار أهون الشَّرَّين؛ لدفع أعظمهما؛ لأنَّ في ذلك تخفيفاً للضَّرر عندما لا يمكن منعه بتاتاً».

إنَّ هذه الموادعة توضِّح جواز عقد الدَّولة الإسلاميَّة معاهدةً دفاعيَّةً بينها وبين دولةٍ أخرى، إذا اقتضت ذلك مصلحة المسلمين، ولم يترتَّب أيُّ ضررٍ على مثل هذه المعاهدة، ويجب على الدَّولة الإسلاميَّة في هذه الحال، نصرة الدَّولة الحليفة إذا دعيت إلى هذه النُّصرة ضدَّ الكفار المعتدين، كما يجوز للدَّولة الإسلاميَّة أن تطلب من الدَّولة الحليفة إمدادها بالسِّلاح، والرِّجال؛ ليقاتلوا تحت راية الدَّولة الإسلاميَّة، ضدَّ الأعداء من الكفَّار.

وقد شرط النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على بني ضمرة ألا يحاربوا دين الله؛ حتَّى يكون لهم النَّصر على من اعتدى عليهم، أو حاول الاعتداء.

وفي هذا إبعادٌ للعقبات؛ الَّتي يمكن أن تقف في طريق الدَّعوة، فقد أوجبت هذه المعاهدة على بني ضَمرة ألا يحاربوا هذا الدِّين، أو يقفوا في طريقه، وتعتبر هذه المعاهدة كسباً سياسيَّاً وعسكريَّاً للمسلمين، لا يستهان به.

6 - (وإنِّي لأوَّل رجلٍ رمَى بسهمٍ في سبيل الله):

كانت سرية عُبَيدة بن الحارث رضي الله عنه أوَّلَ سريَّةٍ في تاريخ السَّرايا، يلتقي فيها المسلمون مع المشركين في مواجهةٍ عسكريَّةٍ، وقد اتَّخذ القتال بين الطَّرفين طابع المناوشة بالسِّهام، وكان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه «أوَّل العرب رمى بسهم في سبيل الله» في تلك المعركة؛ الَّتي لم تستمرَّ طويلاً؛ إذ قرَّر الفريقان الانسحاب من أرضها، وقد كان انسحاب المسلمين قوياً، ومنظَّماً، وكان بطل هذا الانسحاب سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، فقد كان له الدَّور الأكبر في تثبيت، وإحباط استعدادات العدوِّ، لشنِّ أيِّ هجومٍ مضادٍّ، وذلك بوابل من السِّهام المزعجـة الَّتي قذفهـا نحـوه، والتي كونت ساتراً دفاعياً، مهَّد لانسحابٍ سليمٍ منظَّمٍ بالنِّسبة للمسلمين، وقد فرَّ عُتْبة بن غَزوان، والمقداد بن الأسود رضي الله عنهما يومئذ إلى المسلمين، وكانا قد أسلما قبل ذلك، وفي هذه السَّريَّة حقَّق سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه سبقاً عسكريّاً إسلاميّاً، يسجَّل في سجلِّه الحافل بالأعمال العظيمة لنصرة دين الله تعالى، كما أكَّدت هذه السَّريَّة، استمرار سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم التَّعبويَّة، الخاصَّة بحشد المهاجرين فقط في الغزوات والسَّرايا الأولى حتَّى بدر؛ تنفيذاً لاتفاقية العقبة الثَّانية.

7 - نصُّ وثيقة الموادعة مع جُهَيْنة، والتَّعليق عليها:

«إنَّهم امنون على أنفسهم، وأموالهم، وإنَّ لهم النَّصر على من ظلمهم، أو حاربهم، إلا في الدِّين، والأهل، ولأهل باديتهم من برَّ منهم، واتَّقى ما لحاضرتهم».

