أهمُّ الأحداث الَّتي وقعت بين غزوتي بدرٍ وأحد:
الحلقة ٨٢
بقلم د. علي محمد الصلابي
في أعقاب غزوة بدرٍ أخذت الهيبة العسكريَّة للمسلمين مداها الكبير، في دائرةٍ واسعةٍ في الجزيرة العربيَّة، وأحسَّ ضعفاء المشركين بالخطر، وشعر أقوياؤهم بغلبة الإسلام، وبدأت النُّفوس تتطلَّع إلى الإيمان؛ فتوسَّعت دائرة الدُّخول في الإسلام، ورأى الكثيرون أن يدخلوا في الإسلام نفاقاً، أو خديعةً؛ وبهذا كلِّه أصبحت الدَّولة الجديدة أمام أوضاعٍ جديدةٍ من المكر، والتَّألُّب، والتَّحالفات؛ ولكنَّ تأييد الله تعالى، ثمَّ جهاز أمن الدَّولة المتيقِّظ أفشل مخطَّطاتِ أعداء الإسلام.
أولاً: الغزوات الَّتي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدرٍ، وقبل أُحدٍ:
1 - ماء الكُدْر في بني سُليم:
غزا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد سبع ليالٍ من عودته إلى المدينة من غزوة بدرٍ، وبلغ ماء الكُدْر في ديار بني سُلَيم، الَّذين قصدهم بغزوته هذه، غير أنَّه لَمْ يلقَ حرباً؛ فأقام ثلاث ليالٍ على الماء، ثمَّ رجع إلى المدينة، وكان سبب تلك الغزوة، تجمُّع أفراد بني سُلَيم لمقاتلة المسلمين، والاعتداء عليهم بعد معركة بدرٍ مباشرة، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجأهم بهجومٍ سريعٍ غير متوقَّعٍ، فهرب بنو سليم، وتفرَّقوا على رؤوس الجبال، وبقيت إبلهم مع راعٍ لها يُدعى يساراً، فاستاق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الإبلَ مع راعيها، وعند موضع صرار على ثلاثة أميال من المدينة قسَّم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الإبل - الَّتي كان عددها خمسمئة بعير - على أصحابه، فأصاب الواحد منهم بعيرين، ونال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خُمْسَها، وكان يسار من نصيبه، ولكنَّه أعتقه بعد ذلك.
2 - غزوة السَّويق:
قدم أبو سفيان بمئتي فارسٍ من مكَّة، وسلك طريق النَّجديَّة؛ حتَّى نزلوا حيَّ بني النضير ليلاً، واستقبلهم سلاَّم بن مِشْكَم سيِّدُ بني النَّضير، فأطعمهم، وسقاهم، وكشف لهم عن أسرار المسلمين، وتدارس معهم إحدى الطُّرق لإيقاع الأذى بالمسلمين، ثمَّ قام أبو سفيان بمهاجمة ناحية العُرَيْض - وادٍ بالمدينة في طرف حَرَّةِ وَاقِم - فقتل رجلين، وأحرق نخلاً، وفرَّ عائداً إلى مكَّة، فتعقَّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مئتي رجلٍ من المهاجرين، والأنصار، ولكنَّه لم يتمكن من إدراكهم؛ لأنَّ أبا سفيان ورجاله قد جدُّوا في الهرب، وجعلوا يتخفَّفون من أثقالهم، ويُلْقون السَّوِيق التي كانوا يحملونها لغدائهم، وكان المسلمون يمرُّون بهذه الجُرب، فيأخذونها؛ حتَّى رجعوا بسَوِيقٍ كثيرٍ، لذا سمِّيت هذه الغزوة بغزوة السَّوِيق، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة أيام دون أن يلقى حرباً.
3 - غزوة ذي أمر:
جاءت الأخبار من قِبَلِ رجال الاستخبارات الإسلاميَّة، تفيد بأنَّ رجال قبيلتي ثعلبة، ومحارب تجمَّعوا بذي أمر، بقيادة دُعْثُور بن الحارث المحاربيِّ، يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإغارة على المدينة، فاستعمل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على المدينة عثمان بن عفَّان، وخرج في أربعمئة وخمسين من المسلمين بين راكبٍ، وراجلٍ، فأصابوا رجلاً بذي القَصَّة يقال له: جُبَار من بني ثعلبة، كان يحمل أخباراً عن قومه، أسرَّ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد دخل في الإسلام، وانضمَّ إلى بلال ليتفقَّه في الدين.
أمَّا المشركون من بني ثعلبة، ومحارب ما لبثوا أن فرُّوا إلى رؤوس الجبال عند سماعهم بمسير المسلمين، وبقي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في نجد مدةً تقارب الشَّهر دون أن يلقى كيداً من أَحَدٍ، وعاد بعدها إلى المدينة.
وفي هذه الغزوة أسلم دُعثور بن الحارث الَّذي كان سيِّداً مطاعاً، بعد أن حدثت له معجزة على يديْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد أصاب المسلمين في هذه الغزوة مطرٌ كثيرٌ، فابتلَّت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل تحت شجرة، ونشر ثيابه لتجفَّ، واستطاع دُعثور أن ينفرد برسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفه، فقال: يا محمد ! من يمنعك منِّي اليوم ؟ قال: الله. ودفع جبريل صدره، فوقع السَّيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: من يمنعك منِّي؟ قال: لا أحد! وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، واللهِ لا أكثرُ عليك جمعاً أبداً ! فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فلـمَّا رجع إلى أصحابه؛ قالوا: ويلك ! ما لك؟ فقال: نظرت إلى رجلٍ طويلٍ، فدفع صدري، فوقعت لظهري، فعرفت: أنَّه مَلَكٌ، وشهدت أنَّ محمَّداً رسول الله، واللهِ لا أكثر عليه جمعاً: وجعل يدعو قومه إلى الإسلام. [البيهقي في الدلائل (3/168 - 169)].
ونزل في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المائدة: 11].
4 - غزوة بَحْران:
كانت هذه الغزوة في شهر جُمادى الأولى من السَّنة الثالثة للهجرة، وقد خرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في ثلاثمئةٍ من المسلمين؛ حتَّى بلغ بَحْرَانَ بين مكَّة، والمدينة، يريد قتال بني سُلَيم، فوجدهم قد تفرَّقوا، فانصرف عنهم، وعاد إلى المدينة بعد أن أمضى خارجها عَشْرَ ليالٍ.
ونلحظ في هذه الغزوات قدرة القيادة الإسلاميَّة على رصد تحرُّكات العدوِّ، ومعرفة قوَّته، وخططه، ومدده؛ لكي تحطِّم هذه التَّجمُّعات المناوئة للدَّولة الإسلاميَّة الفتيَّة قبل أن يستفحل أمر هذه القبائل، وتصبح خطراً على المدينة.
