الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة السابعة والسبعون (77)

مشاهد وأحداث من معركة بدر

أولاً: مصارع الطُّغاة:

أ - مصرع أبي جهل بن هشامٍ المخزوميِّ:

قال عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه: بَيْنَا أنا واقفٌ في الصَّفِّ يوم بدرٍ، فنظرتُ عن يميني، وشِمالي، فإذا أنا بغُلاَمَيْنِ من الأنصار حديثة أَسْنَانُهما، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بين أضلَعَ منهما، فغمزني أحدُهما، فقال: يا عمُّ ! هل تعرفُ أبا جهلٍ؟ قلتُ: نعم، وما حاجتُك إليه يابن أخي؟! قال: أُخْبِرْتُ أنَّه يَسُبُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، والَّذي نفسي بيده! لئن رأيتُهُ لا يُفارقُ سوادي سوادَهُ؛ حتَّى يموتَ الأعجلُ منا، فتعجبتُ لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مِثْلَهَا، فلم أَنْشَبْ أَنْ نظرتُ إلى أبي جهلٍ يَجُول في النَّاس، فقلت: ألا إنَّ هذا صَاحِبُكما الَّذي سألتُمَاني، فابتدرآه  بسيفيهما، فضرباه حتَّى قتلاه، ثمَّ انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرآه ، فقال: «أيُّكما قَـتَـلَهُ؟» قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتُه! فقال: «هل مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُما؟»، قالا: لا. فنظر في السَّيفين، فقال: «كِلاكُما قتله، سَلَبُه لمعاذ بن عمرو بن الجَمُوح» وكانا: مُعاذَ بن عَفْرَاء، ومُعَاذَ بن عمروِ بن الجموح» [البخاري (3141) ومسلم (1752)] .

وفي حديث أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ: «مَنْ ينظر ما فعل أبو جهل؟» فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضرَبَه ابنا عفراء حتَّى بَرَدَ، فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبا جهل؟! قال: وهل فوقَ رجلٍ قتله قومُه؟ أو قال: قَتَلتموه. [البخاري (3962) ومسلم (1800/118)] .

وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أدركتُ أبا جهل يوم بدرٍ صريعاً، فقلت: أيْ عدوَّ الله، قد أخزاك الله! قال: وبم أخزاني؟ هل أَعْمُدُ من رجلٍ قتله قومه، ومعي سيفٌ لي، فجعلت أضربه، ولا يحتك فيه شيءٌ، ومعه سيفٌ له جيِّدٌ، فضربتُ يده، فوقع السَّيف من يده، فأخذته، ثمَّ كشفتُ المِغْفَرَ عن رأسه، فضربتُ عنقَه، ثمَّ أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته، فقال: «الله الَّذي لا إله إلا هو؟!» قلت: الله الَّذي لا إله إلا هو!

قال: فانطلق فاستثبت، فانطلقتُ؛ وأنا أسعى مثلَ الطَّائر، ثم جئتُ، وأنا أسعى مثل الطائر أضحك، فأخبرته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «انطلق» فانطلقتُ معه فأريتُه، فلـمَّا وقف عليه صلى الله عليه وسلم قال: «هذا فرعونُ هذه الأمَّة» [أحمد (1/403 و444) وأبو داود (2709) ] .

كان الدَّافع من حرص الأنصاريَّيْنِ الشَّابَّيْنِ على قتل أبي جهلٍ ما سمعاه من أنَّه كان يسبُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا تبلغ محبَّة شباب الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى بذل النَّفس في سبيل الآنتقام ممَّن تعرَّض له بالأذى.

وما جرى بين عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه وأبي جهلٍ - وهو في الرَّمق الأخير من حياته - فيه عبرةٌ بليغةٌ، فهذا الطَّاغية الذي كان شديد الأذى للمسلمين في مكَّة، قد وقع صريعاً بين أيدي من كان يؤذيهم.

ويشاء الله تعالى أن يكون الذي يقضي على اخر رمقٍ من حياته، هو أحد المستضعفين، ولقد كان أبو جهل مستكبراً جباراً؛ حتى؛ وهو صريعٌ وفي اخر لحظات حياته ، فقد جاء في روايةٍ لابن إسحاق: أنَّه قال لعبد الله بن مسعود لـمَّا أراد أن يحتزَّ رأسه: «لقد ارتقيتَ مُرتقىً صعباً يا رُوَيْعِي الغنم!» [ابن هشام (2/289)] .