ويظهر أثر هذه الموادعة عندما تدخَّل مَجْدِيُّ بن عمرو الجُهَنيُّ في التَّوسُّط بين سريَّـة حمزة بن عبـد المطلب، والقافلة القرشيَّة الَّتي كان يقودها أبو جهل بـن هشام، ويحرسها ثلاثمئة راكبٍ من فُرْسان قريشٍ، فقد التقوا ناحية العيص، في منطقة نفوذ جهينة، واصطفُّوا للقتال، وقبل أن يندلع القتال بين الفريقين، تدخَّل مجْديُّ بن عمرو - زعيم من زعماء جهينة - في وساطة سلامٍ بينهم، واستطاع أن ينجح في مساعيه السِّلمية بين الطَّرفين، فقد كان مجديُّ، وقومه حلفاء للفريقين جميعاً، فلم يعصوه، فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهما، فلم يكن بينهما قتالٌ.

ويظهر من هذه المعاهدة: أنَّ عقد المعاهدات بين الدَّولة الإسلامية والقبائل المجاورة، كان سابقاً على الأعمال العسكريَّة؛ الَّتي قامت بها؛ بدليل أنَّ حركة السَّرايا الأولى الموجَّهة ضدَّ قريشٍ، كان قد سبقها معاهدة سلامٍ بين دولة الإسلام، وقبيلة جهينة المقيمة على ساحل البحر الأحمر، وقد توسَّطت لمنع القتال بين المسلمين، وكفَّار مكَّة.

ومن فقه هذه المعاهدة جوازُ عقد معاهدة سلامٍ بين دولة الإسلام، ودولةٍ أخرى، هي بدورها مرتبطةٌ بمعاهدة سلامٍ مع أعداء الدَّولة الإسلاميَّة؛ بشرط ألاَّ تتجاوز تلك المعاهدة الاتفاق على أن تنصر الدَّولة المعاهدة للمسلمين العدوَّ إذا ما اشتبكت مع المسلمين في قتالٍ، ويجوز للدَّولة الإسلاميَّة، أن تترك قتال أعدائها بعد أن تستعدَّ لذلك؛ استجابةً لوساطة دولةٍ أخرى؛ إذا لم يترتب على ذلك ضررٌ للمسلمين.

كانت نتائج سريَّة حمزة رضي الله عنه على المعسكر الوثنيِّ سيئةً للغاية؛ حيث هزَّت كيان قريش، وبثَّت الرُّعب في نفوس رجالها، وفتحت أعينهم على الخطر المُحْدق بهم، والَّذي أصبح يهدِّد طريق تجارتهم، وقوَّتهم الاقتصاديَّة، فقد قال أبو جهل حين قدم مكَّة منصرفاً عن حمزة: «يا معشر قريش! إنَّ محمداً قد نزل يثربَ، وأرسل طلائعه ؛ وإنَّما يريد أن يصيب منكم شيئاً، فاحذروا أن تمرُّوا في طريقه، وأن تقاربـوه ؛ فإنَّـه كالأسد الضَّاري، إنـه حَنِـقٌ عليكم؛ نفيتموه نَفْيَ القردان على المناسم، والله! إنَّ له لسحرةً، ما رأيته قطُّ ولا أحداً من أصحابه، إلا رأيتُ معهم الشَّياطين، وإنَّكم عرفتم عداوة ابني قَيْلَة، فهو عدوٌّ استعان بعدوٍّ».

8 - سريَّة عبد الله بن جحش وما فيها من دروسٍ، وعبر:

إنَّ سرية عبد الله بن جحشٍ، حقَّقت نتائج مهمَّةً، وفيها دروسٌ، وعبرٌ، وفوائد عظيمةٌ؛ منها:

أ - جاء في خبر هذه السَّريَّة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كتب لأمير السَّريَّة كتاباً، وأمره ألاَّ ينظرَ فيه حتَّى يسير يومين، وهذا مثلٌ لتطبيق مبدأ مهمٍّ من مبادئ الحرب، وهو إخفاء الخُطط الحربيَّة، ومنها خط السَّير، حتَّى يكون الجيش في أمانٍ من كيد الأعداء؛ فالمدينة كانت آنذاك تضمُّ اليهود، والوثنيين، ومن المتوقع أن يسارع هؤلاء إلى إخبار أهل مكَّة، بخطِّ سير تلك السَّريَّة الموجَّهة ضدَّهم، فلـمَّا سار أفراد السَّريَّة وهم بأنفسهم لا يعلمون اتِّجاههم؛ أصبح النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم آمناً من انكشاف الهدف المقصود.

