الحلقة الثالثة والسبعون (73)
تشريعات من النبيّ صلى الله عليه وسلم
1 - تشريع فريضة الصِّيام:
في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة فرض الله تعالى الصِّيامَ، وجعله ركناً من أركان الإسلام، كما فرضه على الأمم السَّابقة، وفي ذلك تأكيدٌ على أهمِّيَّة هذه العبادة الجليلة، ومكانتها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183] .
وامتدح الله سبحانه شهر الصِّيام، واختصَّه من بين سائر الشُّهور؛ لإنزال القرآن العظيم، فقال - عزَّ وجل -: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقرآن هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] .
وقد وضَّحت الآية الكريمة الأولى الثَّمرة العظمى الَّتي يحظى بها الصَّائمون المخلصون؛ ألاَ وهي بلوغ درجة التَّقوى: فالصِّيام بالنِّسبة للأمَّة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، مدرسةٌ فريدةٌ، ودورةٌ تدريبيَّةٌ على طهارة النُّفوس؛ لكي تنخلع من افاتها، وتتحلَّى بالفضائل، وترتقي في مدارج التَّقوى، والصَّلاح .
ولأهمِّية الصِّيام في تربية المجتمع المسلم، فقد رغَّب النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في أيَّامٍ للصِّيام، وحثَّ على صيامها، ورغَّب في الأجر، والمثوبة من الله تعالى؛ وبذلك أصبحت مدرسة الصيام مفتوحةً أبوابُها طِيلَةَ السَّنة؛ لكي يبادر المسلم إليها كلَّما أحسَّ بقسوةٍ في قلبه، وحاجةٍ لترويض نفسه، ورغبةٍ في المزيد من الأجر، والفضل عند الله سبحانه، وقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه: أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من صَامَ يوماً في سبيل الله؛ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عن النَّارِ سبعين خريفاً» [البخاري (2840) ومسلم (1153)].
2 - تشريع زكاة الفطر:
وفي رمضان من العام نفسه، شرع الله - سبحانه وتعالى - زكاة الفطر، وهي على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبيرٍ من المسلمين، والحكمة من فرضية هذه الزَّكاة، وإلزام المسلمين بها ظاهرةٌ وجليَّةٌ، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرَةً للصَّائم من اللَّغو والرَّفث، وطُعْمةً للمساكين، من أدَّاها قبل الصَّلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أداها بعد الصَّلاة فهي صدقةٌ من الصَّدقات» [أبو داود (1609) وابن ماجه (1827) والحاكم (1/409)]، ففي هذا الحديث النَّصُّ على أنَّ الحكمة مركَّبةٌ من أمرين:
أ - يتعلَّـق بالصَّوم في شهر رمضـان، فإنَّ النُّفوس مجبولـةٌ على الخطأ، والتَّقصير، والوقوع في لغو القول؛ الَّذي لا فائدة فيه، أو فيه ضررٌ من الكلام الباطل، ونحو ذلك، ممَّا لا يسلم الإنسان منه غالباً، فجاءت هذه الزَّكاة في ختام الشَّهر تطهيراً للصَّائم ممَّا خالط صومَه من ذلك.
ب - إغناء المحتاج في يوم العيد؛ الذي يعقب الفطر من رمضان، فهذا يومٌ يسعد فيه المجتمع المسلم كلُّه، فينبغي أن يعمَّ هذا السُّرور على الجميع، فشُرِعت هذه الزَّكاة؛ لكفِّ هؤلاء عن ذُلِّ السُّؤال، واستجداء النَّاس، لذلك كانت خاصَّةً بالفقراء، والمساكين، لا تُعْطَى لغيرهم، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدِّم «طعمةً للمساكين»؛ ولذلك نرى: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعلها شيئاً كثيراً يعجز كثيرٌ من النَّاس عنه؛ بل جعل الواجب شيئاً قليلاً، ممَّا يسهل على النَّاس، ولا يشقُّ عليهم من غالب قوت البلد، حتَّى يتمكَّن من أدائها كثيرٌ من المسلمين، فيحصل الغَنَاءُ بذلك لهؤلاء المحتاجين، فما أعظم هذا الدِّين! ولهذه الزَّكاة أحكامٌ وتفصيلاتٌ تُطْلَب من كتب الفقه.