«فالله تعالى لم يُعجِّلْ لهذا الخبيث أبي جهلٍ بضربات الأبطال من أشبال الأنصار فحسب، ولكنَّه أبقاه مصروعاً في حالةٍ من الإدراك، والوعي، بعد أن أصابته ضرباتٌ أشفَتْ به على الهلاك الأبديِّ، ليريه بعين بصره ما بلغه من المهانة، والذُّلِّ، والخذلان على يد من كان يستضعفه، ويؤذيه، ويضطهده بمكَّة من رجال الرَّعيل الأوَّل - السَّابقين إلى مظلَّة الإيمان، وطُهْر العقيدة، والتعبُّد لله بشرائعه الَّتي أنزلها رحمةً للعالمين - عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فيعلو على صدره، ويدوسه بقدميه، ويقبض على لحيته تحقيراً له، ويقرِّعه تقريعاً يبلغ من نفسه مجمع غروره، واستكباره في الأرض، ويستلُّ منه سيفه إمعاناً في البطش به، فيقتله به، ويمعن في إغاظته بإخباره: أنَّ النَّصر عقد بناصية جند الله، وكتيبة الإسلام، وأنَّ شَنَارَ الهزيمة النَّكراء، وعارها، وخزيها، وخذلانها قد رُزِئَتْ به كتائب الغرور الأجوف، في حشود النَّفير الَّذي قاده هذا الكفور الخبيث...».

ب - مصرع أميَّةَ بن خلف:

قال عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه: «كَاتبتُ أُميةَ بنَ خلف كتاباً، بأن يحفظني في صَاغِيَتي بمكَّـة، وأحفظه في صَاغِيَتِـهِ بالمدينـة، فلـمَّا ذكـرتُ (الرَّحمن) قال: لا أعرفُ الرَّحمنَ، كَاتِبْني باسمك الَّذي كان في الجاهليَّة، فكاتبته (عبدُ عمرٍو).

فلـمَّا كان في يوم بدرٍ؛ خرجْتُ إلى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ حين نام النَّاسُ، فأبصره بلالٌ، فخرج حتى وقف على مجلسٍ من الأنصار، فقال: أُميةُ بن خلف! لا نجوتُ إن نجا أميَّةُ، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلـمَّا خَشِيتُ أن يلحقونا خلَّفتُ لهم ابنَهُ لأشْغِلَهم، فقتلوه، ثمَّ أَبَوا حتَّى يَتْبَعُونا - وكان رجلاً ثقيلاً - فلما أدركونا؛ قلتُ له: ابْرُكْ، فَبَرَكَ، فألقيتُ عليه نفسي لأمنعه، فتَجَلَّلُوهُ بالسُّيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدُهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرَّحمن بن عوف يُرِينا ذلك الأَثَرَ في ظَهْرِ قَدَمِهِ» [البخاري (2301 و3971)] .

وفي روايةٍ أخرى لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: كان أُمَيَّةُ بن خلفٍ لي صديقاً بمكَّة، وكان اسمي عبدَ عمرٍو، فتسمَّيتُ حين أسلمتُ عبدَ الرَّحمن، ونحن بمكَّة، فكان يلقاني؛ إذ نحن بمكَّة، فيقول: يا عبدَ عمرو! أرغبتَ عن اسمٍ سمَّاكه أبواك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنِّي لا أعرف الرَّحمن؛ فاجعل بيني وبينك شيئاً أدعوك به، أمَّا أنت فلا تجيبني باسمك الأوَّل، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف!

قال: فكان إذا دعاني: يا عبدَ عمرو! لم أجبْه، قال: فقلت له: يا أبا عليٍّ! اجعلْ ما شئتَ!، قال: فأنت عبدُ الإله، قال: فقلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبدَ الإله! فأجيبه، فأتحدث معه، حتَّى إذا كان يومَ بدرٍ؛ مررتُ به؛ وهو واقفٌ مع ابنه عليٍّ، عليِّ بن أميَّة، اخذٌ بيده، ومعي أدراعٌ قد استلبتُها، فأنا أحملُها، فلـمَّا راني؛ قال لي: يا عبدَ عمرو، فلم أجبْه، فقال: يا عبدَ الإله! فقلتُ: نعم، قال: هل لك فيَّ؛ فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراع الَّتي معك؟ قال: قلت: نعم ها الله ذا! قال: فطرحتُ الأدراع من يدي، وأخذت بيده، ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطُّ، أما لكم حاجةٌ في اللَّبن؟ (قال): ثمَّ خرجت أمشي بهما، قال ابن هشام: يريد باللَّبن: أنَّ من أسرني؛ افتديت منه بإبلٍ كثيرة اللَّبن. [ابن هشام (2/283 - 284)] .