وإنَّ الباحث ليرى أثر التَّربية النَّبويَّة في هذه السَّريَّة المباركة؛ حيث سمعوا، وأطاعوا جميعاً، وساروا إلى منطقة أعدائهم، وتجاوزوها حتَّى أصبحوا من ورائهم، وهذا شاهدٌ على قوَّة إيمان الصَّحابة رضي الله عنهم، واستهانتهم بأنفسهم في سبيل الله تعالى.

ب - حاولت قريش أن تستغلَّ ما وقع من قَتْلٍ في الشَّهر الحرام مِنْ قِبلَ أفراد السَّريَّة، فشنُّوا حرباً إعلاميَّة، وهجوميَّة مركَّزةً، تتخلَّلها دعآيات مغرضةٌ ضدَّ المسلمين، استغلت فيها التعاليم الإبراهيميَّة؛ الَّتي لا زالت بعض آثارها باقيةً في المجتمع الجاهليِّ حتَّى ذلك الوقت؛ من تحريم القتال في الأشهر الحرم، وغير ذلك، فقد «انتهزت قريش هذه الفرصة للتَّشهير بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وبالمسلمين، وإظهارهم بمظهر المعتدي الَّذي لا يراعي الحرمات». «قالت قريش: قد استحلَّ محمَّدٌ، وأصحابـه الشَّهر الحرام، وسفكوا فيـه الدَّم، وأخذوا فيـه الأموال، وأسروا فيه الرِّجال» [البيهقي في السنن الكبرى (9/59) وفي الدلائل (3/19) وابن هشام (2/254)] .

ونجحت قريش في خُطَّتها تلك بادئ الأمر؛ حيث «كان لدعايتها صدىً كبيرٌ، وأثرٌ ملموسٌ حتَّى في المدينة نفسها، فقد كثر الجدل، والنقاش بين المسلمين أنفسهم، وأنكروا على رجال السَّريَّـة محاربتهم في الشَّهـر الحرام، واشتـدَّ الموقف، ودخلت اليهود تريد إشعال الفتنة»، وقالوا: إنَّ الحرب واقعةٌ لا محالة بين المسلمين وقريش؛ بل بينهم وبين العرب جميعاً؛ جزاء ما انتهكوا من حرمة الشَّهر الحرام، وأخذوا يردِّدون: «عمرو بن الحَضرمي قتله واقدُ بن عبد الله، عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد: وقدت الحرب»، وهذا الكلام من اليهود يعبِّر عن حقدٍ دفينٍ في نفوسهم على الإسلام والمسلمين.

وعندما ظنَّ أهل السَّريَّة: أنَّهم قد هلكوا، وسُقط في أيديهم؛ جاء الردُّ الرَّبانيُّ المفحم؛ قطعاً لألسنة المشركين الَّذين يتترَّسون بالحرمات، ويتَّخذونها ستاراً لجرائمهم، ففضح القرآن هؤلاء المجرمين، وأبطل احتجاجهم، وأجاب على استنكارهم القتال في الشَّهر الحرام، فالصدُّ عن سبيل الله، والكفر به أكبر من القتال في الشَّهر الحرام، والمسجد الحرام، وإخراجُ أهله منه أكبرُ من القتال في الشَّهر الحرام، وفتنةُ الرَّجل في دينه أكبرُ من القتل في الشَّهر الحرام. لقد فعلت قريشٌ كلَّ هذه الجرائم، وارتكبت هذه الكبائر؛ ولكنَّها تناستها، أو استهانت بها، ولم تذكر إلا حُرمة الشَّهر، واتَّخذتها وسيلةً لآثارة حربٍ شعواء على الإسلام، ودولته؛ لتأليب القبائل الوثنيَّة عليها، وتنفير النَّاس من الدُّخول في هذا الدِّين؛ الَّذي يستحلُّ الحرمات، ويستبيح المقدَّسات؛ حتَّى إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لحقه الغمُّ، ولام قائد السَّريَّة، وأصحابه على ما فعلوا، فنزلت الآيات البيِّنات تردُّ وبقوَّةٍ على دعآيات قريشٍ المغرضة، موضحةً: أنَّه وإن كان الشَّهر الحرام لا يحلُّ فيه القتال، ولكن لا حرمة عند الله لمن هتك الحرمات، وصدَّ عن سبيله.