وهذه الغزوات في هذه الصَّحراء المترامية الأطراف كانت دوراتٍ تدريبيةً تربويَّةً للصَّحابة الكرام، وسعدت سرايا الصَّحابة بقيادة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لها، فقد كانت تلك الدَّورات العمليَّة التَّدريبيَّة القتاليَّة التَّربويَّة مستمرةً، وتمتدُّ من خمسة أيام إلى شهر، تتمَّ فيها الحياة الجماعيَّة، ويتربَّى جنود الإسلام، على السَّمع، والطَّاعة، والتَّدريب المتقن، ويكتسبون خبراتٍ جديدةً تساعدهم على تحطيم الباطل، وتقوية الحقِّ.
لقد كان المنهاج النَّبويُّ الكريم يهتمُّ بتربية الصَّحابة في ميادين النِّزال، ولا يَغْفُلُ عن المسجد النَّبويِّ ودوره في صقل النُّفوس، وتنوير العقول، وتهذيب الأخلاق من خلال وجود المربِّي العظيم صلى الله عليه وسلم ، الَّذي أصبحت تعاليمُه تشعُّ في أوساط المجتمع من خلال القُدوة، والعبادة الخاشعة للهِ - عزَّ وجلَّ - ؛ فالمنهاج النبويُّ الكريم جمع بين الدَّورات المسجديَّة التَّربويَّة، والدَّورات العسكريَّة التَّربويَّة المكثَّفة؛ لكي يَقْوَى المجتمع الجديد، وتُرَصُّ صفوفُه، ويكسب الخبرات؛ لكي يقوم بنشر الإسلام في الآفاق.
5 - سرية زيد بن حارثة إلى القَرْدَة:
أصبح مشركو مكَّة بعد هزيمتهم في بدرٍ يبحثون عن طريقٍ أخرى لتجارتهم للشَّام، فأشار بعضهم إلى طريق نجدٍ العراق، وقد سلكوها بالفعل، وخرج منهم تُجَّار، فيهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أميَّة، وحويطب بن عبد العُزَّى، ومعهم فضَّةٌ، وبضائع كثيرةٌ، بما قيمته مئة ألف درهمٍ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة أحد أفراد جهاز الأمن الإسلاميِّ، يُدعى سليط بن النُّعمان رضي الله عنه، فبعث زيدَ بن حارثة في مئة راكبٍ لاعتراض القافلة، فلقيها زيد عند ماءٍ يقال له: القَرْدَة، وهو ماء من مياه نجدٍ، ففرَّ رجالها مذعورين، وأصاب المسلمون العِيرَ وما عليها، وأسروا دليلَها فُرات بن حَيَّان؛ الَّذي أسلم بين يدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وعادوا إلى المدينة، فخَمَّسَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، ووزَّع الباقي بين أفراد السَّرِيَّـة.
ثانياً: غزوة بني قَيْنُـقَـاع :
ذكر الزُّهريُّ: أنَّها وقعت في السَّنة الثَّانية للهجرة، وذكر الواقديُّ، وابن سعدٍ: أنها وقعت يوم السَّبت للنِّصف من شوال من السَّنة الثَّانية، واتَّفق معظم من كَتَبَ في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيرته على أنَّها وقعت بعد معركة بدرٍ؛ إذ لم يلتزم يهود بني قينقاع بالمعاهدة الَّتي أبرمها الرَّسول صلى الله عليه وسلم معهم، ولم يوفوا بالتزاماتهم الَّتي حدَّدتها، ووقفوا من الرَّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين مواقفَ عدائيَّةً، فأظهروا الغضب، والحسد عندما انتصر المسلمون في بدرٍ، وجاهروا بعداوتهم للمسلمين.
وقد جمعهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في سوقهم بالمدينة، ونصحهم، ودعاهم إلى الإسلام، وحذَّرهم أن يصيبهم ما أصاب قريشاً في بدرٍ؛ غير أنَّهم واجهوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالتَّحدِّي، والتَّهديد، رغم ما يُفترض أن يلتزموا به من الطَّاعة، والمتابعة لبنود المعاهدة الَّتي جعلتهم تحت رئاسته، فقد جابهوه بقولهم: «يا محمد! لا يغرنَّك من نفسك أنَّك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً، لا يعرفون القتال، إنَّك لو قاتلتنا لعرفت: أنَّا نحن النَّاس، وأنَّك لم تلقَ مثلنا».
وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل؛ إذ لم يكن في جوابهم ما يشير إلى الالتزام ، والاحترام ؛ بل على العكس؛ فإنَّهم قد أظهروا رُوحاً عدائيَّةً، وتحدِّياً، واستعلاءً، واستعداداً للقتال، فأنزل الله - سبحانه وتعالى - فيهم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأِولِي الأَبْصَارِ ﴾ [آل عمران: 12 13].
1 - الأسباب المباشرة للغزوة:
لـمَّا انتصر المسلمون في بدرٍ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود ما قال؛ أضمرت بنو قينقاع نقض العهد الَّذي بينهم وبين المسلمين، وأخذوا يتحيَّنون الفرصة السَّانحة لمناوشة المسلمين، حتَّى جاءتهم فرصتُهم الحقيرة الدَّنيئة؛ عندما جاءت امرأةٌ من العرب بِجَلَبٍ لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغٍ يهوديٍّ، فجعلوا يُريدونها على كَشْف وجهها، فأبت، فعمد الصَّائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلـمَّا قامت انكشفت سَوْءَتُها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصَّائغ فقتله - وكان يهوديّاً - وشدَّت اليهود على المسلم، فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشَّرُّ بينهم، وبين بني قينقاع.
فحين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، سار إليهم على رأس جيشٍ من المهاجرين، والأنصار، وذلك يوم السَّبت للنِّصف من شوَّال من السَّنة الثَّانية للهجرة، وكان الَّذي حمل لواء المسلمين يومئذٍ حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لُبَابَةَ بن عبد المنذر العمريَّ، واسمه: بشير. وحين سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ نبذ إليهم العهد، كما أمره الله تعالى في قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58].
2 - ضرب الحصار عليهم:
وحين علم اليهود بمقدَمه صلى الله عليه وسلم ؛ تحصَّنوا في حصونهم، فحاصرهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خمسَ عَشْرَةَ ليلةً - كما ذكر ابن هشام -، واستمرَّ الحصار حتَّى قذف الله في قلوبهم الرُّعب، واضطروا للنُّزول على حكمه صلى الله عليه وسلم، فقد فاجأهم صلى الله عليه وسلم بأسلوب الحصار، فأربكهم، وأوقعهم في حيرةٍ من أمرهم؛ بعد أن قطع عنهم كلَّ مددٍ، وجمَّد حركتهم، فعاشوا في سجنٍ؛ ممَّا جعلهم في النِّهاية ييأسون من المقاومة، والصَّبر، فبعد أن كانوا يهدِّدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبأنَّهم قوم يختلفون بأساً، وشدَّةً عن مشركي قريش، إذا بهم يضطرون للنُّزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بهم، فرُبطوا، فكانوا يكتَّفون أكتافاً، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتافهم المنذر بن قدامة السَّلميَّ الأوسيَّ.
