الحلقة التاسعة والسبعون (79)
الخلاف في الأسرى في معركة بدر
قال ابن عباس رضي الله عنه: فلـمَّا أسروا الأُسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ، وعمر رضي الله عنهما: «ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟» فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبيَّ الله! هم بنو العمِّ، والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً، فتكون لنا قوَّةً على الكفَّار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما ترى يابن الخطاب؟» قال: لا والله يا رسول الله! ما أرى الَّذي يراه أبو بكر، ولكنِّي أرى أن تُمَكِنَّا منهم، فنضرب أعناقهم، فتمكِّن عليّاً من عَقِيلٍ، فيضرب عنقه، وتمكنِّي من فلانٍ (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه؛ فإنَّ هؤلاء أئمَّة الكفر، وصناديدها، فهوي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ، فلـمَّا كان من الغد جئت؛ فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك، فإن وجدت بكاءً؛ بكيت، وإن لم أجد بكاء؛ تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أبكي لِلَّذي عَرَضَ عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشَّجرةِ» - شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم -.
وأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ فأحلَّ الله الغنيمة لهم.[(1/30 - 31)، ومسلم (1763)، وأبو داود (2690)، والترمذي (3081)].
وفي رواية عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: لـمَّا كان يوم بدرٍ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومُك، وأهلُك، اسْتَبْقِهِم، واسْتَأْنِ بهم، لعلَّ الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله! أخرجوك، وكذَّبوك؛ فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثمَّ أضرم عليهم ناراً، فقال العبَّاس: قطعت رحمك! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يردَّ عليهم شيئاً، فقال ناسٌ: يأخذ بقول أبي بكرٍ، وقال ناسٌ: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنَّ الله ليُليِّن قلوب رجالٍ فيه؛ حتَّى تكون ألين من اللَّبن، وإنَّ الله لَيَشُدُّ قلوب رجالٍ فيه؛ حتَّى تكون أشدَّ من الحجارة، وإنَّ مثلك يا أبا بكر! كمثل إبراهيم عليه السلام، إذ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر! كمثل عيسى عليه السلام؛ إذ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الأنفال: 118]، وإنَّ مثلك يا عمر كمثل نوحٍ؛ إذ قال: ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ [نوح: 26]. وإنَّ مثلك يا عمر! كمثل موسى عليه السلام؛ إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴾ [يونس: 88].
ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم : «أنتم عالة، فلا يَنْفَلِتَنَّ منهم أحد إلا بفداءٍ، أو ضربة عنقٍ».
قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: فقلت: يا رسول الله! إلا سُهيل بن بيضاء؛ فإنِّي قد سمعته يذكر الإسلام، قال: فسكت، قال: فما رأيتُني في يومٍ أخوف أن تقع عليَّ حجارةٌ من السَّماء في ذلك اليوم؛ حتَّى قال: «إلا سهيل بن بيضاء» فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ...﴾ إلى آخر الآية. [(1/383 - 384)، وأبو يعلى (5187)، والترمذي (1714 و3085)، والحاكم (3/21 - 22)].
وهذه الآية تضع قاعدةً هامَّةً في بناء الدَّولة حينما تكون في مرحلة التَّكوين، والإعداد، وكيف ينبغي ألا تظهرَ بمظهر اللِّين؛ حتَّى تُرْهَب من قِبَلِ أعدائها، وفي سبيل هذه الكلِّيَّة يُطرح الاهتمام بالجزئيَّات - حتَّى ولو كانت الحاجة ملحةً إليها -.
وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه لـمَّا شرع الصَّحابة في أسر المشركين كره ذلك، ورأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجه سعدٍ لما يصنع النَّاس؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والله! لكأنَّك يا سعدُ! تكره ما يصنعُ القوم!» قال: أجل والله! يا رسول الله! كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشِّرك، فكان الإثخان بالقتل أحبَّ إليَّ من استبقاء الرَّجل. [ابن هشام (2/280 - 281)].
كانت معاملة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للأسرى تحفُّها الرَّحمة، والعدل، والحزم، والأهداف الدَّعوية؛ ولذلك تعدَّدت أساليبه، وتنوَّعت طرق تعامله صلى الله عليه وسلم، فهناك من قتله، وبعضهم قبل فيهم الفداء، والبعض الآخر منَّ عليهم، وآخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين مقابل المنِّ عليهم.