ج - حِرْصُ القائد على سلامة الجنود: عندما تخلَّف سعـد بن أبي وقَّاصٍ، وعُتْبـة بن غَزْوان؛ بسبب بحثهما عن بعيرٍ لهما قد ضلَّ، وجاءت قريش تريد أن تفدي الأسيرين، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أخاف أن تكونوا قد أصبتم سعد بن مالك، وعُتبة بن غَزوان» فلم يفادهما حتَّى قدم سعدٌ، وعُتبة، ففوديا، فأسلم الحكم بن كَيسان، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجع عثمان بن عبد الله بن المغيرة كافراً.

ونفهم من المنهاج النَّبويِّ، ضرورة أن يهتمَّ القائد بسلامة جنده؛ لأنَّهم هم الَّذين يقدِّمون أنفسهم في سبيل نصرة دين الله، وإقامة دولة الإسلام.

إنَّ المدارس العسكريَّة الحديثة تقول: إنَّ الجنديَّ حين يُحسُّ باهتمام القيادة به، وبسلامته، وبأمنه لا يتردَّد في أن يبذل غاية البذل، ويعطي أقصى العطاء.

د - ظهور التَّربيَّة الأمنيَّة في الميدان: كانت سريَّة عبد الله بن جحشٍ قد حقَّقت أهدافها، وظهرت قدرتها على التوغُّل في المناطق الخاضعة لنفوذ قريش، ممَّا أذهلها، وزاد دهشتها وذهولها تلك السِّرِّيَّـةُ التَّامَّةُ، والدِّقَّةُ المتناهية؛ الَّتي تمَّت بها العمليَّة؛ حتَّى إنَّ جواسيس قريش لم تستطع رصدها، ولا معرفة الوجهة الَّتي قصدتها، وكان ذلك ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخطَّط له بابتكاره أسلوب الرَّسائل المكتوبة؛ للمحافظة على الكتمان، وحرمان العدوِّ من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده عن حركات المسلمين، «والكتمان أهمُّ عاملٍ من عوامل مبدأ (المباغتة)، وهي أهمُّ مبدأ من مبادئ الحرب».

وقد أثبتت هذه السَّرِيَّةُ بما لا يدع مجالاً للشك: أنَّ سرايا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قويَّةٌ، تندفع للقيام بأصعب الأعباء والمهمَّات، وتتحلَّى بمزايا القتال، وقدرتها على إنجاز الواجبات بكلِّ كفاءة، واقتدارٍ، ممَّا يدلُّ على رُوحها المعنويَّة العالية.

وتظهر آثار التَّربية النَّبويَّة في الضَّبط العسكريِّ الرَّفيع، الَّذي تميَّز به قائد السَّريَّة، وطاعته للأوامر النَّبويَّة العليا؛ دون تردُّدٍ، أو تخاذلٍ، فما إن قرأ الكتاب، حتَّى امتثل فوراً للأمر بحذافيره، معطياً من نفسه القدوة الحسنة، وباثّاً في نفوس جنوده الحماس، وهو يقول لهم: «من كان منكم يريد الشَّهادة، ويرغب فيها؛ فلينطلق، ومن كره ذلك؛ فليرجع، فأمَّا أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ».