3 - صلاة العيد:
وفي هذه السَّنَةِ صلَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم صلاة العيد، فكانت أوَّل صلاةٍ صلاَّها، وخرج بالنَّاس إلى المُصَلَّى؛ يهلِّلون الله، ويكبِّرونه، ويعظِّمونه؛ شكراً على ما أفاء عليهم من النِّعم المتتالية.
إنَّ العيد موسمٌ من مواسم الخير، والتَّعاطف، والتَّحابب، وكان من دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنَّه إذا صلَّى العيد، ذكَّر، وأنذر، ورغَّب، ورهَّب، فيتسابق في مِضْمَار البذل، والعطاء الرِّجالُ، والنِّساء، والصِّغار، والكبار.
4 - تشريع الزَّكاة:
وفي السَّنة الثانية للهجرة شرع الله الزَّكاة؛ الَّتي هي ركنٌ من أركان الإسلام، وكان ذلك بعد شهر رمضان؛ لأنَّ تشريع الزَّكاة العامَّة كان بعد زكاة الفطر، وزكاة الفطر كانت بعد فرض صيام رمضان قطعاً؛ يدلُّ على هذا ما رواه الأئمَّة: أحمد، وابن خزيمة، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، والحاكم من حديث قَيْس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما قال: «أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تَنْزِل الزَّكاةُ، ثمَّ نزلت الزَّكاةُ، فلم يأمرنا، ولم ينهنا ونحن نفعله»، قال الحافظ ابن حجر: «إسناده صحيحٌ»، «وجمهور العلماء سلفاً، وخلفاً على أنَّ مشروعية الزَّكاة إنما كانت بالمدينة في السَّنة الثَّانية».
فالزَّكاة في العهد المكيِّ كانت مطلقةً من القيود، والحدود، وكانت موكولةً إلى إيمان الأفراد، وأرْيَحِيَّتِهِم، وشعورهم بواجب الأخوَّة نحو إخوانهم من المؤمنين، فقد يكفي في ذلك القليل من المال، وقد تقتضي الحاجة بذلَ الكثيرِ، أو الأكثر.
فكانت الآيات المكِّيَّة تهتمُّ بجانب التَّربية، والتَّوجيه، وتحثُّ على رعاية الفقراء والمساكين بأساليب متنوعةٍ، منها: أنَّ إطعام المساكين من لوازم الإيمان، ففي سورة المدَّثر - وهي من أوائل ما نزل من القرآن - يعرض القرآن الكريم مشهداً من مشاهد الآخرة، مشهد أصحاب اليمين من المؤمنين، في جنَّاتهم يتساءلون عن المجرمين من الكفرة، وقد أُطبقت عليهم النِّيران، فيسألونهم عمَّا أحلَّ بهم هذا العذاب، فكان من أسبابه، وموجباته: إهمال حقِّ المسكين، وتركه لأنياب الجوع والعُري تنهشه، وهم عنه معرضون، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ [المدثر: 38 - 46] .
وقصَّ الله على عباده قصَّة أصحاب الجنَّة، الَّذين تواعدوا أن يقطفوا ثمارها بِلَيْلٍ؛ ليحرموا منها المساكين - الَّذين اعتادوا أن يصيبوا شيئـاً من خيرها يوم الحصاد - فحلَّت بهم عقوبة الله العاجلة: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لاَ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلـمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَآلُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم: 19 - 33] .