أ - حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لجِوار المُطْعِم بن عديٍّ:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُسارى بدر: «لو كان مُطْعِمُ بن عديٍّ حيّاً، ثمَّ كلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى؛ لأطلقتُهم له» [البخاري (4024)، وأبو داود (2689)]. وهذا الحديث تعبيرٌ عن الوفاء، والاعتراف بالجميل، فقد كان للمُطعم مواقفُ تُذكَر بخيرٍ، فهو الَّذي دخل الرَّسول صلى الله عليه وسلم في جواره حينما عاد من الطَّائف، كما كان من أشدِّ القائمين على نقض الصَّحيفة يوم حُصِر المسلمون، وبنو هاشم. وهذا يدلُّ على قمَّة الوفاء لمواقف الرِّجال - ولو كانوا مشركين -.
ب - مقتل عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ والنَّضر بن الحارث:
وإذا كان هذا الوفاء لرجلٍ مثل المطعم بن عديٍّ، فلابدَّ من الحزم مع مجرمي الحرب، ورؤوس الفتنة؛ من أمثال: عُقبة بن أبي مُعَيْط، والنَّضر بن الحارث، فقد كانا من أكبر دُعاة الحرب ضدَّ الإسلام، والمتربِّصين بالمسلمين الدَّوائر، فبقاؤهما يُعَدُّ مصدرَ خطرٍ كبيرٍ على الإسلام، ولاسيَّما في تلك الظُّروف الحاسمة، الَّتي تمرُّ بها الدَّعوة الإسلاميَّة، فلو أُطلِق سراحُهُمَا؛ لما تورَّعا عن سلوك أيِّ طريقٍ فيه كيدٌ للإسلام، وأهله، فَقَتْلُهُمَا في هذا الظَّرف ضرورةٌ تقتضيها المصلحة العامَّة لدعوة الإسلام الفتيَّة؛ ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهما عندما وصل إلى الصَّفراء أثناء رجوعه للمدينة، فلـمَّا سمع عُقْبَةُ بن أبي مُعَيْطٍ بأمر قَتْلِهِ، قال: يا ويلي! علام أُقْتل يا معشر قريش من بين ما هاهنا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لعداوتك للهِ ولرسوله» قال: يا محمد! مَنُّك أفضل، فاجعلني كرجلٍ من قومي، إنْ قتلتَهُم؛ قَتَلْتَني، وإن مَنَنْتَ عليهم؛ مَنَنْتَ عَلَيَّ، وإن أخذتَ منهم الفداء كنتُ كأحدِهم، يا محمد! من للصبيَة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «النَّارُ، قدِّمْه يا عاصم! فاضربْ عُنُقَه» [الحاكم (2/124)، ومجمع الزوائد (6/89)]؛ فقدَّمه عاصمٌ، فضرَبَ عُنُقَهُ.
وأمَّا النَّضر بن الحارث، فقد كان من شياطين قريشٍ، وممَّن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصِبُ له العداوة، وكان قد قدِم الحيرة، وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً، فذكَّر فيه بالله، وحذَّر قومه ما أصاب قبلهم من الأمم مِنْ نِقْمَةِ الله؛ خلفه في مجلسه إذا قام، ثمَّ قال: أنا والله يا معشر قريش! أحسنُ حديثاً منه، فهلُمُّوا إليَّ، فأنا أحدِّثكم أحسن مِنْ حديثه، ثمَّ يحدِّثُهم عن ملوك فارس، ورستم واسفنديار، ثمَّ يقول: بماذا محمَّد أحسنُ حديثاً منِّي؟!.
إنَّ هذا الرَّجل المتعالي على الله، والمتألِّي عليه، والَّذي يزعم: أنَّه سينزل أحسن ممَّا أنزل الله، والَّذي يزعم: أنَّه أحسنُ حديثاً من محمَّد، لابدَّ لمثل مَنْ يمثِّل هذا التَّيار - وقد أصبح بين يدي رسول رب العالمين - لابدَّ أن يُثأرَ لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم منه، ومن أجل هذا لم يُدْخِلْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن نطاق الاستشارة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتله عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه. وبمقتل هَذَيْنِ المُجرِمَيْنِ تعلَّم المسلمون: أنَّ بعض الطُّغاة العُتاة المُعادين لا مجال للتَّساهل معهم، فهم زعماءُ الشَّرِّ، وقادة الضَّلال، فلا هوادة معهم؛ لأنَّهم تجاوزوا حدَّ العفو، والصَّفح بأعمالهم الشَّنيعة، فقد كان هذان الرَّجلان مِنْ شرِّ عباد الله، وأكثرهم كفراً، وعناداً، وبغياً، وحسداً، وهجاءً للإسلام وأهله.