ونلحظ من الرِّوايات السَّابقة:

1 - ما جرى من بلالٍ رضي الله عنه، حينما رأى عدوَّه اللَّدود أميَّةَ بن خلفٍ؛ الَّذي كان يسومه أقسى، وأعنف أنواع العذاب في مكَّة في يد عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه أسيراً؛ صرخ بأعلى صوته: (لا نجوت؛ إن نجا!).

إنَّه موقف من مواقف التَّشفِّي من أعداء الله، والتَّشفِّي من كبار الكفرة الفجَّار في الحياة الدُّنيا، نعمةٌ يفرِّج الله بها عن المكروبين من المؤمنين، الَّذين ذاقوا الذُّلَّ، والهوان على أيدي أولئك الفجرة الطُّغاة، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 14 - 15] .

2 - إنَّ فيما جرى لأُميَّةَ بن خلفٍ من قتلٍ مفزعٍ درساً بليغاً للطُّغاة المتجبِّرين، وعبرةً للمعتبرين؛ الَّذين يغترُّون بقوَّتهم، وينخدعون بجاههم، ومكانتهم، فيعتدون على الضُّعفاء، ويسلبونهم حقوقهم، فمالهم إلى عاقبةٍ سيِّئةٍ، ووخيمةٍ في الآخرة، وقد يمكِّن الله للضُّعفاء منهم في الدُّنيا قبل الآخرة؛ كما حدث لأُمَيةَ بن خلف، وأضرابه من طغاة الكفر، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 5] .

3 - وفي قول عبد الرَّحمن بن عوف: «يرحم الله بلالاً! ذهبتْ أدْراعي، وفجعني بأسيرَيَّ»، مع ما جرى من بلالٍ من معارضةٍ وانتزاع الأسيرين من يده بقوَّة الأنصار الَّذين استنجد بهم، دليلٌ على قوَّة الرِّباط الأخوي بين الصَّحابة الكرام.

4 - موقف لأمِّ صفوان بن أميَّة (زوجة أُميَّةَ بن خَلف): قيل لأمِّ صفوان بن أميَّة بعد إسلامها، وقد نظرت إلى الحُبَاب بن المنذر بمكَّة: هذا الذي قَطَعَ رِجْلَ عليِّ بن أميَّة يوم بدرٍ، قالت: دَعُونا من ذكْرِ مَنْ قُتِل على الشِّرك! قد أهان الله عليّاً بضربة الحُبَاب بن المنذر، وأكرم اللهُ الحُبَابَ بضربه عليّاً، قد كان على الإسلام حين خرج من هاهنا، فقُتِلَ على غير ذلك، وهذا الموقف يدلُّ على قوَّة إيمانها، ورسوخ يقينها؛ حيث اتَّضحت لها عقيدة الولاء والبراء، فأصبحت تحبُّ المسلمين وإن كانوا من غير قبيلتها، وتكره الكافرين وإن كانوا من أبنائها(1).

وقولها عن ابنها عليٍّ: «قد كان على الإسلام حين خرج من هاهنا، فقُتل على غير ذلك» تعني: أنَّه كان ممَّن عُرف عنهم الإسلام بمكَّة، وخرجوا مع قومهم يوم بدرٍ مُكْرَهين فلـمَّا التقى الصَّفَّان؛ فُتِنوا حينما رأوا قلَّة المسلمين، فقالوا: قد غَرَّ هؤلاء دينُهم، فنزل فيهم قول الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الآنفال: 49] .

ج - مصرع عُبَيْدَة بن سعيد بن العاص على يد الزُّبير رضي الله عنه:

«قال الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه: لقيتُ يوم بدرٍ عُبْيدَةَ بن سعيد بن العاص، وهو مُدَجَّجٌ لا يُرى منه إلا عيناه، وهو يُكْنَى أبا ذات الكَرِش، فقال: أنا أبو ذات الكَرِش، فحملت عليه بالْعَنَزَةِ، فطعنته في عينه، فمات، قال هشامٌ: فأُخْبِرْتُ: أنَّ الزُّبيرَ قال: لقد وضعتُ رجلي عليه، ثمَّ تمطَّأتُ، فكان الجهد أن نزعتُها وقد انثنى طرفاها.

