الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة السادسة والسبعون (76)

نشوب القتال وهزيمة المشركين في معركة بدر

اندلع القتال بين المسلمين والمشركين بالمبارزات الفرديَّة، فخرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد، وطلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثةٌ من الأنصار؛ ولكنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم أرجعهم؛ لأنَّه أحبَّ أن يبارزهم بعض أهله، وذوي قرباه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «قم يا عُبيدة بن الحارث! وقم يا حمزة! وقم يا علي!» وبارز حمزةُ شيبةَ، فقتله، وبارز عليٌّ الوليدَ، وقتله، وبارز عبيدةُ بن الحارث عتبةَ، فضرب كلُّ واحدٍ منهما الآخر بضربةٍ موجعةٍ، فكرَّ حمزة، وعليٌّ على عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة، وأتيا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن ما لبث أن اسْتُشهد متأثراً بجراحه. [أبو داود (2665)] .

وفي هؤلاء السِّتَّة نزل قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِبِّ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ [الحج: 19 - 24].

ولـمَّا شاهد المشركون قَتْلَ الثلاثة الَّذين خرجوا للمبارزة؛ استشاطوا غضباً، وهجموا على المسلمين هجوماً عاماً، صمد، وثبت له المسلمون، وهم واقفون موقف الدِّفاع، ويرمونهم بالنَّبل، كما أمرهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وكان شعار المسلمين: أَحَدٌ، أحَدٌ، ثمَّ أمرهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالهجوم المضادِّ، محرِّضاً لهم على القتال، وقائلاً لهم: «شُدُّوا»، وواعداً مَنْ يُقتل صابراً محتسباً بأنَّ له الجنَّة، وممَّا زاد في نشاط المسلمين، واندفاعهم في القتال، سماعُهم قولَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45]، وعِلْمُهم، وإحساسُهم بإمداد الله لهم بالملائكة، وبتقليل المشركين في أعين المسلمين، ورؤيتهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَثبُ في الدِّرع وقد تقدَّمهم، فلم يكن أحدٌ أقرب من المشركين منه، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾.

كان صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه - ليلة اليوم الَّذي التقى فيه الجيشان، رأى - المشركين قليلاً، وقد قصَّ رؤياه على أصحابه؛ فاستبشروا خيراً، قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الآنفال: 43] .

والمعنى: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رآه م - أي: رأى المشركين - في منامه قليلاً، فقصَّ ذلك على أصحابه؛ فكان ذلك سبباً لثباتهم، قال مجاهد: ولو رآه م في منامه كثيراً؛ لفشلوا، وجبنوا على قتالهم، ولتنازعوا في الأمر: هل يلاقونهم أم لا؟ والمضارع في الآية بمعنى الماضي؛ لأنَّ نزول الآية كان بعد الإراءة في المنام، أي: عصمهم من الفشل، والتنازع، فقلَّلهم في عين ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ الله (ﷺ)، فقصَّ رؤياه على أصحابه، فكان في ذلك تثبيتٌ لهم، وتشجيعهم، وجرأتهم على عدوِّهم، وعند لقاء جيش المسلمين مع جيش المشركين رأى كلٌّ منهم عدد الآخر قليلاً.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ [الآنفال: 44] .

وإنما قلَّلهم في أعين المسلمين؛ تصديقاً لرؤيا النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وليعاينوا ما أخبرهم به، فيزدادوا يقيناً، ويجدُّوا في قتالهم؛ ويثبتوا، قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: قلت لرجل إلى جنبي: أترآه م سبعين؟ قال: أرآه م مئة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً، وقوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾حتَّى قال قائل من المشركين: إنَّما هم أكلة جزور.

ووجه الحكمة، واللُّطف بالمسلمين في هذا التَّقليل، هو أنَّ إراءة المسلمين عدد الكافرين قليلاً ثبَّتهم، ونشَّطهم، وجرآه م على قتال المشركين، ونزع الخوف من قلوب المسلمين من أعدائهم، ووجه الحكمة في تقليل المسلمين في أعين المشركين، هو أنَّهم إذا رأوهم قليلاً؛ أقدموا على قتالهم غيرَ خائفين، ولا مبالين بهم، ولا اخذين الحذر منهم، فلا يقاتلون بجدٍّ، واستعدادٍ، ويقظةٍ، وتحرُّزٍ، ثمَّ إذا ما التحموا بالقتال فعلاً؛ تفجؤهم الكثرة، فَيُبْهَتُوا، ويَهَابُوا، وتكسر شوكتُهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم، وتقديرهم، فيكون ذلك من أسباب خذلانهم، وانتصار المسلمين عليهم.