ج - الوصيَّةُ بإكرام الأسرى جانبٌ من المنهج النَّبويِّ الكريم:
ولـمَّا رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرَّق الأسرى بين أصحابه، وقال لهم: «استوصوا بهم خيراً»؛ وبهذه التَّوصيَة النَّبويَّة الكريمة، ظهر تحقيق قوله الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ [الإنسان: 8].
فهذا أبو عزيز بن عُمَيْر أخو مُصعب بن عمير، يحدِّثنا عمَّا رأى، قال: كنتُ في الأسرى يوم بدرٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «استوصوا بالأُسارى خيراً»، وكنتُ في نفرٍ من الأنصار، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم، وعشاءهم، أكلوا التَّمر، وأطعموني البُرَّ؛ لوصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم . [الطبراني في الصغير (401)، وفي الكبير (22/393)، والطبري في تاريخه (2/460)، ومجمع الزوائد (6/86)].
وهذا أبو العاص بن الرَّبيع يحدِّثنا، قال: كنت في رَهْطٍ من الأنصار جزاهم الله خيراً، كنَّا إذا تعشَّينا، أو تغدَّينا، اثروني بالخُبْزِ، وأكلوا التَّمْرَ، والخبزُ معهم قليلٌ، والتَّمْرُ زادُهم، حتَّى إنَّ الرَّجل لتقع في يده كِسْرَةٌ فيدفعها إليَّ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثلَ ذلك، ويزيد: «وكانوا يحملوننا، ويمشون». كان هذا الخُلُق الرَّحيم الَّذي وضع أساسه القرآن الكريم في ثنائه على المؤمنين، وذكَّر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه؛ فاتَّخذوه خُلقاً، وكان لهم طبيعةً، قد أثر في إسراع مجموعة مِنْ أشراف الأسرى، وأفاضلهم إلى الإسلام، فأسلم أبو عزيز عُقَيْبَ بدرٍ، بُعيْد وصول الأسرى إلى المدينة، وتنفيذ وصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم معه السَّائب بن عبيدٍ بعد أن فدى نفسه، فقد سرت دعوة الإسلام إلى قلوبهم، وطهَّرت نفوسَهم، وعاد الأسرى إلى بلادِهم وأهليهم، يتحدَّثون عن محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ومكارم أخلاقه، وعن محبَّته، وسماحته، وعن دعوته، وما فيها من البِرِّ والتَّقوى، والإصلاح والخير.
إنَّ هذه المعاملة الكريمة للأسرى، شاهدٌ على سموِّ الإسلام في المجال الأخلاقيِّ، حيث نال أعداءُ الإسلام من معاملة الصَّحابة أعلى درجات مكارم الأخلاق؛ الَّتي تتمثَّل في خُلُق الإيثار.
د - فداء العباس عمِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم :
بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم، ففدى كلُّ قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العبَّاس: يا رسول الله! قد كنتُ مسلماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول؛ فإن الله يجزيك، وأمَّا ظاهرك، فقد كان علينا، فافتدِ نفسَك، وابني أخويك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقِيل بن أبي طالب بن عبد المطَّلب، وحليفَك عتبةَ بن عمرٍو أخي ابن الحارث بن فهرٍ» قال: ما ذاك عندي يا رسول الله! قال: «فأين المال الَّذي دفنته أنت وأمُّ الفَضْل، فقلتَ لها: إن أُصِبْتُ في سفري هذا؛ فهذا المال الَّذي دفنتُه لبني الفَضْل، وعبد الله، وقُثَم؟!» قال: والله يا رسول الله! إنِّي لأعلم أنَّك رسولُ الله، إنَّ هذا الشَّيءَ ما علمه أحدٌ غيري، وغير أمِّ الفضل، فاحسب لي يا رسول الله! ما أصبتم منِّي عشرين أوقيَّة من مالٍ كان معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ذاك شيءٌ أعطانا الله تعالى منك» ففدى نفسه، وابني أخويه، وحليفه؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 70 - 71].
قال العبَّاس: فأعطاني الله مكان العشرين أوقيَّةً في الإسلام عشرين عبداً، كلُّهم في يده مالٌ يَضْرِبُ به، مع ما أرجو من مغفرة الله - عزَّ وجلَّ - [البيهقي في الدلائل (3/142 - 143)، وبنحوه أحمد (1/353)]. هذا، والعبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فهذه الآية الكريمة؛ وإن كانت نزلت في العباس إلا أنَّها عامَّةٌ في جميع الأسرى.