قال عُروْة: فسأله إيَّاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاه، فلـمَّا قُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أخذها، ثمَّ طلبها أبو بكر، فأعطاه، فلـمَّا قُبض أبو بكر، سأله إيَّاها عمر، فأعطاه إيَّاها، فلـمَّا قُبض عمر أخذها، ثمَّ طلبها عثمان منه، فأعطاه إيَّاها، فلـمَّا قُتل عثمان وقعت عند ال عليٍّ، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتَّى قُتل»[البخاري (3998)].

«هذا الخبر يصوِّر لنا دقَّة الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه في إصابة الهدف؛ حيث استطاع أن يضع الحربة في عين ذلك الرَّجل، مع ضيق ذلك المكان، وكونه قد وزَّع طاقته بين الهجوم والدِّفاع، فلقد كانت إصابة ذلك الرَّجل بعيدةً جداً؛ لكونه قد حمى جسمه بالحديد الواقي؛ لكنَّ الزُّبير استطاع إصابة إحدى عينيه، فكانت بها نهايته، ولقد كانت الإصابة شديدة العمق؛ ممَّا يدلُّ على قوَّة الزُّبير الجسديَّة، إضافةً إلى دقَّته، ومهارته في إصابة الهدف».

د - مصرع الأسْود المَخْزُوميِّ:

قال ابن إسحاق: وقد خرج الأَسْود المَخْزُوميُّ، وكان رجلاً شرساً سَيِّىءَ الخُلق، فقال: أعاهدُ الله لأشربنَّ من حوضهم، أو لأهدمنَّه، أو لأموتنَّ دونه! فلـمَّا خرج، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلـمَّا التقيا ضربه حمزةُ فأَطنَّ قَدَمَهُ بِنصْف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تَشْخُب رجله دماً نحو أصحابه، ثمَّ حبا إلى الحوض حتَّى اقتحم فيه، يريد أن يُبِرَّ يمينه، وأتبعه حمزة فضربه؛ حتَّى قتله في الحوض.

وقد سأل أميَّةُ بن خلف عبد الرحمن بن عوف، عن الرَّجل المُعلم بريشة نعامةٍ في صدره؟ فأجابه عبد الرَّحمن: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال أميَّةُ: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، وهذه شهادةٌ من أحد زعماء الكفر، وهذا يعني: أنَّه رضي الله عنه قد أثخن في جيش الأعداء قتلاً، وتشريداً.

وكان هذا أوَّل من قُتل من المشركين بيد أسد الله تعالى حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فقد جاء هذا اللَّئيم الشَّرِس يتحدَّى المسلمين، فتصدَّى له بطل الإسلام حمزة، فقضى عليه، ولقَّن أمثاله من الحاقدين المتكبِّرين درساً في الصَّميم.

ثانياً: من مشاهد العظمة:

أ - استشهاد حارثة بن سُراقة رضي الله عنه:

عن أنسٍ رضي الله عنه قال: أُصيب حارثةُ يومٍ بدرٍ، وهو غلامٌ، فجاءت أمُّه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقالت: يا رسول الله! قد عرفت منزلةَ حارثةَ منِّي، فإن يكن في الجنَّة؛ أصبرْ، وأحتسبْ، وإن تكن الأخرى، ترَ ما أصنعُ؟ فقال: «ويحكِ! أَوَهَبِلْتِ! أَوجَنَّةٌ واحدةٌ هي؟ إنَّها جنانٌ كثيرةٌ، وإنَّه في جنة الفردوس» [البخاري (3982)] وفي روايةٍ: «يا أمَّ حارثةَ! إنَّها جنان في الجنَّة، وإنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى».

ب - استشهاد عوف بن الحارث رضي الله عنه:

قال ابن إسحاق: حدَّثني عاصم بن عمرو بن قتادة: أنَّ عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، قال: يا رسول الله! ما يُضحِكُ الرَّبَّ من عبده؟ قال: «غمسْةُ يده في العدوِّ حاسراً» فنزع درعاً كانت عليه، فقذفها، ثمَّ أخذ سيفه، فقاتل القوم حتَّى قُتل.

وهذا الخبر يدلُّ على قوَّة ارتباط الصَّحابة الكرام بالآخرة، وحرصهم على رضوان الله تعالى، ولذلك انطلق عوف بن الحارث رضي الله عنه كالسَّهم، وهو حاسرٌ غير متدرِّعٍ يثخن في الأعداء، حتَّى أكرمه الله بالشهادة، لقد تغيَّرت مفاهيم المجتمع الجديد، وتعلَّق أفراده بالآخرة، وأصبحوا حريصين على مرضاته، بعد أن كان جُلَّ همِّهم أن تتحدث النساءُ عن بطولاتهم، ويرضى سيد القبيلة عنهم، وتُنشد الأشعار في شجاعتهم.