9 - من أهداف السَّرايا:

عندما ندرس حركة السَّرايا، والغزوات؛ الَّتي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدقَّةٍ، وعمقٍ، وتحليلٍ، نستطيع أن نتلمَّس كثيراً من الأهداف، وندرك بعض ما توحي به من دروسٍ وعبرٍ، وفوائد؛ فإذا تأمَّلنا في حركة السَّرايا الَّتي سُيِّرت قبل بدرٍ؛ نجد أنَّ أفرادها كلَّهم من المهاجرين، ليس فيهم واحدٌ من الأنصار. يقول ابن سعدٍ - رحمه الله! -: «والمجتمع عليه: أنَّهم كانوا جميعاً من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من الأنصار مَبْعثاً حتَّى غزا بهم بدراً». وهذا كان أمراً مدروساً له أهدافه؛ ومنها: إحيـاء قضية المهاجرين في أنفسهم أوَّلاً، وإحياؤها على المستوى الخارجيِّ، وإنهاك الاقتصاد القرشيِّ، ومحاصرته، واستعادة بعض الحقوق المسلوبة، وإضعاف قريشٍ عسكريّاً، وتدريب الصَّحابة على إتقان فنون القتال، ورصد تحرُّكات قريش، وإرهاب العدوِّ الدَّاخليِّ في المدينة، وما حولها، واختبار قوة العدوِّ، وقد حقَّقت تلك السَّرايا أهدافها، والَّتي من أهمها:

أ - بسط هيبـة الدَّولـة في الدَّاخـل، والخـارج: فقد استطاعت تلك السَّرايا والغزوات، أن تلفت أنظار أعداء الدَّعوة، والدَّولة الإسلاميَّة إلى قوَّة المسلمين، وقدرتهم على ضرب أيَّة حركةٍ مناوئةٍ، سواءٌ في الدَّاخل، أو الخارج؛ حتَّى لا يُحَدِّث أحدٌ نفسَه بمهاجمة الدَّولة الإسلاميَّة، الَّتي لا يتوقَّف جيشها ليلَ نهارَ، ممَّا أرهب الأفاعي اليهوديَّة، والقبائل الوثنيَّة المحيطة بالمدينة، وجعل الجميع يعمل ألف حسابٍ قبل أن تحدِّثه نفسُه بغزو المدينة، أو مناصرة أحدٍ من الأعداء عليها. والَّذي نلاحظه في حركة السَّرايا الزِّيادة المستمرَّة في أعداد قوَّة تلك الغزوات، والسَّرايا، ومجيئها متتابعةً ليس بينها فاصلٌ زمنيٌّ على الإطلاق، فلا تكاد السَّريَّة، أو الغزوة تعود؛ حتَّى تكون الَّتي بعدها قد خرجت؛ لتحقيق الهدف نفسه، وهو ضرب مصالح قريش الاقتصاديَّة، وقطع طرق تجارتها، وخصوصاً إلى بلاد الشَّام؛ ممَّا كلَّفها زيادة عدد حرَّاس قوافلها، وارتفاع قيمة بضائعها، هذا غير الرُّعب، والخوف الَّذي شعر به رجال القوافل القرشيَّة، وأصحاب الأموال في مكَّة على حدٍّ سواءٍ.

ب - كسب بعض القبائل، وتحجيم دَور الأعراب: لقد وادع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبيلة جُهَيْنة، وحالفها، وكذلك بعض القبائل الضَّاربة في تلك المنطقة من أجل تحييدها في الصِّراع الدَّائر بين مكَّة، والمدينة، والعمل على كسبها في هذا الصِّراع؛ وذلك «لأنَّ الأصل: أنَّ هذه القبائل تميل إلى قريشٍ، وتتعاون معها؛ إذ بينهما مُحالفاتٌ تاريخيَّةٌ، سمَّاها القرآن الكريم بالإيلاف، سَعَت قريش من خلالها لتأمين تجارتها مع الشَّام، واليمن».

وبعد أن اتَّفقت بعض القبائل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعقدت معه معاهداتٍ، أصبحت تشـكِّل خطراً على تجارة قريش، وصار المسلمون هم السَّادة في المنطقة.

