الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع عند ابن السنوسي ...

وحدة العقيدة كاساس  في البناء الإحتماعي والتربوي للأمة.

بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي

الحلقة: التاسعة

محرم 1441 ه
 
سبتمبر 2019

 

لقد استطاع ابن السنوسي بتوفيق الله تعالى أن يجعل من الإخوان والقبائل في الصحراء الكبرى مجتمعاً متماسكاً، متوحداً في عقيدته وتصوراته ومنهجه، فانعكس ذلك في توادهم وتراحمهم فيما بينهم وأصبحوا كالجسد الواحد، الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء، أو هو كالجدار المتين الذي تجتمع لبناته لتشكل فيما بينها وحدة واحدة متماسكة متراصة.

قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103] .

إن طريق الوحدة والتعاون والتآخي والاجتماع على البر والتقوى الذي سلكه ابن السنوسي هو طريق أهل السنة والجماعة الذي التزموا في كافة أمورهم بما كان عليه رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في العقائد والأخلاق، والعبادة، والمعاملات، وكافة شؤون الحياة، إن المنهج الذي اجتمع عليه الاخوان السنوسيون هو كتاب الله وسنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، لأن ذلك طريق الاعتصام بحبل الله وهذا الأصل من آكد الأصول في هذا الدين العظيم ولذلك أمر الله تعالى ورسوله  صلى الله عليه وسلم بكل ما يحفظ على المسلمين جماعتهم وألفتهم، ونهياً عن كل ما يعكر صفو هذا الأمر العظيم.

إن ما حصل من فرقة بين المسلمين وتدابر وتقاطع، وتناحر بسبب عدم مراعاة هذا الأصل، وضوابطه مما ترتب عليه تفرق في الصفوف، وضعف في الاتحاد، وأصبحوا شيعاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون.

وهذا الأمر وإن كان مما قدره الله عز وجل كونا، ووقع كما قدر، إلا أنه سبحانه - لم يأمر به شرعاً ، فوحدة المسلمين واجتماعهم مطلب شرعي ، ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة، بل من أهم عوامل النهوض ، ونحن مأمورون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

لقد تضافرت جهود دعاة الحركة السنوسية وقاداتها وعلمائها وطلابها لإصلاح ذات البين إصلاحاً حقيقياً لا تلفيقياً، لأن أنصاف الحلول تفسد أكثر مما تصلح، وكأنهم اعتقدوا أن : (الجهاد نوعان: جهاد يقصد به صلاح المسلمين ، وإصلاحهم في عقائدهم وأخلاقهم وآدابهم، وجميع شؤونهم الدينية والدنيوية، وفي تربيتهم العلمية، وهذا النوع هو الجهاد وقوامه، وعليه يتأسس النوع الثاني، وهو جهاد يقصد به دفع المعتدين على الاسلام والمسلمين من الكفار والمنافقين والملحدين وجميع أعداء الدين ومقاومتهم وهذا نوعان: جهاد بالحجة والبرهان واللسان، وجهاد بالسلاح المناسب في كل وقت وزمان) (إن من أعظم الجهاد السعي في تحقيق هذا الأصل في تأليف قلوب المسلمين واجتماعهم على دينهم ومصالحهم الدينية والدنيوية).

إن الأخذ بالأسباب نحو تأليف قلوب المسلمين وتوحيد صفهم كانت من أهداف الحركة السنوسية؛ لأن قادة الحركة ايقنوا بأهمية هذه الخطوة في إعزاز المسلمين، وتحكيم شرع ربهم، وتقوية دولتهم إن ابن السنوسي عمل على وضع منهج سار عليه علماء الحركة من أجل توحيد المجتمع على كتاب الله وسنة رسوله ولذلك اهتم بالآتي :

وحدة العقيدة:

أيقن ابن السنوسي أنه لا يمكن أن تقوم وحدة للمسلمين مالم تجمعهم عقيدة واحدة، وكان يعلم بأن العقيدة تشكل أساساً مهماً في البناء الفردي والاجتماعي، وهي القاعدة التي تقوم عليها الأعمال والعلاقات فإن البناء لا يستقيم ، ولا يستطيع أن يواجه الأعاصير والفتن حتى ينهار. وإن العقيدة تصلح لجمع شتات المسلمين هي ما كان منبعها كتاب الله وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم ويمكن التدليل على كل أصل من أصولها، أو جزئية من جزئياتها، ثم إن السلف الصالح الذين استقاموا على عقيدة الإسلام الحق دونوا هذه العقيدة تدويناً يميزها عن عقائد أهل الفرق والضلال.