ج - استشهاد سعد بن خيثمة، ثمَّ أبيه رضي الله عنهما:

قال الحافظ بن حجر: قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: استهم يوم بدر سعد بن خيثمة، وأبوه، فخرج سهم سعدٍ، فقال له أبوه: يا بُنيَّ! اثرني اليوم، فقال سعد: يا أبتِ! لو كان غير الجنَّة؛ فعلت، فخرج سعدٌ إلى بدرٍ، فقُتل بها، وقتل أبوه خيثمة يوم أُحُدٍ.

وهذا الخبر يُعطي صورةً مشرقةً عن بيوتات الصَّحابة في تنافسهم، وتسابقهم على الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فهذا سعد بن خيثمة، ووالده لا يستطيعان الخروج معاً؛ لاحتياج أسرتهما لبقاء أحدهما، فلم يتنازل أحدهما عن الخروج رغبةً في نيل الشَّهادة، حتَّى اضطروا إلى الاقتراع بينهما، فكان الخروج من نصيب سعدٍ رضي الله عنهما ، وكان الابن في غاية الأدب مع والده ؛ ولكنَّه كان مشتاقاً إلى الجنَّة ، فأجاب بهذا الجواب البليغ: «يا أبتِ! لو كان غير الجنَّة فعلتُ».

د - دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة:

عن عائشة رضي الله عنها في حديثها عن طرح قتلى قريش في القَلِيب بعد معركة بدرٍ، قالت: فلـمَّا أمر بهم، فسُحبوا؛ عُرِفَ في وجه أبي حذيفة بن عتبة الكراهية، وأبوه يُسحب إلى القَليب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا أبا حذيفة! والله لكأنَّه ساءك ما كان في أبيك؟» فقال: والله يا رسول الله! ما شككت في الله، وفي رسول الله، ولكن إن كان حليماً سديداً ذا رأيٍ، فكنت أرجو ألا يموتَ حتَّى يهديه الله - عزَّ وجلَّ - إلى الإسلام، فلـمَّا رأيت: أنَّه قد فات ذلك، ووقع حيث وقع؛ أحزنني ذلك! قال: فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير. [الحاكم (3/224)] .

إنَّ هذا الموقف يبيِّن قوة التَّجاذب بين الإيمان في ذِرْوَةَ اليقين، والعاطفة البشرَّية في قمَّة الوفاء النَّبويِّ؛ فالإيمان لا يُميت المشاعر البشريَّة؛ ولكنَّه يهذِّبها، فيحوِّلها من عصبيةٍ جاهليَّةٍ، إلى وفاءٍ لا ينكره المنهج الرَّبَّانيُّ في تطبيقه العمليِّ؛ فإيمان أبي حذيفة رضي الله عنه إيمانٌ لا تهزُّه زلازل الأحداث، فهو إذ يرى أباه يُقتل في أشراف قريشٍ كافراً، ويُلقى معهم في قَلِيب بدرٍ؛ يأخذه أسف العاطفة البشريَّة وفاءً لهذا الأب، ويظلُّ أبو حذيفة مُزَمَّلاً بإيمانه الرَّاسخ رسوخ الأَطْوَاد الشَّامخات، فلا يزيد على أن يعتريه الاكتئاب على ما فات أباه من خيرٍ يرجوه له بالهداية إلى الإسلام؛ ولهذا المقصد النَّبيل الَّذي آثار حزن أبي حذيفة، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيرٍ.

ه ـ  عُمَيْر بن أبي وقَّاص:

لـمَّا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدرٍ، وعُرض عليه جيش بدرٍ؛ ردَّ عُمَيْر ابن أبي وقَّاص، فبكى عميرٌ، فأجازه، فعقد عليه حمائل سيفه، ولقد كان عُمَيْر يتوارى حتَّى لا يراه  رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال سعد: رأيت أخي عُمَيْر بن أبي وقَّاص قبل أن يعرضنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟ ! قال: إنِّي أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيستصغرَني، ويردَّني، وأنا أحبُّ الخروج لعلَّ الله أن يرزقني الشَّهادة. وقد استُشهد بالفعل.

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

                        على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022