3 - مصير يهود بني قينقاع:
حاول ابن سلول زعيم المنافقين أن يحلَّ حلفاءه مِنْ وثَاقِهِم، فعندما مرَّ عليهم قال: حُلُّوهم، فقال المنذر: أتحلُّون قوماً ربطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! والله لا يحلُّهم رجلٌ إلا ضَرَبْتُ عنقَه، فاضطر عبد الله بن أُبيِّ بن سلول أن يتراجع عن أمره، ويلجأ إلى استصدار الأمر من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بفكِّ أسرهم، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد! أَحْسِنْ في مواليَّ - وكانوا حلفاء الخزرج -، قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد! أحسن في مواليَّ، قال: فأعرض عنه، فأدخل ابن أُبيٍّ يده في جيبِ درعِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أرسلني» وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتَّى رأوا لوجهه ظُللاً، ثمَّ قال: «ويحك! أرسلني»، قال: لا والله، لا أرسلك حتَّى تُحسِن في مواليَّ؛ أربعمئـة حاسرٍ، وثلاثمئـة دارعٍ، قد منعونـي من الأحمر، والأسـود، تحصدهم في غـداة واحدة؟ إنِّي والله امرؤ أخشى الدَّوائر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هم لك» [الطبراني في تاريخه (2/480)، والواقدي في مغازيه (1/177 - 178)، والبيهقي في الدلائل (3/174)، وابن هشام (3/51 - 52)].
فخلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سبيلَهم، ثمَّ أمر بإجلائهم، وغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما كان لديهم من مالٍ، وقد تولَّى جمع أموالهم، وإحصاءها محمَّد بن مسلمة رضي الله عنه، وحاول ابن أُبي بن سلول أن يحدِّث رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في يهود بني قينقاع؛ لكي يُقرَّهم في ديارهم، فوجد على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم عُويم بن ساعدة الأنصاريَّ الأوسيَّ، فردَّه عويم، وقال: لا تدخل حتَّى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فدفعه ابن أُبيٍّ، فغلَّظ عليه عويم، حتَّى جَحَش وجهَ ابن أُبيٍّ الجدارُ، فسال الدَّم.
ويظهر في هذا الخبر، فقه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم السِّياسيُّ في تعامله مع ابن سلول، حيث لبَّى طلبه، فلعلَّ هذا الموقف يغسل قلبه، ويزيل الغشاوة عنه، فتتمُّ هدايته، فقال له: «هم لك»، ولعلَّ الَّذين يسيرون وراء زعامة ابنُ بيٍّ يَصْلُحون بصلاحه، فيتماسك الصَّفُّ، ويلتحم؛ فلا يتأثر مِنْ كيد أعداء الإسلام.
وهناك بُعدٌ آخر؛ حيث حرص صلى الله عليه وسلم أن يتفادى حدوث فتنةٍ في مجتمع المؤمنين؛ حيث إنَّ بعض الأنصار حديثو عهدٍ بالإسلام، ويُخشى أن يؤثِّر فيهم رأس المنافقين عبد الله بن أبيٍّ لسمعته الكبيرة فيهم؛ ولذلك سلك صلى الله عليه وسلم معه أسلوب المداراة، والصَّبر عليه، وعلى إساءاته؛ تجنُّباً للفتنة، وإظهاراً لحقيقة الرَّجل من خلال تصرُّفاته، ومواقفه عند مَنْ يجهلها، ومِنْ ثَمَّ يفرُّ النَّاس مِنْ حوله، ولا يتعاطفون معه، وقد حقَّق هذا الأسلوب نجاحاً باهراً، فقد ظهرت حقيقة ابن سلولٍ لجميع النَّاس؛ حتَّى أقرب النَّاس إليه، ومنهم ولده عبد الله، فكانوا بعدها إذا تكلَّم؛ أسكتوه، وتضايقوا من كلامه، بل أرادوا قتله - كما سيأتي بإذن الله تعالى -.
4 - تبرُّؤ عبادة بن الصَّامت منهم:
لـمَّا نقضت العهدَ بنو قينقاع، سار عُبادة بن الصَّامت أحد بني عوف - لهم من حلف بني قينقاع مثل الَّذي لهم من عبد الله بن أُبيٍّ - لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلعهم إليه، وتبرَّأ إلى الله - عزَّ وجلَّ - وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله! أتولَّى الله ورسولَه صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفّار، وولايتهم.
ولـمَّا تقرَّر جلاء بني قينقاع، أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عُبادة بن الصَّامت أن يُجليَهم، فجعلت قينقاع تقول: يا أبا الوليد! من بين الأوس والخزرج - ونحن مواليك - فعلت هذا بنا؟ قال لهم عبادة: لـمَّا حاربتم جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي أبرأ إليك منهم، ومن حلفهم، وكان ابن أُبيٍّ، وعبادة بن الصَّامت منهم بمنزلةٍ واحدةٍ في الحلف، فقال عبد الله بن أُبيٍّ: تبرَّأتَ من حلف مواليك؟! ما هذا بيدهم عندك ، فذكَّره مواطن قد أبْلَوْا فيها ، فقال عبادة: يا أبا الحُبَاب! تغيَّرت القلوب ، ومحا الإسلام العهود ، أما والله! إنك لمُعْصِمٌ بأمرٍ سنرى غيَّه غداً، فقالت قينقاع: يا محمد! إنَّ لنا دَيْناً في النَّاس، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «تعَجَّلوا، وضعوا» وأخذهم عبادة بالرَّحيل، والإجلاء، وطلبوا التنفُّس، فقال لهم: ولا ساعةً من نهارٍ، لكم ثلاث لا أزيد عليها، هذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كنت أنا ما نفَّستكم، فلـمَّا مضت ثلاث، خرج في آثارهم حتَّى سلكوا إلى الشَّام، وهو يقول: الشَّرف الأبعد، الأقصى، فالأقصى، وبلغ خلف الذُّباب ثمَّ رجع، ولحقوا بأذرعاتٍ.
وهكذا خرج بنو قينقاع من المدينة صاغرين، قد ألقَوا سلاحَهم، وتركوا أموالهم غنيمةً للمسلمين، وهم كانوا من أشجع يهود المدينة، وأشدِّهم بأساً، وأكثرهم عدداً وعُـدَّةً ؛ ولذلك لاذت القبائل اليهوديَّـة بالصَّمت، والهدوء، فترةً من الزَّمن بعد هـذا العقاب الرَّادع، وسيطـر الرُّعب على قلوبهـا، وخُضِدَتْ شوكتُها.