أولاً: إمداد الله للمسلمين بالملائكة:

ثبت من نصوص القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة، ومرويات عددٍ من الصحابة البدريين: أنَّ الله تعالى ألقى في قلوب الذين كفروا الرُّعب.

قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمنوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الآنفال: 12] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 123 - 126].

وأورد البخاريُّ، ومسلمٌ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم عدداً من الأحاديث الصَّحيحة الَّتي تشير إلى مشاركة الملائكة في معركة بدرٍ، وقيامهم بضرب المشركين، وقتلهم.

عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ، يَشْتَدُّ في أَثَـرِ رجلٍ من المشركين أمامه؛ إذ سمع ضربةً بالسَّوْط فوقه، وصوتَ الفارس يقول: أَقْدِمْ حَيْزُومُ! فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقياً، فنظر إليـه فإذا هو خُطِمَ أنفُه، وشُقَّ وَجْهُهُ كضربة السَّوط، فاخْضَرَّ ذلك أَجْمَعُ، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّثَ بذلك رسولَ الله، فقال: «صدقتَ، ذلك من مَدَدِ السَّماء الثالثة»، [سبق تخريجه] ومن حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما - أيضاً - قال: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدرٍ: «هذا جبريلُ اخِذٌ برأس فرسه، عليه أداةُ الحرب» [البخاري (3995)]، ومن حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: فجاء رجلٌ من الأنصار قصيرٌ بالعباس بن عبد المطَّلب أسيراً، فقال العباس: يا رسولَ الله! إنَّ هذا والله! ما أسرني، لقد أسرني رجل أَجْلَحُ، من أحسن النَّاس وجهاً، على فرسٍ أَبْلَقَ، وما أرآه  في القوم، فقال الأنصاريُّ: أنا أسرته يا رسولَ الله! فقال: «اسكت، فقد أيَّدك الله بملكٍ كريمٍ»، [أحمد (1/117)]، ومن حديث أبي داود المازنيِّ قال: «إنِّي لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه؛ إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنَّه قتله غيري» [أحمد (5/450) وابن هشام (2/286)] .

«إنَّ إمداد الله تعالى للمؤمنين بالملائكة أمر قطعيٌّ ثابتٌ، لاشكَّ فيه، وإنَّ الحكمة من هذا الإمداد تحصيل ما يكون سبباً لانتصار المسلمين، وهذا ما حصل بنزول الملائكة، فقد قاموا بكلِّ ما يمكن أن يكون سبباً لنصر المسلمين، من تبشيرهم بالنَّصر، ومن تثبيتهم بما ألقوه في قلوبهم ؛ من بواعث الأمل في نصرهم ، والنَّشاط في قتالهم، وبما أظهروه لهم من أنَّهم مُعانون من الله تعالى، وأيضاً بما قام به بعضهم من الاشتراك الفعليِّ في القتال، ولاشكَّ: أنَّ هذا الاشتراك الفعليَّ في القتال قوَّى قلوبَهم، وثبَّتهم في القتال، وهذا ما دلَّت عليه الآيات، وصرَّحت به الأحاديث النَّبوية».

وقد يسأل سائل: ما الحكمة في إمداد المسلمين بالملائكة، مع أنَّ واحداً من الملائكة كجبريل عليه السَّلام، قادرٌ - بتوفيق الله - على إبادة الكفَّار؟

وقد أجاب الأستاذ عبد الكريم زيدان على ذلك، فقال: لقد مضت سنَّة الله بتدافع الحقِّ، وأهله مع الباطل، وأهله، وأنَّ الغلبة تكون وَفْقاً لسنن الله في الغلبة، والآنتصار، وأنَّ هذا التَّدافع يقع في الأصل بين أهل الجانبين: الحقِّ والباطل، ومن ثمرات التمسُّك بالحقِّ، والقيام بمتطلَّباته أن يحصلوا على عونٍ، وتأييد من الله تعالى بأشكالٍ، وأنواعٍ متعدِّدة من التأييد، والعون، ولكن تبقى المدافعة، والتدافع يجريان وَفْقاً لسنن الله فيهما، وفي نتيجة هذا التَّدافع، فالجهة الأقوى بكلِّ معاني القوَّة اللازمة للغلبة هي الَّتي تغلب، فالإمداد بالملائكة هو بعض ثمرات إيمان تلك العصبة المجاهدة، ذلك الإمداد الَّذي تحقَّق به ما يستلزم الغلبة على العدوِّ، ولكن بقيت الغلبة موقوفةً على ما قدَّمه أولئك المؤمنون في قتالٍ، ومباشرة لأعمال القتال، وتعرُّضهم للقتل، وصمودهم، وثباتهم في الحرب، واستدامة توكُّلهم على الله، واعتمادهم عليه، وثقتهم به، وهذه معانٍ جعلها الله حسب سننه في الحياة أسباباً للغلبة، والنَّصر مع الأسباب الأخرى المادِّية؛ مثل العُدَّة، والعَدد، والاستعداد للحرب، وتعلُّم فنونها ... إلخ، ولهذا فإنَّ الإسلام يدعو المسلمين إلى أن يباشروا بأنفسهم إزهاق الباطل، وقتال المبطلين، وأن يهيئوا الأسباب المادِّيَّة، والإيمانيّة للغلبة والآنتصار، وبأيديهم - إن شاء الله تعالى - ينال المبطلون ما يستحقُّونه من العقاب، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 14 - 15].