استأذن بعضُ الأنصار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العبَّاس فداءه. فقال: «والله! لا تذرون منه درهماً» [البخاري (1/2537 و3048 و4018)، والبيهقي في دلائل النبوة (3/142)]، أي: لا تتركوا للعبَّاس من الفداء شيئاً.
ويظهر أدب صار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهم لرسول الله: ابن أختنا، لتكون المنَّة عليهم في إطلاقه، بخلاف لو قالوا: عمَّك؛ لكانت المنَّة عليه صلى الله عليه وسلم، وهذا من قوَّة الذَّكاء وحسن الأدب في الخطاب، وإنَّما امتنع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن إجابتهم؛ لئلا يكون في الدِّين نوعُ محاباة.وهنا يتعلَّم الأسرى، والمسلمون أيضاً درساً بليغاً في عدم محاباة ذوي القُربى، بل كان الأمر على خلاف ذلك؛ فقد أغلى رسولُ الله الفداء على عمِّه العباس.
ورجع العبَّاس لمكَّة، وقد دفع فداءه، وفداء ابنيْ أخويه، وأخفى إسلامه، وأصبح يقود جهاز استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة بمكَّة بمهارةٍ فائقةٍ، وقدرةٍ نادرةٍ، حتَّى انتهى دوره عند فتح مكَّة، فأعلن إسلامه قبلها بساعاتٍ.
هـ أبو العاص بنُ الرَّبيع زوجُ زينب رضي الله عنها بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم :
قالت عائشـة رضي الله عنها: لـمَّا بعث أهل مكَّـة في فـداء أسراهم؛ بعثت زينب بـنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في فـداء أبي العاص بـن الرَّبيـع بمالٍ، وبعثت فيـه بِقِلادةٍ لها، كانت لخديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلـمَّا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ رقَّ لها رقَّةً شديدةً، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردُّوا عليها الَّذي لها، فافعلوا» فقالوا: نعم، فأطلقوه، وردُّوا عليها الَّذي لها. [أبو داود (2692)، وأحمد (6/276)، والبيهقي في الدلائل (3/154)، والطبراني في الكبير (22/428)، ومجمع الزوائد (9/214)].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليه، أو وعده أن يُخَلِّيَ سبيل زينب إليه، وبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، ورجلاً من الأنصار، فقال: «كونا ببطن يأْجَج، حتَّى تمرَّ بكما زينبُ، فتصحباها، حتَّى تأتيا بها». إنَّ أبا العاص بن الرَّبيع زوجَ زينب رضي الله عنها بنتِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لم يُعرف عنه قطُّ موقفٌ في مقاومة الدَّعوة بأيِّ لونٍ من ألوانها، وقد كفَّ يده، ولسانه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشغَله مالهُ وتجارتهُ، وحياؤه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقفِ الشَّراسة القرشيَّة في مقاومة الدَّعوة إلى الله، وفي بدرٍ كان أبو العاص صِهْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسرى؛ الَّذين لم يُسمع لهم في المعركة صوتٌ، ولم يُعرف لهم رأيٌ، ولا شُوهدتْ لهم في قتالٍ جولةٌ، وبعد أن بدأت قريش تفدي أسراها؛ أرسلت السَّيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجة أبي العاص بمالٍ تفديه به، ومع المال قلادةٌ كانت أمُّها السَّيدة خديجة رضي الله عنها، أهدتها إليها، فأدخلتها بها على زوجها لتتحَلَّى بها، فلـمَّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قِلادَةَ ابنته؛ رقَّ لها رقَّةً شديدةً، إذ كانت هذه القلادةُ الكريمة مبعثَ ذكرياتٍ أبَويَّةٍ عنده صلى الله عليه وسلم، وذكرياتٍ زوجيَّةٍ، وذكرياتٍ أُسرِيَّةٍ، وذكريات عاطفيَّةٍ؛ فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أبٌ، له من عواطف الأبوَّة أرفع منازلها في سجلِّ المكارم الإنسانيَّة، وأشرفُها في فضائل الحياة، فتواثبت إلى خبايا نفسه الكريمة المكرَّمة أسمى مشاعر الرَّحمة، وتزاحمت على فؤاده الأطهر عواطفُ الحنان، والحنين، فتوجَّه إلى أصحابه رضي الله عنهم متلطِّفاً، يطلب إليهم في رجاء الأعزِّ الأكرم، رجاءً يدفعهم إلى العطاء، ولا يسلبهم حقَّهم في الفداء؛ لو أنَّهم أرادوا الاحتفاظ بهذا الحقِّ؛ وهو في أيديهم، يملكون التَّصرُّف فيه، فقال لهم: «إنْ رأيتُم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردُّوا عليها الَّذي هو لها».