إن سلامة الاعتقاد وصحته هي الطريق الوحيد لإقامة المجتمع المسلم المترابط المتآلف، ولا سبيل إلى إجتماع الأمة الإسلامية قاطبة، ووحدة صفها، وعزها وسعادتها في الدنيا والآخرة، إلا بالعودة الصحيحة إلى الإسلام الصافي النقي، الخالص من شوائب الشرك والبدع والأهواء والتعصب واتباع العوائد الفاسدة.

إن طريق النهوض بالأمة لابد فيه من وحدة الصف الإسلامي، ووحدة الصف ليس لها من سبيل إلا الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح مصدره القرآن الكريم والسنة النبوية، والطريق لفهم القرآن الكريم والسنة المطهرة هي طريق رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، والتابعون بإحسان، ومن سار على نهجهم وطريقتهم إلى يوم الدين.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ  وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100] .

فوعد من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد متبعهم بالجنة والرضوان. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته".

وعن ابن مسعود t قال: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" وعنه t : " من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ".

لقد اهتمت الحركة السنوسية بجانب العقيدة وكانت رسالة أبي زيد القيرواني العلمية ضمن مقررات مناهج الحركة، وتعتبر هذه الرسالة من أنفع التآليف في الفقه المالكي قاطبة، وذلك لمكانة مؤلفها العلمية من ناحية، ولسهولتها ويسرها وجمعها لأصول العقيدة والفقه والآداب من ناحية أخرى.

وهي كما وصفها مؤلفها ابن أبي زيد في مقدمتها: " جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته، مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته".

وهذا النص الكامل لمقدمة أبي زيد القيرواني في العقيدة: (باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات:

من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة ولا شريك له. ليس لولايته ابتداء ولا لآخرته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم .. العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وإنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو بكل مكان يعلمه خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين: على العرش استوى وعلى الملك احتوى وله الاسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع أسمائه وصفاته، تعلى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكاً من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد، والإيمان بالقدر خيره وشره.. حلوه ومره.. وكل ذلك قدرة الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قولاً ولا عمل إلا وقد قضا وسبق علمه به ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره الى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه مالا يريد أو يكون لاحد عنه عنا خالقاً لكل شيء إلا هو رب العباد ورب اعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل فيهم لإقامة حجة عليهم ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه  صلى الله عليه وسلم فجعله آخر المرسلين بشيراً ونذيراً وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً وأنزل عليه كتابه الحكمي وشرع بدينه القويم وهدى به الصراط المستقيم، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون، وان الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن الكبائر وجعل من لم يَتُب من الكبائر صائراً الى مشيئته {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخلها به جنته {ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} ويخرج منها بشفاعة النبي  صلى الله عليه وسلم من شفع له من أهل الكبائر من أمته.. وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر الى وجهه الكريم وهي التي هبط منها آدم نبيه وخليفته الى أرضه بما سبق في سابق علمه، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته وإن الله تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة والمـلك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابهم.

وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: 102]  ويؤتون صحائفهم بأعمالهم ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: 71]  ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ۝ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا۝ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا۝ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ  ۝ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ۝ وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-12] . وان الصراط حق يجوز بقدر اعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم، والإيمان بحوض رسول الله  صلى الله عليه وسلم ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويداد عنه من بدل وغير وان الايمان قول باللسان واخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون بها النقص وبها الزيادة ولا يكمل قول الإيمان إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ونية إلا بموافقة السنة. وإنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة، وان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة الى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاوة معذبة الى يوم الدين. وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويُسألون ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27] وان على العباد حفظة يكتبون اعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم وان ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله وآمنوا به ثم الذين يلونهم.

وافضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين.