5 - الآيات الَّتي نزلت في موالاة ابن سلول لليهود، وبراءة عُبادة بن الصَّامت منهم:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 51 - 56].
قال ابن عطيَّة في هذه الآيات: لـمَّا انقضت بدرٌ، وشجر أمر بني قينقاع؛ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلهم، فقام دونهم عبدُ الله بن أبيِّ بن سلول - وكان حليفاً لهم - وكان لعبادة بن الصَّامت من حلفهم مثل ما لعبد الله، فلـمَّا رأى عُبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما سلكتْه اليهود من المشاقَّة لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ جاء إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله! إنِّي أبرأُ إلى الله من حلف يهود، وولائهم، ولا أُوالي إلا الله، ورسولَه، وقال عبدُ الله بن أُبيٍّ: أما أنا فلا أبرأ من ولاء يهود، فإنِّي لابدَّ لي منهم، إنِّي رجلٌ أخاف الدَّوائر.
إنَّ الفرق واضحٌ بين ابن سلول الَّذي انغمس في النِّفاق، وبين عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه الَّذي تربَّى على المنهاج النَّبويِّ، فَصَفَتْ نفسه، وتطهَّر قلبُه، وقوي إيمانه، وتنوَّر عقله، فتخلَّص من آثار العصبية الجاهليَّة، والأهواء، والمصالح الذَّاتية، وقدم مصلحة الإسلام على كلِّ مصلحةٍ، فكان مثلاً حيّاً للمسلم الصَّادق المخلص لعقيدته.
ثالثاً: تصفية المُحَرِّضين على الدَّولة الإسلاميَّة، ومقتل كعب بن الأشرف:
إنَّ خطر المحرِّضين على الفتنة لا يقلُّ عن خطر الَّذين يشهَرون السُّيوف لقتال المسلمين؛ إذ لولا هؤلاء المحرِّضون لما قامت الفتنة؛ لذلك أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتتبَّع هؤلاء المحرِّضين، ويقتُلهم؛ إطفاءً لنار الفتنة، وتمكيناً للحقِّ، وقد قَتل منهم خلقاً بعد موقعة بدرٍ، ومنهم:
أ - عصماء بنت مَرْوان:
الَّتي كانت تحرِّض على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وتعيب الإسلام، فقد أقدم عُمَيْرُ بـنُ عديٍّ الخُطميُّ رضي الله عنـه على قتلها، وحين سأل النَّبيَّصلى الله عليه وسلم بعد ذلـك عمَّا إذا كـان عليـه شيء ؟ قال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «نصرت الله ورسولـه يا عمير!»، ثمَّ قال: «لا ينتطح فيها عنزان» [الخطيب البغدادي في تاريخه (13/99)، وكشف الخفاء (3137)]، وقد أسلم نتيجـة ذلك عـددٌ من بني خَطَمَـةَ، وجهر بالإسلام منهم مَنْ كـان يستخفي.
ب - مقتل أبي عفكٍ اليهوديِّ:
كان أبو عفك شيخاً كبيراً من بني عمرو بن عوف، وكان يهوديّاً، يُحرِّض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشِّعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من لي بهذا الخبيث؟» فخرج له الصَّحابيُّ سالم بن عُمَيْرٍ، فقتله.
وأهمُّ حدثٍ في تصفية المحرِّضين على الدَّولة ما بين بدرٍ، وأُحدٍ هو مقتل كعب بن الأشرف.
ج ـ مقتل كعب بن الأشرف:
ينتسب كعب بن الأشرف إلى بني نَبْهان من قبيلة طيِّىء، وكان أبـوه قد أصاب دماً في الجاهليَّة، فقدم المدينة، وحالف يهود بني النَّضير، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعباً، وكان شاعراً، ناصب الإسلام العداء، وقد غاظه انتصار المسلمين على قريشٍ في معركة بدرٍ، فسافر إلى مكَّةَ يهجو النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، ويحرِّض قريشاً على الثأر لقتلاهم، الَّذين كان ينوح عليهم، ويبكيهم في شعره، ويدعو إلى القضاء على الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، والمسلمين، وممَّا قاله من الشِّعر في قتلى بدرٍ من المشركين:
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمُهْلَكِ أَهْلِهِ
وَلِمثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلُّ وتدْمَعُ
قُتِلَتْ سُرَاةُ الناس حَوْلَ حِيَاضِهِمْ
لا تَبْعَدُوا إِنَّ المُلُوكَ تُصَرَّعُ
كَمْ قَدْ أُصِيب بِهَا من ابْيَضَ مَاجِدٍ ذِي بَهجَةٍ تأْوِي إِلَيْهِ الضُّيَّعُ
ويَقُولُ أَقْوَامٌ أُذَلُّ بِسُخْطِهِمْ
إنَّ ابنَ الأشْرَف ظَلَّ كَعْباً يَجْزَعُ
صَدَقُوا فَلَيْتَ الأَرْضَ سَاعَةَ قُتِّلُوا
ظَلَّتْ تَسُوْخُ بأَهْلِهَا وتَصَدَّعُ
نُبِّئْتُ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ كُلَّهُمْ
خَشَعُوا لِقَوْلِ أَبِي الولِيْدِ وَجُدِّعُوا
واستمرَّ كعب بن الأشرف في أذيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، وتشجيع قريشٍ لمحاربة المسلمين، واستغواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له أبو سفيان: أناشدك الله، أدينُنا أحبُّ إلى الله أم دين محمَّدٍ، وأصحابه؟ قال: أنتم أهدى منهم سبيلاً، ثمَّ خرج مقبلاً قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، معلناً بعداوته وهجائه.
ولـمَّا قدم المدينة؛ أعلن معاداة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وشرع في هجائه، وبلغت به الوقاحة والصَّلَفُ أن يمتدَّ لسانه إلى نساء المسلمين، وشَبَّب بأمِّ الفضل بنت الحارث رضي الله عنها زوجة العبَّاس عمِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ، فقال فيها:
أَذَاهِبٌ أَنْتَ لَمْ تَحْلُلْ بِمَنْقَبَةٍ
وتَارِكٌ أَنْتَ أمَّ الفَضْلِ بالحَرَمِ
صَفْرَاءُ رَادِعَةٌ لَوْ تُعْصَرُ انْعَصَرتْ
مِنْ ذِي القَوارِيْرِ والحِنَّاء والكَتَمِ
إحْدَى بَنِي عَامِرٍ هَامَ الفؤادُ بها
وَلَوْ تَشَاءُ شَفَتْ كَعْباً مِنَ السَّقَمِ
لَمْ أَرَ شَمْسَاً بِلَيْلٍ قَبْلَهَا طَلَعَتْ
حَتَّى تَـبَدَّتْ لَـنَا فِي لَيْلَةِ الظُّلَمِ
1 - حسَّان بن ثابت لابن الأشرف بالمرصاد:
كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحثُّ حسَّاناً للتصدِّي لكعب بن الأشرف، فكان صلى الله عليه وسلم يُعْلِم حسَّاناً أين نزل ابن الأشرف في مكَّة؟ فعندما نزل على المطَّلب بن أبي وَدَاعة بن ضبيرة السَّهمي وزوجته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فأبلغ صلى الله عليه وسلم حسَّان بن ثابت بذلك، فهجاهم لإيوائهم ابن الأشرف، فلـمَّا بلغ عاتكة بنت أسيد هِجَاءُ حسان، نبذت رحل اليهوديِّ كعب بن الأشرف، وقالت لزوجها: مالنا ولهذا اليهوديِّ؟ ألا ترى ما يصنع بنا حسَّان؟!