وهذا أسلوبٌ من أبلغ، وألطف ما يسري في حنايا النُّفوس الكريمة، فيطوِّعها إلى الاستجابة الرَّاغبة الرَّاضية، رضاءً يَنمُّ عن الغِبْطَة، والبَهْجَة.
إنَّ هذا الموقف، وما يظهر منه من مظاهر الرَّحمة، والعطف منه صلى الله عليه وسلم على ابنته، يحمل في طيَّاته مقصداً آخر، وهو أنَّه كان يتألَّف صِهْرَه للإسلام بذلك؛ لِمَا عَـرَفَ عنه من العقل السَّديد، والرَّأي الرَّشيد، فقد كان صلى الله عليه وسلم يُثني عليه، وهو على شِرْكِهِ بحسن المعاملة.
و - أبو عزَّة عمرُو بن عبد الله الجُمَحِيُّ بين الرَّحمة، والحزم النَّبويِّ:
كان محتاجاً ذا بناتٍ، قال: يا رسول الله! لقد عرفت ما لي مِنْ مالٍ، وإنِّي لذو حاجةٍ، وذو عيالٍ، فامنُنْ عليَّ! فمنَّ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عليه ألا يُظاهرَ عليه أحداً، فقال أبو عزَّةَ يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك:
|
|
مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الرَّسُوْلَ مُحَمَّداً |
|
بأنَّكَ حَقٌّ والمَلِيْكُ حَمِيْدُ |
|
|
وأَنْتَ امْرُؤٌ بُوِّئْتَ فِيْنَا مبَاءَةً |
|
لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعودُ |
|
|
فإنَّكَ مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ |
|
شَقِيٌّ ومَنْ سالمْتَهُ لَسَعِيدُ |
|
|
ولَكِنْ إِذَا ذُكِّرْتُ بَدْراً وأَهْلَهُ |
|
تأوَّبَ مَا بِي حَسْرَةً وَقُعُوْدُ |
قال ابن كثير: ثمَّ إنَّ أبا عزَّةَ هذا نقض ما كان عاهد الرَّسول صلى الله عليه وسلم عليه، ولعب المشركون بعقله، فرجع إليهم، فلـمَّا كان يومَ أحدٍ؛ أُسر أيضاً، فسأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يَمُنَّ عليه أيضاً، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «لا أدعك تمسح عارِضَيْكَ بمكَّةَ، وتقولُ: خدعتُ محمَّداً مرَّتين» ثُمَّ أَمَرَ به، فَضُرِبَتْ عنقهُ. [البيهقي في الدلائل (3/280 - 281)، وابن هشام (3/110)].
فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم به رحيماً، وعفا عنه، وأطلق سراحه بدون فداءٍ لـمَّا ذكر أبو عزَّة فقره، وما لديه مِنْ بناتٍ يعولهنَّ؛ ولكنَّه لم يفِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما عاهده عليه مِنْ لزوم السِّلم، وعدم إثارة الحرب ضدَّه، فوقع أسيراً في معركة أُحدٍ، فكان موقفُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم منه الحزم، فأمر بضرْب عنُقِه.
ز - سهيلُ بن عمرٍو، ووقوعُه في الأسر، وماذا قالت سودةُ رضي الله عنها:
قال عبد الرَّحمن بن أسعد بن زرارة رضي الله عنه: قُدِم بالأُسارى حين قُدِم بهم المدينة؛ وسودةُ بنت زمعة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عَوْفٍ، ومعوِّذ ابني عفراء - وذلك قبل أن يُضْرَب الحجاب -، قالت سودة: فوالله إنِّي لَعِنْدهم؛ إذ أتينا فقيل: هؤلاء الأُسارى قد أُتِيَ بهم، فرجعتُ إلى بيتي؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؛ فإذا أبو يزيد سهيلُ بنُ عمرٍو في ناحية الحُجْرَة، ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبلٍ، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيدٍ كذلك أن قُلتُ: أبا يزيد! أعطيتُم بأيديكم؟ ألا مُتُّم كراماً؟! فما انتبهت إلا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت: «يا سودةُ! أعَلَى الله ورسوله تُحَرِّضين؟!» فقلت: يا رسول الله! والَّذي بعثك بالحقِّ، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعةً يداه إلى عنقه بالحبل أن قلتُ ما قلتُ. [البيهقي في الكبرى (9/89)، والحاكم (3/22)، وابن أبي شيبة في المصنف (14/369 - 370)، والطبري في تاريخه (2/460)].