وقام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بتحجيم دور الأعراب؛ كي لا يكون لهم وجودٌ في طرق التِّجارة، فقد كان الأعراب يُشَكِّلون قوَّة تهديدٍ للقوافل التِّجارية، وكان المارُّ في مناطق نفوذهم، لا يمرُّ إلا بإتاوة تُدْفع إليهم، وحينما قامت الدَّولة الإسلاميَّة؛ لم يجدوا شيئاً منها؛ فجرَّبوا مهاجمتها، وتولَّى هذا كُرْزُ الفهريُّ؛ ولكنَّه وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطارده إلى سفوان «بالقرب من بدرٍ مسافةً تبعد عن المدينة حوالي 150 كيلو متراً»، وقد سمَّى أهلُ السِّير هذه المطاردة: غزوة بدر الصُّغرى، وتُعدُّ هذه الغزوة درساً لكلِّ الأعراب، فلم يحصل: أنَّ أعرابيَّاً سوَّلت له نفسه أن يهاجم المدينة بعد هذه المطاردة، ومِنْ ثمَّ لم تدفع الأمَّة الإسلاميَّة إتاواتٍ لقُطَّاع الطُّرق؛ بل أجبرتهم على الانسحاب، والدُّخول في اتِّفاقاتٍ مع المسلمين؛ فأمنوا شرَّهم.

ج - علاقة هذه السَّرايا بحركة الفتوح الإسلاميَّة: وقد استمرَّت حركة السَّرايا، والبعوث، وكانت بمثابة تمريناتٍ عسكريَّةٍ تعبويَّةٍ، ومناوراتٍ حيَّةٍ لجند الإسلام، وكان هذا النَّشاط المتدفِّق على شكل موجاتٍ متعاقبةٍ من جند الإسلام الأوائل، دلالةً قاطعةً على أنَّ دولة الإسلام في المدينة - وبقيادة النَّبيِّ القائد صلى الله عليه وسلم - كانت مثل خلية النَّحل، لا تهدأ، ولا تَكِلُّ، وإنَّ الباحث ليلحظ في حركة السَّرايا، والبعوث، والغزوات الكبرى في زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، حرص الصَّحابة على المشاركة كقادة، وجنود، فكان صلى الله عليه وسلم يعدُّهم لتثبيت دعائم الدَّولة، والاستعداد للفتوحات المرتقبة، والَّتي ما فتئ صلى الله عليه وسلم يبشِّر بها أصحابه بين الفَيْنَة والأخرى في أوقات الحرب، والسِّلم، والخوف، والأمن.

إنَّه بنظرةٍ فاحصةٍ في قوَّاد وجنود تلك السَّرايا، والبعوث، تطالعنا أسماء لمعت كثيراً في تاريخ الفتح الإسلاميِّ فيما بعـد؛ مثل: قائد فتوحات الشَّام - أمين الأمَّة - أبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص صاحب القادسيَّـة، وفاتـح المدائن، وخالد بن الوليد سيف الله المسلول هازم الرُّوم في اليرموك، وعمرو بن العـاص فاتح مصر، وليبيا، وغيرهم رضي الله عنهم. لقد التحق خالدٌ، وعمرٌو فيما بعد بحركة السَّرايا، وقادا بعضها بعد إسلامهم. لقد كانت السَّرايا والغزوات الَّتي أشرف عليها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته، بمثابة تدريبٍ حيٍّ نابضٍ؛ بل يمكن اعتبارها دورات أركـانٍ للقادة الَّذين فتحوا مشارق الأرض، ومغاربها فيما بعد.