وتحوَّل كعب إلى أناسٍ آخرين، وكان كلَّما تحوَّل إلى قومٍ، دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حساناً، وأخبره أين نزل ابن الأشرف، فيهجو مَنْ نزل عندهم، فيطردونه، وظلَّ يلاحقه حتَّى لفظه كلُّ بيتٍ هناك، فعاد إلى المدينة راغماً بعد أن ضاقت في وجهه السُّبل ينتظر مصيره المحتوم، وجزاءه الَّذي يستحقُّه.
كانت الحرب الإعلاميَّة التي شَنَّها حسَّان ضدَّ كعب بن الأشرف، قد حققت أهدافها؛ وهذه بعض الأبيات الَّتي قالها حسَّان بن ثابت رضي الله عنه في الردِّ على كعب بن الأشرف:
أبَـكَى لِكَعْبٍ ثُمَّ عُلَّ بِعَبْرَةٍ
مِنْهُ وَعَاشَ مُجَدَّعَاً لاَ يَسْمَعُ؟
وَلَقَدْ رأَيْتُ بِبَطْنِ بَدْرٍ مِنْهُمُ
قَتْلَى تَسُحُّ لَهَا العُيُونُ وتَدْمَعُ
فَابْكِ فَقَدْ أَبْكَيْتَ عَبْدَاً رَاضِعاً
شِبْهَ الكُلَيْبِ إِلَى الكُلَيْبةِ يَتْبَعُ
وَلَقد شَفَى الرَّحْمنَ مِنَّا سَيِّداً
وأَهَانَ قَوْماً قَاتَلُوهُ وَصُرِّعُوا
وَنَجا وأفْلَتَ مِنْهُمُ مَنْ قَلْبُه
شَغِفٌ يَظَلُّ لِخَوْفِهِ يَتَصَدَّعُ
2 - جزاء ابن الأشرف:
لقد قام اليهوديُّ ابن الأشرف بجرائمَ كثيرةٍ، وخياناتٍ عديدةٍ، وإساءاتٍ متعدِّدةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وللمسلمين، والمسلمات القانتات العابدات، وكلُّ جريمة من هذه الجرائم تُعَدُّ نقضاً للعهد، تستوجب عقوبة القتل، فكيف إذا اجتمعت هذه الجرائم كلُّها في هذا اليهوديِّ الشِّرِّير؟!.
إنَّ ابن الأشرف بهجائه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وإظهاره التَّعاطُفَ مع أعداء المسلمين، ورثاءِ قتلاهم، وتحريضِهم على المسلمين، يكون قد نقض العهد، وصار محارباً مهدورَ الدَّم؛ ولذلك أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقتله، وقد فَصَّلَ البخاريُّ خبر مقتله، فقد روى في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ لكعب بن الأشرف؛ فإنَّه قد اذى الله ورسوله؟»، فقام محمَّد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله! أتحبُّ أن أقتله؟ قال: «نعم». قال: فائذن لي أن أقول شيئاً. قال: «قل». فأتاه محمَّد بن مسلمة فقال: إنَّ هذا الرَّجل قد سألنا صدقةً، وإنَّه قد عَنَّانا، وإنِّي قد أتيتك أستسلفُك، قال: وأيضاً والله لَتَمَلُّنَّهُ! قال: إنَّا قد اتَّبعناه، فلا نحبُّ أن ندعه حتَّى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وَسْقاً، أو وَسْقَين. فقال: نعم، أرهنوني. قالوا: أيُّ شيءٍ تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنُك نساءنا، وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيُسَبُّ أحدُهم، فيقال: رُهن بِوَسْقٍ، أو وَسْقَيْنِ! هذا عارٌ علينا، ولكن نرهنك الَّلأْمَةَ، قال سفيان: يعني: السِّلاح.
فواعده أن يأتيه، فجاء ليلاً، ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرَّضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه السَّاعة؟ فقال: إنما هو محمَّد بن مسلمة، وأخي أبو نائلة. قالت: أسمع صوتاً كأنَّه يقطر منه الدَّم. قال: إنَّما هو أخي محمَّد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إنَّ الكريم لو دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ، لأجاب. وجاء محمَّد بن مسلمة برجلين، وقال: إذا ما جاء فإنِّي قائلٌ (أي اخذٌ) بِشَعْرِهِ فأشمُّه، فإذا رأيتموني استمكنتُ من رأسـه، فدونكُم، فاضربـوه، فنزل منهم متوشحاً، وهو يَنْفُحُ منه ريح الطِّيب. قال: ما رأيت كاليوم ريحاً! - أي: أطيب -؛ أتأذن لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم! فشمَّه، ثمَّ أشمَّ أصحابه، ثمَّ قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلـمَّا استمكن منه، قال: دونكم؛ فقتلوه، ثم أتَوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه. [البخاري (4037)، ومسلم (1801)].
وجاء في السِّيرة النَّبوية لابن هشام: أنَّ محمَّد بن مسلمة مكث ثلاثة أيام بعد أن استعد لقتل كعب بن الأشرف، لا يأكل، ولا يشرب إلاَّ ما يُعْلِقُ به نفسَه، فذُكِرَ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاه، فقال له: «لِمَ تركت الطَّعام والشَّراب؟». فقال: يا رسول الله! قلت لك قولاً لا أدري: هل أَفِيَنَّ لك به، أم لا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما عليك الجَهْد». فقال: لابدَّ لنا من أن نقول. قال: «قولوا ما بدا لكم» [ابن هشام 3/58)].
وجاء في السِّيرة النَّبويَّة عن ابن إسحاق بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الغرقد، ثمَّ وجَّههم، فقال: «انطلقوا على اسم الله، اللَّهم أَعِنْهم!» [ابن هشام (3/59)].
- دروسٌ وعبرٌ:
• إنَّ في مقتل كعب بن الأشرف، دروساً، وعبراً، وفوائد في فقه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تعامله مع خصوم الإسلام، والدَّولة الإسلاميَّة، فقد اتَّضح أنَّ عقوبة النَّاقض للعهد القتل، وهذا ما حكم به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وعقوبة المُعَاهَدِ الَّذي يَشْتُمُ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم ، ويؤذيه بهجاءٍ، أو غيره هي القتل، وهذا ما كان لابن الأشرف، ويؤخذ من هذا: أنَّ شاتم الرَّسول صلى الله عليه وسلم سواءٌ أكان معاهداً، أو غيره، تُضْرب عنقه عقوبةً له، وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميَّة في تفصيل هذه الأحكام، في كتابه القيِّم: «الصارم المسلول على شاتم الرَّسول صلى الله عليه وسلم ».