إنَّ نزول الملائكة - عليهم السَّلام - من السَّموات العلا إلى الأرض؛ لنصر المؤمنين حدثٌ عظيمٌ؛ إنَّه قوَّةٌ عظمى، وثباتٌ راسخٌ للمؤمنين؛ حينما يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأنَّهم إذا حققوا أسباب النَّصر، واجتنبوا موانعه، فإنَّهم أهلٌ لمدد السَّماء، وهذا الشُّعور يعطيهم جرأةً في مقابلة الأعداء، وإن كان ذلك على سبيل المغامرة، لبُعد التكافؤ المادِّيِّ بين جيش الكفار الكبيرِ عدداً، القويِّ إعداداً، وجيش المؤمنين القليلِ عدداً، الضعيفِ إعداداً.

وهو في الوقت نفسه عاملٌ قويٌّ في تحطيم معنوية الكفَّارِ، وزعزعة يقينهم، وذلك حينما يشيع في صفوفهم احتمال تَكْرَار نزول الملائكة؛ الَّذين شاهدهم بعض الكفَّار عَيَاناً، إنَّهم مهما قدَّروا قوَّة المسلمين، وعددهم؛ فإنَّه سيبقى في وجدانهم رعبٌ مزلزِلٌ من احتمال مشاركة قوىً غير منظورةٍ، لا يعلمون عددها، ولا يقدِّرون مدى قوَّتها، وقد رافق هذا الشُّعورُ المؤمنين في كلِّ حروبهم؛ الَّتي خاضها الصَّحابة رضي الله عنهم في العهد النَّبويِّ، وفي عهد الخلفاء الرَّاشدين، كما رافق بعض المؤمنين بعد ذلك، فكان عاملاً قويّاً في انتصاراتهم المتكرِّرة الحاسمة مع أعدائهم.

ثانياً: انتصار المسلمين على المشركين، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل القَليب:

انتهت معركة بدرٍ بانتصار المسلمين على المشركين، وكان قتلى المشركينَ سبعين رجلاً، وأُسِر منهم سبعون، وكان أكثرهم من قادة قريش، وزعمائهم، واسْتُشهد من المسلمين أربعةَ عَشَرَ رجلاً، منهم ستَّةٌ من المهاجرين، وثمانيةٌ من الأنصار، ولمّا تمَّ الفتحُ، وانهزم المشركون؛ أرسل صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن رَوَاحة، وزيدَ بن حارثة، ليبشِّرا المسلمين في المدينة بنصر الله للمسلمين، وهزيمة المشركين.

ومكث صلى الله عليه وسلم ثلاثـة أيَّام في بدرٍ، فقـد ذكر أنس بـن مالـكٍ عن أبي طلحة: «أنَّ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم ... وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ: أقام بالعَرْصَة ثلاثَ ليالٍ» [البخاري (3976)] ولعلَّ الحكمة في ذلك:

1 - تصفية الموقف بالقضاء على أيَّة حركةٍ من المقاومة اليائسة؛ الَّتي يحتمل أن يقوم بها فلول المنهزمين الفارِّين.

2 - دفن من استشهد من جند الله، مما لا تكاد تخلو منه معركةٌ، فقد دفن شهداء المسلمين في أرض المعركة، ولم يَرِدْ ما يشير إلى الصَّلاة عليهم، ولم يُدفن أحدٌ منهم خارج بدرٍ.

3 - جمع الغنائم، وحفظها، وإسناد أمرها إلى من يقوم بهذا الحفظ؛ حتى تُؤَدَّى كاملةً إلى مستحقِّيها، وقد أُسندت أنفال، وغنائم بدر، إلى عبد الله بن كعبٍ الأنصاريِّ أحد بني مازنٍ.