إنَّ حياة الصَّحابة رضي الله عنهم، خلال الأربع والعشرين ساعةً اليوميَّة، عبارةٌ عن تدريبٍ مستمرٍّ؛ فالبرنامج اليوميُّ المنتظم، يبدأ مبكِّراً من صلاة الفجر، الَّتي تُؤَدَّى في جماعةٍ مع قائدهم الأعلى صلى الله عليه وسلم ؛ الَّذي كان يحثُّهم على أداء هذه الصَّلاة جماعـة وفي وقتها، موضحاً لهم، ولأمَّتـه أنَّهـا المِفْتاح العجيب ليوم مليءٍ بالنَّشاط والحيويَّة. قال صلى الله عليه وسلم : «يَعْقِدُ الشيطانُ على قافيـة رأس أحدكم إذا هو نـام ثلاثَ عُقَدٍ، يضربُ مكان كلِّ عقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ، فارقدْ، فـإن استيقظ، فذكر الله؛ انحلَّت عقدةٌ، فإن توضَّأ؛ انحلَّت عُقْدَةٌ، فإن صلَّى؛ انحلت عُقَدُهُ كلُّها، فأصبح نشيطاً طيِّبَ النَّفس، وإلا أصبحَ خبيثَ النَّفس كسلان » [البخاري (1142) ومسلم (776)] .

ثمَّ ينطلق كلٌّ منهم إلى عمله الَّذي تتخلَّله فترات الصَّلوات الباقية؛ حتَّى إذا ما صلَّوا الصَّلاة الآخرة (صلاة العشاء) ناموا، حتى إذا ما أخذوا قسطـاً وافراً من النَّوم أوَّل الليل إلى الثلث الأخير منه؛ قام معظمهم لأداء صلاة التَّهجُّد الَّتي تملأ قلوبهم روحانيَّةً، وتكسبهم مزيداً من النَّشاط لأدائها في وقتٍ يكون الجسم فيه مرتاحاً.

هذا بالإضافة إلى الاستعداد الدَّائم، واليقظة التامَّة لمتطلبات دولة الإسلام، فكانوا يقومون بنشاطاتٍ تدريبيَّةٍ مركَّزةٍ، تتمثَّل في ركوب الخيل، والسَّبق، والرِّماية، وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يحثُّهم على فعل ذلك؛ بل ويشاركهم فيه، معطياً من نفسه القدوة، وكان صلى الله عليه وسلم يركِّز على تعلُّم الرِّماية كثيراً، موضِّحاً أنَّها خير ما يعدُّ من قوَّةٍ استعداداً للكفَّار.

وكان صلى الله عليه وسلم يشجِّعهم على الصِّناعة الحربيَّة، المتمثِّلة في ذلك الوقت في صناعة الأسهم، ويخبرهم: أنَّ الأجر الذي غايته الجنَّة ينسحب على صانعها، والمتنبِّل بها، والرَّامي بها، فيروي لنا عقبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «إنَّ الله يُدخل بالسَّهم الواحد ثلاثة نفرٍ الجنَّـة: صانعُه؛ الَّذي احتسب في صنعته الخير، ومتنبِّله، والرَّامي، ارموا، واركبوا، وأنْ ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا، وليس من اللَّهو إلاَّ ثلاثة تأديب الرَّجل فرسَه، وملاعبته زوجتَه، ورميه بنبله عن قوسه، ومن عُلِّم الرَّمي ثُمَّ تركه، فهي نعمةٌ كفرها» [أبو داود (2513) والترمذي (1637) والنسائي (6/222 - 223) والحاكم (2/95) والبيهقي في الشعب (4301) ].

فيا لَهُ من عصرٍ تمسَّك فيه الصَّحابة رضي الله عنهم بالتعاليم القرآنيَّة الرَّبَّانيَّة، وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وقاموا بتطبيقها حرفيّاً في شتَّى شؤون حياتهم، فغزوا، واستعلوا على أمم الأرض شرقاً، وغرباً رغم قلَّتهم، وبساطتهم! وحين ابتعد المسلمون عن تلك التَّعاليم، وألقوا بها وراء ظهورهم؛ ركبهم الذُّلُّ، والصَّغار، وتداعت عليهم الأمم من أقطارها؛ بعد أن أصبحوا غثاءً كغثاء السَّيل.