وقدم مِكْرَزُ بن حفص بن الأخْيَف في فداء سهيل بن عمرو، فلـمَّا فاوض المسلمين، وانتهى إلـى رضائهم، قالوا: هاتِ الَّذي لنـا، قال لهم مِكْرَز بن حفص: اجعلوا رجلي مكان رجله، وخلُّوا سبيله حتَّى يَبعث إليكم بفدائه، فخلُّوا سبيل سُهيل، وحبسوا مِكْرزاً عندهم، وجاء في حديثٍ مُرْسَلٍ: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعني أنزع ثَنِيَّة سهيل بن عمرٍو، يدلع لسانه، فلا يـقوم عليـك خطيباً فـي موطنٍ آخر ! فقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أمثِّل بـه، فيمثِّل الله بي؛ وإن كنتُ نبيَّاً» [ابن أبي شيبة في المصنف (14/387)]. ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «إنَّه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمُّه». قال ابن كثير: وهذا هو المقام الَّذي قامه سهيل بمكَّة حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدَّ العرب، ونجم النِّفاق بالمدينة وغيرها، فقام بمكَّة، فخطب في النَّاس، وثبَّتهم على الدِّين الحنيف، فقد قال في ذلك: «يا معشر قريش! لا تكونوا آخر النَّاس إسلاماً، وأوَّلهم ردَّةً، مَنْ رَابنَا ضربنا عنُقَه».
فقد أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزع ثنيَّة سُهيلٍ، ورأى: أنَّ ذلك من باب التَّمثيل وتشويه خلقة الإنسان، وقال لعمر: «لا أمثِّل به، فيمثِّل الله بي! وإن كنت نبيّاً» وهذا نموذجٌ من منهج رسالته صلى الله عليه وسلم، وضعه؛ ليكون نبراساً لأمَّته في انتصاراتها على أعدائها.
ح - التَّعليم مقابل الفداء:
قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه: كان ناسٌ من الأُسارى يوم بدرٍ ليس لهم فداءٌ، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يُعَلِّموا أولاد الأنصار الكتابة، وبذلك شرع الأسرى يعلِّمون غلمان المدينة القراءة، والكتابة، وكلُّ مَنْ يُعَلِّم عشَرةً من الغلمان يفدي نفسه، وقَبول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تعليم القراءة والكتابة بدل الفداء في ذلك الوقت الَّذي كانوا فيه في أشدِّ الحاجة إلى المال، يُرينا سموَّ الإسلام في نظرته إلى العلم، والمعرفة، وإزالة الأميَّة، وليس هذا بعجيبٍ مِنْ دينٍ كان أوَّل ما نزل من كتابه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ [العلق: 1 - 4]. واستفاضت فيه نصوصُ القرآن، والسُّنَّة في التَّرغيب في العلم، وبيان منزلة العلماء، وبهذا العمل الجليل يُعتبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أوَّل من وضع حجر الأساس في إزالة الأمِيَّة، وإشاعة القراءة، والكتابة، وأنَّ السَّبق في هذا للإسلام.
ط - حكم الأسرى:
إنَّ حكم الأسرى في الإسلام مفوَّضٌ إلى رأي الإمام؛ ليختار حُكْماً من أربعةٍ، وعلى الإمام أن يراعي مصلحة المسلمين العامَّة؛ والأحكام الأربعة هي:
1 - القتلُ: وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ، والنَّضْر بن الحارث.
2 - المنُّ: وهو إطلاق الأسير بدون مقابلٍ، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ.
3 - الفداءُ: إطلاق سراح الأسير مقابل مبلغٍ من المال، وهذا ما حدث مع العبَّاس عمِّ النّبي صلى الله عليه وسلم، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالبٍ، وغيرهم.
4 - الاسترقاق: وقد حكم سعدُ بن معاذ رضي الله عنه في يهود بني قريظة أن يُقتل المحارَبون، وتقسم الأموالُ، وتُسْبَى الذَّراري والنِّساء.
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