• يؤخذ من طريقة تنفيذ حكم الرَّسول صلى الله عليه وسلم باليهوديِّ ابن الأشرف: أنَّ الحُكْمَ قد تقتضي المصلحة العامَّة للمسلمين أن يُنَفَّذ سرّاً، ويتأكَّد هذا؛ إن كان يترتَّب على تنفيذه بغير هذه الصُّورة السِّرِّيَّة، فتنةٌ، أو خطرٌ قد يكلِّف المسلمين باهظاً. وقد بيَّنت هذه الصُّورة: أنَّ مواجهة الكفَّار أعداء الإسلام، ومحاربي الدَّولة الإسلاميَّة، لا يقتصر على مواجهتهم في ميدان المعارك، وإنَّما يتعدَّى ذلك إلى كلِّ عملٍ تحصل به النِّكاية بالأعداء؛ ما لم يكن إثماً، وقد يوفِّر القضاء على رجلٍ له دوره البارز في حرب المسلمين جهوداً كبيرة، وخسائر فادحةً يتكبَّدها المسلمون.
وهذا مشروطٌ بالأمن من الفتنة، وذلك بأن يكون للمسلمين شوكةٌ، وقوَّةٌ، ودولةٌ، بحيث لا يترتَّب على نوعيَّة هذا العمل فتكٌ بالمسلمين، واجتثاث الدُّعاة من بلدانهم، وإفسادٌ في مجتمعاتهم، وقد أخطأ بعض المسلمين في العالم الإسلاميِّ، وتعجَّل الصِّدام المسلَّح، واستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بمثل هذه الحادثة، ولا حجَّة لهم فيها؛ لأنَّ ذلك كان بالمدينة، وللمسلمين شوكةٌ، ودولةٌ، أمَّا هم فليس لهم دولةٌ، ولا شوكةٌ، ثمَّ إنَّ ذلك كان إعزازاً للدِّين، وإرهاباً للكافرين، وكانت كلُّها مصالح لا مفسدة معها، أمَّا ما يحدث في فترات الاستضعاف من هذه الحوادث، فإنَّها يعقبها من الشَّرِّ، والفساد، واستباحة دماء المسلمين، وأعراضهم، وأموالهم ما لا يخفى على بصيرٍ.
إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يقم بمحاولة تصفيةٍ لأيِّ أحدٍ من المشركين في مكَّة؛ مع القدرة على قتل زعماء الشِّرك كأبي جهلٍ، وأميَّـة بـن خلف، وعتبـة، ولو أشار إلى حمزةَ، أو عمرَ بذلـك، أو غيرهم من الصَّحابـة، لقاموا بتنفيذ ذلك، ولكنَّ الهدي النَّبويَّ الكريم، يعلِّمنا: أنَّ فقه قتل زعماء الكفر يحتاج إلى شوكةٍ، وقوَّةٍ، كما أنَّ هذا الفقه يحتاج إلى فتوى صحيحةٍ من أهلها، واستيعاب فقه المصالح، والمفاسد، وهذا يحتاج إلى علماءَ راسخين؛ حيث تتشابك المصالح في عصرنا، وحيث للرَّأي العام دوره الكبير في قرارات الدُّول، وحيث احتمالات توسُّع الأضرار.
• ونلحظ قيمة الكلمة عند الصَّحابة رضي الله عنهم، في موقف محمَّد بن مسلمة رضي الله عنه، بعد أن أعطى كلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتعهَّد فيها بقتل اليهودي ابن الأشرف، ثمَّ إبطاؤه في ذلك؛ أعيته الحيلة بقيام صعوباتٍ في سبيل تحقيق ما وعد، حيث امتنع عن الطَّعام، والشَّراب، وأصابه الغمُّ، والحزن، لأنَّه قال قولاً يخشى ألاَّ يستطيع الوفاء به. ونلاحظ في مجتمعاتنا المعاصرة: أنَّ كثيراً من النَّاس يعطون عهوداً، ومواثيق، ولا يقدِّرون قيمتها، ويخفِرون ذمَّتهم، ويتراجعون عن عهودهم، ومواثيقهم، وتبقى حِبْراً على ورقٍ، فهؤلاء ليسوا أصحاب مبادئ، ومواقف يُبْتَغَى بها وجه الله؛ بل هم أصحاب مصالح، ومنافع، يُخشى عليهم أن يعبدوها من دون الله.
إنَّ أصحاب الدَّعوات، يؤثِرون أن تندقَّ أعناقهم، وأن تَضْوَى أجسامُهم، وتَزْهَق أرواحهم؛ على أن يتراجعوا عن كلماتهم وعهودهم ومواثيقهم؛ يستعذبون الموت والعذاب في سبيل عقائدهم وإسلامهم.
• في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما عليك الجَهْدُ» [سبق تخريجه] توجيهٌ نبويٌّ كريمٌ، وهو أنَّ النصر لا يأتي إلا بعد بذل الجَهْدِ، والصَّبر عند الابتلاء، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49].
وعلى المسلم أن يُفَرِّغ كلَّ ما في وُسْعِهِ؛ من جهدٍ فكريٍّ، وطاقةٍ جسميَّةٍ في سبيل تحقيق ما وعد، ثمَّ يتوكَّل على الله بعد ذلك في النتائج.
• وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «قولوا ما بدا لكم» [سبق تخريجه] فقهٌ نبويٌّ كريمٌ، فقد قالوا كلاماً هو في الأحوال العاديَّة كفرٌ، ومِنْ هنا تعرفُ: أنَّه مِنْ أجل تحقيق المهامِّ العسكريَّة، فلا حدود للكلام الَّذي يقال؛ ولكن تأتي هنا مسألةٌ أخرى، وهي ما إذا كان النَّجاح في المهامِّ العسكرية يقتضي أفعالاً لا تجوز، أو يقتضي ترك فرائض؛ فما العمل؟ المعروف: أنَّه ليس هناك من الذُّنوب أعظم من الكفر، والشرك، فإذا جاز التَّظاهر بالكفر لذلك، فمن باب أولى جواز غيره، على أن يتأكَّد طريقاً للوصول إلى الهدف، أو يغلب الظَّنُّ على ذلك، على أن يقتصر فيه على الحدِّ الَّذي لابدَّ منه، سواءٌ أكانت الوسيلة تأخير فريضةٍ، أم ارتكاب محظورٍ؛ على أنَّ هذا، وهذا مقيَّدانِ بالفتوى، فهناك محظوراتٌ لا يصحُّ فعلُها بحالٍ، كالزِّنى، واللِّواط.