ولم تقف عناية القرآن المكِّيِّ عند الدَّعوة إلى الرَّحمة بالمسكين، والتَّرغيب، في إطعامه، ورعايتـه، والتَّرهيب من إهمالـه والقسوة عليـه؛ بل تجاوز ذلـك، فجعل في عنق كلِّ مؤمنٍ حقاً للمسكين، أن يحضَّ غيره على إطعامـه، ورعايته، وجعل تَـرْكَ هذا الحضِّ قرينَ الكفر بالله العظيم، وموجبـاً لسُخْطه - سبحانه - وعذابه في الآخرة.
قال تعالى في شأن أصحاب (الشِّمال): ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾ [الحاقة: 30 - 32] .
وَلِمَ كلُّ هذا العذاب، والهوان، والخزي على رؤوس الأشهاد؟: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ [الحاقة: 33 - 34] .
وهذه الآيات المزلزِلة للقلوب ، المنذرة بالعذاب ، هي الَّتي جعلت مثلَ أبي الدَّرداء - رضي الله عنـه - يقول لامرأتـه: «يا أمَّ الدرداء! إنَّ لله سلسلةٌ ولم تزل تغلي بها مرَاجِلُ النَّار منذ خَلقَ الله جهنَّمَ، إلى يوم تُلقى في أعناق الناس، وقد نجَّانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحُضِّي على طعام المسكين يا أمَّ الدَّرداء».
أمَّا القرآن المدني، فقد نزل بعد أن أصبح للمسلمين جماعةٌ، لها أرضٌ، وكيانٌ وسلطان؛ فلهذا اتَّخذت التَّكاليف الإسلاميَّة صورةً جديدةً ملائمةً لهذا الطَّور: صورة التحديد، والتَّخصيص، بعد الإطلاق والتَّعميم، صورة قوانين إلزاميَّة، بعد أن كانت وصايا توجيهيةً فحسب، وأصبحت تعتمد في تنفيذها على القوَّة والسُّلطان، مع اعتمادها على الضَّمير، والإيمان، وظهر هذا الاتِّجاه المدنيُّ في الزَّكاة؛ فحدَّد الشَّارع الأموال التي تجب فيها، وشروط وجوبها، والمقادير الواجبة، والجهات التي تُصرف لها، وفيها، والجهاز الذي يقوم على تنظيمها وإدارتها، وأكَّد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في المدينة فريضة الزَّكاة، وبيَّن مكانتها في دين الله، وأنَّها أحد الأركان الأساسية لهذا الدِّين، ورغَّب في أدائها، ورهَّب من منعها بأحاديث شتَّى، وأساليب متنوعةٍ.
وأعلن الرَّسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه: أنَّ أركان الإسلام خمسةٌ، بدأها بالشَّهادتين، وثنَّاها بالصَّلاة، وثلَّثها بالزَّكاة، فالزَّكاة في السُّنَّة - كما هي في القرآن - ثالثةُ دعائم الإسلام: الَّتي لا يقوم بناؤه إلا بها، ولا يرتكز إلا عليها، وعندما طبَّق المسلمون هذا الرُّكن كما أمر الله تعالى، وكما شرع رسولُه صلى الله عليه وسلم ، تحقَّقت أهدافٌ عظيمة في المجتمع، وبرزت آثارها في حياة الفرد، والمجتمع. فمن آثار الزَّكاة على الفرد:
أ - الوقاية من الشُّحِّ:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] .
ب - تنمية المال وزيادته:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276] .
وقال صلى الله عليه وسلم : «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ من مالٍ» [مسلم (2588) والترمذي (2029) ومالك في الموطأ (2/1000)]. وقال صلى الله عليه وسلم : «ما من يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه إلا مَلَكانِ يَنزلان، فيقول أحدُهما: اللَّهمَّ أعطِ منفقاً خَلَفاً، ويقول الآخر : اللَّهُمَّ أعطِ مُمْسِكاً تَلَفاً» [البخاري (1442) ومسلم (1010)].
وهكذا يتمُّ تطهير نفس المسلم من افة الشُّحِّ، والبُخل، ويسارع إلى الآنفاق، موقناً بفضل الله، ووعده الذي لا يتخلَّف بالرِّزق الواسع.