إنَّ المهمَّات، والأهداف الَّتي سعت لتحقيقها السَّرايا، والبعوث كانت تتفاوت تَبعاً لاختلاف الظُّروف المحيطة والحادثة، فكانت السَّرايا الأولى في معظمها عبارةً عن دورياتٍ استطلاعيَّة، واستكشافيَّة، وجسِّ نبضٍ، ثمَّ تطوَّرت إلى سرايا اعتراضيَّةٍ، تُوقع الرُّعب، والفزع في القوافل القرشيَّة، وذلك قبل غزوة بدرٍ الفاصلة، وعندما قويت شوكة المسلمين بعدها؛ أصبحت مهمَّة بعض السَّرايا، والبعوث تنصبُّ في تصفية الأفراد من أعداء الدَّولة الإسلاميَّة، الَّذين يحاولون النَّيل من مسيرتها؛ مثل كعب بن الأشرف، والعصماء بنت مَرْوَان، وأبي عفك، فكان في قَتْل كعب ردعٌ لليهود، وقتل العَصْماء، وأبي عفك ردعٌ للمشركين، والمنافقين في المدينة.

وعندما انقلبت الأمـور لغير صـالح المسلمين بعد أُحـدٍ؛ طمع الأعراب في خيرات المدينـة، واستهانوا بالمسلمين لدرجة أنَّهم غـدروا ببعض البعوث التَّعليميَّـة - كما في الرَّجيع، وبئر معونـة - غيَّر تبعاً لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم (استراتيجيَّتـه) العسكريَّـة، فانتقل بالسَّرايا من قريشٍ إلى الأعراب؛ لتأديبهم بطريقةٍ صارمةٍ، وسريعةٍ، ومباغتةٍ، وكان أهمَّ ما يمِّيز تلك السرايا، هجومُها التَّعرضيُّ للأعراب قبل تحشُّدهم، وجمع أمرهم بالهجوم على المسلمين.

وظلَّت السَّرايا، والبعوث النَّبويَّة تؤدِّي دورها، وتقوم بمهامِّها الخاصَّة لخدمة أهداف الدَّعوة، فمن دورياتٍ قتاليَّةٍ، إلى سرايا تعقُّبيَّةٍ، وأخرى تمويهيَّةٍ، حتَّى إذا ما توطَّد الأمر للمسلمين بعد فتح مكَّة، اهتمَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بإزالة كلِّ ما يمتُّ للوثنيَّة بصلةٍ، فبعث السَّرايا، والبعوث من مكَّة لتحطيم بقيَّة رموز الشِّرك، والوثنيَّة، فانطلقت السَّرايا لتحطيم العُزَّى، ومناة، واللاَّت، وسُواع، وذي الخَلصة، وغيرها من الأصنام، والطَّواغيت الوثنيَّة.

وبعد ذلك انطلقت دعوة الإسلام في أرجاء الجزيرة، ودخل النَّاس في دين الله أفواجاً، ثمَّ تحرَّكت الجيوش الرَّاشديَّة بعد وفاة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ لنشر دين الله في المعمورة، وإزالة كلِّ العوائق، والقوى الَّتي تقف في وجه الدَّعوة.

لقد أدهشت النتائج السَّريعة الإيجابيَّة لحركة الفتوح الإسلاميَّة جميع المحلِّلين على اختلاف دياناتهم، وأفكارهم، ومشاربهم؛ ولكن ستزول دهشة المحلِّلين المنصفين، عندما يقرؤون تلك التَّعاليم، والوصايا النَّبويَّة لقوَّاد، وجنود السَّرايا، والبعوث، والَّتي هي نواة حركة الفتوح الإسلاميَّة، والَّتي صارت تتكرَّر على ألسنة الخلفاء، وقادة جيوش الفتوح، وتظهر في أعمالهم فيما بعد.

عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً؛ قال: «انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأةً، ولا تغلُّوا، وضمُّوا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا، إنَّ الله يحبُّ المحسنين» [أبو داود (2614) والبيهقي في السنن الكبرى (9/90) وعبد الرزاق في المصنف (9430)] .

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره؛ قال: «بَشِّروا، ولا تُنَفِّروا، ويَسِّرُوا، ولا تُعَسِّرُوا» [مسلم (1732) وأبو داود (4835) وأحمد (4/399)].

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022