هناك بعض القضايا تحتاج لأهل الفتوى المؤهَّلين لأن يفتوا فيها، خصوصاً في الظُّروف الاستثنائيَّة، والحالات الاضطراريَّة، وفي المحكات السِّياسيَّة، والعسكريَّة؛ لأنَّها تحتاج إلى الموازنات، والفتاوى الاستثنائيَّة؛ الَّتي لا يستطيعها كلُّ إنسانٍ، فالأحكام الأصليَّة ليست مجهولةً، وإنَّما الأحكام الاستثنائيَّة الَّتي تقتضيها الظُّروف الاستثنائيَّة تحتاج إلى علماءَ ربانيِّين، وفقهاءَ راسخين، لهم القدرة على فهم مقاصد الشَّريعة، وواقعهم الَّذي يعيشون فيه.
• وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «قولوا ما بدا لكم» فقهٌ عظيمٌ يوضِّحه قوله صلى الله عليه وسلم : «الحرب خَدْعَةٌ» [البخاري (3029)، ومسلم (1740)].
• قوله صلى الله عليه وسلم : «انطلقوا على اسم الله، اللهم أَعِنْهم!» [سبق تخريجه] كان لهذا التَّذكير بالإخلاص في الجهاد: «انطلقوا على اسم الله» والدُّعاء لهم بالتَّوفيق، والعون: «اللَّهم أعنهم!» كلُّ ذلك كان حافزاً على الثَّبات ورافعاً للمعنويَّات، فلم يعبؤوا بقوَّة ابن الأشرف، ومَنْ حوله من النَّاس؛ لأنَّهم استشعروا معيَّة الله لهم، ودعاء الرَّسول صلى الله عليه وسلم ربَّه بإعانتهم، وتحقيق مسعاهم.
ونلحظ في الهدي النَّبويِّ الأخذ بجميع الأسباب المادِّيَّة، والتَّخطيط السَّديد، ولا يُنسى جانب الدُّعاء النَّبويِّ الكريم، فإنهم لم يغفلوا الأسباب الموصلة بهم إلى نجاح مقصودهم؛ لأنَّ المسلم مأمورٌ بالجمع بين التوكُّل على الله تعالى، والأخذ بالأسباب الَّتي شرعها الله سبحانه؛ ولذلك كانت خطَّة محمَّد بن مسلمة مع إخوانه محكمةً، وأتقنوا فقه سنَّة الأخذ بالأسباب، فقد كانت الأسباب الَّتي ساعدت على نجاح الخطَّة، كالتالي:
- إنَّ أبا نائلةَ كان أخاه من الرَّضاعة، وهو يطمئنُّ إليه، ولا يتوجَّس منه خيفةً.
- وفي بعض الرِّوايات: طمأن أبو نائلة كعبَ بن الأشرف، وأدخل الأنس إلى قلبه بمناشدته في الشِّعر قبل أن يحدِّثه عن حاجته.
- ولم يحدِّثه عن حاجته حتى أخرج كعباً من حصنه، وظلُّوا يتحدَّثون ساعةً، حتَّى اطمأنَّ إليهم، وكان ذلك من سبل التَّوفيق، ولو بقي أولئك هناك لربما كشف الأمر؛ فحديثُهم معه على انفرادٍ كان في غاية التوفيق.
- تظاهرهم بالنَّيل، والتَّبرُّم، والتَّظلُّم من الرَّسول صلى الله عليه وسلم طمأن كعب بن الأشرف.
- فكرة رهن السِّلاح كانت في غاية التَّوفيق، حتَّى يكون اصطحابهم للسِّلاح غيرَ مريبٍ، ولا يبعث على الرِّيبة؛ ذلك لأنَّهم أحضروا ما سيرهنونه إلى كعب، وفي الوقت نفسه يستطيعون أن يستخدموا هذا السِّلاح في أي وقت التقوا به فيه.
- أخذ الموعد من كعب بن الأشرف كان إحكاماً في الخطَّة؛ بحيث يتسنَّى لهم في أيِّ وقتٍ من اللَّيل أن يأتوه، ويطرقوا عليه الباب؛ دون أن يشكَّ فيهم، وفي نيَّتهم.
- اطمئنانُ ابن الأشرف إلى أبي نائلة، ومحمَّد بن مسلمة جعله يخرج في وقتٍ لا يخرج فيه الإنسان من بيته عادةً؛ تحسُّباً لقتال عدوٍّ على حين غِرَّة، وغفلةٍ.
- إن خطَّة إبعاد ابن الأشرف عن بيته، إلى مكانٍ يخلو به فيه دون رقيبٍ، أو نصيرٍ كانت موفَّقةً.
- استدراج أبي نائلة لابن الأشرف، وشمُّه طيب رأسه، وإمساكُه بشَعْرِهِ ليشمَّه، كان موفقاً، وتَقْدِمَةً ليمسك بهذا الرَّأس الخبيث، ويتمكَّن منه، لتكون الفرصةُ سانحةً لتنفيذ حكم الله في هذا اليهوديِّ اللَّعين.
- وتظهر قدرة الصَّحابة الفائقة في الحفاظ على السِّرِّيَّة، وذلك في كتمان هذه الخطَّة مع كثرة مَنْ في المدينة من اليهود، والمنافقين، ومع تأخُّر تنفيذها، وكون النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عرض هذا الأمر في مشهدٍ من الصحابة، وجرت فيه مشورةٌ، وهذا دليلٌ على قوة إيمان هؤلاء الصَّحابة، وإخلاصهم لدينهم.
وقام هؤلاء المغاوير بتنفيذ أدوار الخطَّة المحكمة، الَّتي اتَّفقوا عليها، وأدركوا مقصودهم الأسمى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بإحساسه الكبير، ومشاعره الفيَّاضة، فقد كانوا يقومون بتنفيذ العمليَّة بعقولهم، وأجسامهم، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتولَّى قيادتها العليا بالاتِّصال بالله تعالى، ودعائه لهم بالنَّصر والإعانة.
3 - أثر مقتل اليهودي ابن الأشرف على اليهود:
انتشر خبر مقتل ابن الأشرف في المدينة، فأسرع أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكون ويحتجُّون على ما فعله أصحابه، فلم يَحْفَلِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بهم ؛ بل أكَّد مقتله، الَّذي كان نتيجةً حتميَّةً لموقفه المعادي، وقد أوقعت هذه الحادثة الرُّعب في نفوس اليهود جميعهم ، فلم يعد أحدٌ من عظمائهم يجرؤ على الخروج من حصنه، كما لم يعد أحدٌ من يهود المدينة إلا ويخاف على نفسه من المسلمين، واضطرَّ اليهود لتجديد المعاهدة، وكان لمقتل كعب بن الأشرف أثرٌ عميقٌ في نفوسهم، فمضوا يكيدون للإسلام - كما سيتبيَّن من الأحداث - وَمِنَ الجدير بالـذِّكر أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤاخـذ بني النَّضيـر بجَرِيرَةِ كعب بـن الأشرف، واكتفى بقتله جزاءَ غدره، وجدَّد المعاهدة معهم. ومن الفقه النَّبويِّ في معاملة اليهود نستفيد أنَّ العلاج الأمثل لليهود هو زجرهم، وإرهابهم، وقتل أهل الفتن فيهم، ومطاردتهم؛ لأنَّهم أهل شرورٍ، لا يتخلَّصون منها، ولا يتوقَّفون عنها.