ج - حصول الأمن في الدُّنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274]. فهم في أمنٍ، وسعادةٍ، وراحةِ بالٍ؛ لأنَّهم أدَّوا ما أمرهم الله تعالى به، وانتهوا عمَّا نهاهم الله عنه.
ومن آثار الزَّكاة على المجتمع: حصولُ المحبَّة بين الأغنياء والفقراء، وشيوع الأمن والطُّمَأْنِينَة في أوساطه، وشعور الأفراد فيما بينهم: أنَّهم كالجسد الواحد، قال صلى الله عليه وسلم : «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثَلُ الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى» [مسلم (2586) وأحمد (4/270)]، ومن الآثار أيضاً حفظ التوازن الاجتماعي.
عندما كانت الزَّكاة تُجْمَع من كلِّ من تجب عليه، وتُنفَق في سبلها المشروعة في صدر الإسلام؛ كان المجتمع الإسلاميُّ يعيش في رخاءٍ، ورغدٍ، وتمتُّعٍ بالطَّيبات، وتالفٍ، وتاخٍ، وتحاببٍ؛ فقد روى الرُّواة: أنَّه في عهد خامس الخلفاء الرَّاشدين، عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخصب النَّاس، واغتنوا، حتَّى إنَّهم بحثوا عن مستحقٍّ للصَّدقة، فلم يجدوا، فما كان منهم إلا أن اشترَوا بها عبيداً، وأعتقوهم لوجه الله، وهكذا بلغ الإسلام في عصوره الأولى، بمستوى حياة المسلمين ومعيشتهم حدّاً لم تبلغه إلا أممٌ قليلـةٌ اليـوم، وذلك بفضل تشريع الزَّكاة.
5 - زواجه صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها:
عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة في مكَّة قبل الهجرة، وهي ابنة ستِّ سنين، بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وبنى بها في المدينة وهي ابنة تسع سنين، وذلك في شهر شوَّال من السَّنة الأولى للهجرة.
وكانت حركة الدَّعوة والجهاد، والتَّربية، وبناء الدَّولة مستمرةً، ولم تتعطَّل حالات الزَّواج في حياة الرَّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ بل الزَّواج، والإكثار منه كان عاديّاً جدّاً، في حياتهم، كالطَّعام، والشَّراب، وذلك من مظاهر: أنَّ الإسلام دين الفطرة، والواقع؛ بل إنَّ الزَّواج جزءٌ مهمٌّ في بناء المجتمع المسلم.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بنى بعائشة رضي الله عنها وهو في الرَّابعة والخمسين من عمره، وحيثما يُذكر هذا الرَّقم؛ يتبادر للذَّهن الشَّيب، والضَّعف، ونفسيةٍ أصابتها الشَّيخوخة، ولاشكَّ أنَّ مرور الأعوام هو مقياس أعمار النَّاس كقاعدةٍ عامَّةٍ؛ ولكنَّ المقياس الحقيقي هو حيوية الإنسان، ونشاطه، وقدرته على المبادرة والعمل؛ فقد نجد إنساناً في الثَّلاثين يحمل في جسمه، ونفسيته أعباء الخمسين، وقد نجد في بعض الأحيان إنسان الخمسين، فلا نحكم عليه بأكثر من الثَّلاثين، وشخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فذَّةٌ في هذا الميدان، فهو - وهو في الخمسين - كان رجلاً في عنفوان شبابه؛ همَّةً، وعزماً، ومَضَاءً وفحولةً؛ إنَّه في هذا لا يساويه أيُّ إنسان، والأدلة تؤيِّد ما ذهبت إليه؛ ومنها:
أ - لما عرض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفسَه على القبائل، مرَّ على بني عامر بن صعصعة، وعرض عليهم أمره، فقال بَيْحَرةُ بن فِرَاس: «والله! لو أنِّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب»، ونلحظ في قول بَيْحَرَة:
ـ عبَّر عنه بـ (الفتى)، والفتى هو الشَّابُّ في مُقْتَبَلِ العمر، الممتلئ حيويةً، ونشاطاً.