وان لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والامساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس ان يلتمس لهم المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب، والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليماً كثيراً).

هذه العقيدة السنية البهية كانت تدرس في مناهج الحركة السنوسية، ويتربى عليها القادة، والجنود، وكان علماء الحركة السنوسية يحاربون العقائد الفاسدة بين القبائل في الصحراء الكبرى، ويرشدون الناس الى حرمة الغلو في تقديس المشايخ الأحياء والأموات، ولا تأذن لأتباعها أن يذكروا ميتاً عند قبره بغير الدعاء له والترحم عليه ويعلمون الناس أوامر القرآن والسنة الشريفة وأصول التوحيد، ويحرمون التضرع للأولياء، ويربون الناس على أن يكون التعبد لله وحده كانت بعض القبائل في الصحراء الكبرى وافريقيا قد انحرفت عن عقيدتها الصحيحة، فجاء إليهم علماء الحركة السنوسية يبينون لهم عقيدتهم ويتلون عليهم آيات الله التي تبين أن النافع والضار هو الله وحده ويفسرون لهم ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ  فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106].

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ  وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ  يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ  وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107].

وقال تعالى : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.

وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62].

كما قامت الحركة السنوسية بمحاربة عقائد الصوفية المنحرفة، كالاتحاد، ووحدة الوجود، والحلول؛ إن عقيدة الاتحاد من عقائد الصوفية الفاسدة المتأثرة بالنصرانية المنحرفة، والديانة الهندية القديمة، ومعنى ذلك أن المخلوق يتحد بالخالق تعالى الله عن قولهم علواً عظيماً قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ  لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ  خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ  وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ۝ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ  وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 102-103].

أما وحدة الوجود، فإنهم يعتقدون أن كل شيء في الوجود هوالاله سواء كان حيواناً أو جماداً، أو انساناً أو غير ذلك ، وهي عقيدة فاسدة مضمحلة لا أساس لها من عقل ولا شرع ولكنها من وحي الشيطان، إن الحركة السنوسية حاربت هذا المعتقد الفاسد الباطل، وسارت على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يقول بأن الله سبحانه بائن من خلقه لايشبهه شيء من مخلوقاته متصف بصفات الكمال فله الأسماء الحسنى والصفات العلى:  ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] فهو المتفرد بالجلال المتصف بصفات الكمال المنزه عن النقائص والعيوب فمن اعتقد أن الله سبحانه تعالى متحد بمخلوقاته وأن العبد عين الرب، والرب عين العبد فقد كفر بما أنزل على محمد  صلى الله عليه وسلم وخالف الفطر والشرائع وقد كفّر الله تعالى النصارى الذين قالوا: إن الله اتحد بعيسى عليه السلام فقال سبحانه : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17]، فكيف بمن يقول إن الله متحد مع جميع مخلوقاته فهو أولى بأن يكون كافراً لأنه يعتقد إن الله متحد بجميع ما في هذا الكون.

إن عقيدة وحدة الوجود عقيدة إلحادية بحته ليست من الاسلام في شيء، وأن علماء الحركة السنوسية، وقفوا ضدها بكل حزم وعزم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].

وحاربت الحركة السنوسية عقيدة الحلول التي تقول بأن الله يحل في الاشخاص تعالى الله عن قول الحلوليين علواً كبيراً.

(والحقيقة أن القول بالاتحاد بين الخالق والمخلوق يأبه العقل الذي سلم من الشبهات ويدل دلالة واضحة على أنها باطلة لأن أي إنسان تسمح له نفسه أن يدعي بأنه دخل به الإله وصار مع الله وحدة واحدة ولا يمكن أن يخرج مثل هذا الادعاء الباطل من انسان له عقل سليم أو به ذرة من ايمان).

لقد حاربت الحركة السنوسية العقائد الفاسدة، ودعت الى العقائد الصحيحة، لتجتمع القبائل والشعوب الاسلامية عليها، كما حرصت على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله على نفسها، ودعت غيرها بالالتزام بذلك.

 

للاطلاع على النسخة الأصلية للكتاب راجع الموقع الرسمي للدكتور علي محمد الصلابي، وهذا الرابط:

alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/Book180.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022