رابعاً: بعض المناسبات الاجتماعيَّة:
أ - زواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بحفصةَ بنت عمر:
قال عمر رضي الله عنه حين تأيَّمتحفصةُ بنتُ عُمرَ من خُنَيس بن حُذافة السَّهميِّ - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوفي بالمدينة -: «أتيتُ عثمانَ بن عفَّان، فعرضت عليه حفصةَ بنتَ عمر، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ لياليَ، ثمَّ لقيني فقال: قد بدا لي ألاَّ أتزوجَ يومي هذا.
قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصِّدِّيقَ، فقلتُ: إن شئتَ زوجتُك حفصةَ بنت عمرَ، فصمت أبو بكرٍ الصِّدِّيـق، فلم يرجع إليَّ شيئـاً، وكنت أوجدَ عليـه منِّي على عثمان.
فلبثتُ لياليَ، ثمَّ خطبها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فأنكحتُها إيَّاه، فلقيني أبو بكرٍ، فقال: لعلَّك وجدت عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئاً؟
قال عمرُ: قلتُ: نعم، قال أبو بكر: فإنَّه لم يمنعْني أن أَرْجِعَ إليك فيما عرضتَ عليَّ، إلا أنِّي كنتُ علمتُ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشيَ سرَّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ولو تركها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؛ قبلتُها» [البخاري (5122)، والبيهقي في الدلائل (3/158)].
ب - زواج عليٍّ رضي الله عنه بفاطمةَ رضي الله عنها:
قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه : خُطِبَتْ فَاطِمَةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت مولاةٌ لي : هل علمت: أنَّ فاطمة قد خُطِبَتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: لا! قالت: فقد خُطِبَتْ فما يمنعك أن تأتيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فيزوجَك، فقلت: وعندي شيءٌ أتزوَّج به! فقالت: إنَّك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ زَوَّجَكَ.
قال: فوالله ما زالت ترجيني حتَّى دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا أن قعدتُ بين يديه؛ أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلَّم جلالةً وهيبةً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟» فسكتُّ، فقال: «لعلك جئت تخطب فاطمة؟» فقلت: نعم! فقال: «وهل عندك من شيءٍ تستحلُّها به؟» فقلت: لا والله يا رسول الله! فقال: «ما فعلت دِرْعٌ سَلَّحْتُكَها؟ فوالذي نفس عليٍّ بيده! إنَّها لَحُطَمِيَّةٌ ما قيمتُها أربعة دراهم»، فقلت: عندي، فقال: «قد زوجتُكها، فابعث إليها بها، فاستحلَّها بها» فإنَّها كانت لَصَداقُ فاطمةَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم [البيهقي في الدلائل (3/160)] وقد جهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خَمِيلٍ، وقِرْبَة، ووسادة أَدَمٍ، حشوها إذخرْ رضي الله عنها.
وهكذا كانت حياتهم في غاية البساطة بعيدةً عن التعقيد، وهي إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده، والقصَّة التالية تصور لنا حال السَّيدة فاطمة، وتعبها، وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منها عندما طلبت إليه أن يعطيها خادماً من السَّبْي، فقد جاء في مسند الإمام أحمد: «قال عليٌّ لفاطمةَ ذات يومٍ: والله! لقد سَنَوْتُ حتى لقد اشتكيتُ صدري، قال: وجاء الله أباك بسبيٍ، فاذهبي، فاستخدميه، فقالت: أنا والله قد طحَنْتُ حتَّى مجلت يدي. فأتيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ما جاء بك أيْ بُـنَـيَّة؟!» قالت: جئت لأسلِّم عليك، واسْتَحْيَتْ أن تسأله، ورجعت، فقال: ما فعلتِ؟ قالت: اسْتَحْيَيْتُ أن أسأله، فأتينا جميعاً، فقال عليٌّ: يا رسول الله! والله! لقد سنوتُ حتَّى اشتكيتُ صدري، وقالت فاطمة: قد طحنتُ حتَّى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبيٍ، وسعةٍ، فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والله! لا أُعْطيكما، وأدعُ أهلَ الصُّفة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكنِّي أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم»، فرجعا، فأتاهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ؛ وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رؤوسهما، تكشفت أقدامُهما، وإذا غطَّيا أقدامهما؛ تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: «مكانكما»، ثمَّ قال: «ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟» قالا: بلى! فقال: «كلماتٌ علَّمنيهنَّ جبريلُ عليه السلام، فقال: «تُسَبِّحَانِ في دبر كلِّ صلاةٍ عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبِّرا أربعاً وثلاثين» [أحمد (1/106 - 107)].
وهكذا كان الهدي النَّبويُّ في تربية أهل بيته، وأقربائه، فلقد أخفقت مساعي السَّيدة فاطمة، وعليٍّ رضي الله عنهما للحصول على خادم؛ لأنَّ السَّبْيَ يريد - عليه الصَّلاة والسلام - أن يبيعه، وينفق ثمنه على أهل الصُّفَّة؛ الَّذين يتلوَّون من الجوع، فهم أيضاً من خاصَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عليٍّ، وفاطمة، والطَّعام مقدَّم على الخدمة، ولقد تأثر عليٌّ رضي الله عنه بهذه التَّربية النَّبويَّة، ويمرُّ الزَّمن بالفتى عليّ، فيصبح خليفةَ المسلمين، فإذا به من آثار هذه التربية يترفَّع عن الدُّنيا وزخارفها، وبيده كنوز الأرض، وخيراتها؛ لأن ذكر الله يملأ قلبه، ويغمر وجوده، ولقد حافظ على وصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وقد حدَّثنا عن ذلك، فقال: فوالله ما تركتهُنَّ منذ علَّمنيهنَّ، فسأله أحد أصحابه: ولا ليلة صفين؟! فقال: ولا ليلة صفِّين!
وكان كما وصفـه ضرار بـن ضمرة في مجلس معاويـة: «... يستوحش من الدُّنيا، وزهرتها، ويستأنس باللَّيل، وظلمته، كان والله! غزيرَ العَبْرَة، طويل الفكرة، يقلِّب كفَّه، ويخاطب نفسه، يُعجبُه من اللباس ما قصر، ومن الطَّعام ما جَشِبَ....».
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