ـ وفي قوله: «لأكلت به العرب» يعبِّر عمَّا لاحظه في شخصية الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم من حيويَّةٍ، وهمَّةٍ لا تقف في وجهها جموع العرب قاطبةً، كانت هذه نظرة بَيْحَرَة، والرَّسول صلى الله عليه وسلم في الخمسين من العمر يومئذٍ؛ إنَّه الشباب شكلاً، ومضموناً، مظهراً ونفسيَّةً، همَّةً، وروحاً.
ب - وفي خبـر الهجرة، روى البخاريُّ عن أنسٍ رضي الله عنـه قال: «أقبل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهو مُرْدِفٌ أبا بكرٍ، وأبو بكرٍ شيخٌ يُعْرَف، ونبيُّ الله صلى الله عليه وسلم شابٌّ لا يُعْرَفُ، قال: فيلقى الرَّجلُ أبا بكرٍ، فيقول: يا أبا بكر! من هذا الرَّجلُ الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرَّجل يهديني السبيل، قال: فيحسِب الحاسِبُ: أنَّه إنَّما يعني الطَّريقَ، وإنَّما يعني سبيلَ الخير» [البخاري (3911) وأحمد (2/211)]، وكان صلى الله عليه وسلم لم يَشِبْ، وكان أسنَّ من أبي بكرٍ.
ويلاحظ من النَّصِّ بوضوحٍ: أنَّ أبا بكرٍ كان يبدو في سنِّهِ الحقيقي شيخاً؛ بينما كان صلى الله عليه وسلم يبدو شابّاً؛ لعدم ظهور الشَّيب فيه، كما أوضح ذلك القسطلاَّنيُّ بقوله: وكان صلى الله عليه وسلم لم يَشبْ، وكان أسنَّ من أبي بكرٍ.
وبذلك نستطيع أن نقول: إنَّ الفارق في العمر بينه صلى الله عليه وسلم وبين عائشة، لم يكن ذلك الفارقَ الكبير من وجهة النَّظر العمليَّة، فها هو صلى الله عليه وسلم يسابق السَّيدة عائشة، فتسبقه مرَّةً، ويسبقها أخرى، فيقول: «هذه بتلك» [أحمد (6/264) وأبو داود (2578) وابن ماجه (1979) وابن حبان (4691)]، والأمثلة في حياته صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ.
ويستطيع كلُّ ذي نظرٍ أن يدرك الحكمة الجليلة الَّتي كانت وراء زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها، فقد تمَّ هذا الزَّواج الميمون في مَطْلِع الحياة في المدينة، ومع بداية المرحلة التشريعية من حياته صلى الله عليه وسلم ، وممَّا لاشك فيه: أنَّ الإنسان يقضي جزءاً كبيراً من حياته في بيته، ومع أسرته، وكان لابدَّ من نقل سلوك الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، في هذا الجانب من حياته إلى النَّاس؛ حتَّى يستطيعوا التأسِّيَ به، وكانت تلك مهمَّةُ السِّيِّدة عائشة رضي الله عنها - على الخصوص - وبقيَّة أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهُنَّ؛ فقد استطاعت السَّيدة عائشة رضي الله عنها، بما وهبها الله من ذكاءٍ وفهمٍ، أن تؤدِّيَ دورها على خير ما يُرام، وإنَّ نظرةً عابرةً لأيِّ كتابٍ من كتب السِّيرة تبيِّن، وتؤكِّد ما ذهبت إليه؛ وقد ساعدها على ذلك: أنَّ الله تعالى كتب لها الحياة ما يقرب من خمسين عاماً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وساعدتها تلك المدَّة على أن تُبَلِّغَ ما وَعَتْهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرضي الله عنها!.
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