4 - إعطاء الجيش الظَّافر فرصةً يستريح فيها، بعد الجهد النَّفسيِّ، والبدنيِّ الْمُضْنِي الَّذي بذله أفراده في ميدان المعركة، ويضمِّد فيها جراح مجروحيه، ويذكر نعم الله عليه فيما أفاء الله عليه من النَّصر المؤزَّر، الَّذي لم يكن دانيَ القطوف، سهلَ المنال، ويتذاكر أفراده، وجماعاته ما كان من أحداثٍ ومفاجات في الموقعة، ممَّا كان له أثرٌ فعَّال في استجلاب النَّصر، وما كان من فلانٍ في شجاعته وفدائيته، وجرأته على اقتحام المضائق، وتفريج الأزمات، وما تكشَّفت عنه المعركة من دروسٍ عمليَّة في الكرِّ، والفرِّ، والتَّدبير المحكم الَّذي أخذ به العدو، وما في ذلك من عبَر، واستذكار أوامر القيادة العليا، وموقفها في رسم الخطط، ومشاركتها الفعليَّة في تنفيذها؛ ليكون من كل ذلك ضياءٌ يمشون في نوره في وقائعهم المستقبلية، ويجعلون منه دعائم لحياتهم في الجهاد الصَّبور، المظفَّر بالنَّصر المبين.

5 - مواراة جِيَفِ قتلى الأعداء، الَّذيـن انفرجت المعركـة عن قتلهم، والتعرُّف عليهم، وعلى مكانتهم في حشودهم، وعلى من بقي منهم مصروعاً بجراحه لم يدركه الموت؛ للإجهاز على من ترى قيادة جيش الإسلام المصلحة في القضاء عليـه؛ اتقـاءَ شرِّه في المستقبل؛ كالذي كـان من أمر الفـاسق أبي جهل فرعون هذه الأمَّة، والذي كان من شأن رأس الكفر أميَّة بن خلف، وأضرابهما، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلقـاء هؤلاء الأخباث في رَكِيٍّ من قُلُبِ بـدرٍ، خبيثٍ مُخْبِثٍ [البخاري (3976)]، ثمَّ وقف على شفـة الرَّكي، وقد ورد: أنَّـه صلى الله عليه وسلم وقف على القتلى، فقـال: « بئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتم لنبيِّكم ؛ كذَّبتموني، وصدَّقني النَّاس، وخذلتموني، ونصرني النَّاس، وأخرجتموني، واواني النَّاس» [ابن هشام (2/292 - 293)] ثم أمر بهم، فسُحِبوا إلى قَلِيبٍ من قُلُبِ بدر، فطُرِحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يا عتبةُ بنُ ربيعةَ! ويا شيبةُ بنُ ربيعةَ! ويا أُميَّةُ بنُ خلف! ويا أبا جهل بن هشام! ويا فلان! ويا فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقّاً، فإنِّي وجدت ما وعدني ربي حقّاً»، فقال عمر بن الخطَّاب: يا رسولَ الله! ما تخاطب من أقوامٍ قد جيَّفوا؟ فقال: «والَّذي نفسُ محمدٍ بيده! ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم، غيرَ أنَّهم لا يستطيعون أن يردُّوا عليَّ شيئاً» [البخاري (3976) ومسلم (2873) و(2874)] .

قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قولَه، توبيخاً، وتصغيراً، ونقمةً، وحسرةً، وندماً. [البخاري في نهاية حديث (3976)] .

إنَّ مناداة الرسول صلى الله عليه وسلم لقتلى قريش بيَّنت أمراً عظيماً، وهو أنَّهم بدؤوا حياةً جديدةً، هي حياة البرزخ الخاصَّة، وهم فيها يسمعون كلام الأحياء، غير أنَّهم لا يجيبون، ولا يتكلمون، والإيمان بهذه الحياة من عقائـد المسلمين، ونعيم القبر وعذابه ثابتان في صحاح الأحاديث، حتَّى إنَّه صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين، وقال: «إنهما لَيُعَذَّبَـان، وما يُعَذَّبَـان في كبيرٍ» [البخاري (218) ومسلم (292)] . وذكر: أنَّ سبب تعذيبهما النَّمُّ بين النَّاس، وعدمُ الاستنزاه من البَوْلِ. ولابدَّ من التَّسليم بهذه الحقائق الغيبيَّة، بعد أن تحدَّث عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، وقطع بها القرآن الكريم في تعذيب ال فرعون، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46]

وأمَّا الشُّهداء فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169].

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

                        على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022