من مناقب ابن السنوسي
بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي
الحلقة العشرون
صفر 1441 ه/ أكتوبر 2019
إن ابن السنوسي في سيرته العطرة اتصف بصفات الدعاة الربانيين، من الصدق، والاخلاص، والدعوة الى الله على بصيرة ، والصبر، والرحمة، والعفو، والعزيمة، والتواضع، والارادة القوية التي تشمل قوة العزيمة، والهمة العالية، والنظام والدقة، والزهد، والورع، والاستقامة...الخ، ونحاول في هذا المبحث أن نركز على بعض الصفات التي تميزت بها شخصيته الفذة:
أولاً : الحلم:
إن الحلم ركن من أركان الحكمة، وقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 155].
وقد بلغ صلى الله عليه وسلم في حلمه ، وعفوه الغاية المثالية، وكان ابن السنوسي شديد الاقتداء في كل احواله وأقواله، وأفعاله برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت له مواقف كثيرة تدل على حلمه ، وضبطه لنفسه منها، ذكر أحمد الشريف في رحلته. ان رجلاً من الطريقة الدرقاوية، اساء الأدب مع ابن السنوسية أثناء نزوله بسيوه، وقال لابن السنوسي : نحن نكسر رؤس الرجال فقال له ابن السنوسي: أنتم تكسرون الدلاع (البطيخ). فلما سمع الاخوان بذلك أرادوا أذيته (يعني الرجل) فقال لهم الاستاذ: اتركوه عنكم واختفى الرجل خوفاً من الاخوان).
ثانياً: العفو والصفح عند المقدرة:
ومن الصفات التي ظهرت في شخصية ابن السنوسي، حبه للعفو والصفح، فعندما نشب خلاف حول أملاكه مع بني عمه في الجزائر، وطالب ابناء عمه بحقوقه، فامتنعوا ورفع عليهم قضية وكسبها، ولم يدفع أولاد عمه المستحقات التي له ، وقامت الحكومة بسجنهم ، تنازل عن طلبه، وعندما ناصبه العداء بعض العلماء تعصباً واندفاعاً وجموداً، واتهموه بالكفر، والمروق عن الاسلام، فقال ابن السنوسي عمن تولى الهجوم عليه، (عفى الله عن الشيخ عليش سامحه الله).
ثالثاً: زهده:
كان ابن السنوسي زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، حريصاً على دعوة الناس للحق ، ولم يحرص على جمع الأموال وحطام الدنيا الفاني وله اشعار تدل على زهده، وعلى حقيقة نفسه المنصرفة الى الله، المقبلة على متاع الروح، الزاهدة في لذائذ الدنيا ومتعها، وذلك إذ يقول:
إلا إنما الدنيا غضارة أيكة
إذا اخضر منها جانب جف جانب
هي الدار: ما الآمال إلا فجائع
علينا ولا اللذات إلا العطائب
ومالذة الأولاد والمال والمنى
لدينا ولا الآمال إلا المصائب
فلا تكتحل عيناك يوماً بعبرة
على ذاهب منها فإنك ذاهب
ومن أشعاره في التعبير عن زهده في الدنيا:
وهبني علمت الكيمياء ونلتها
وأتقنتها صبغاً واتقنتها صنعاً
ولخصت تسيير الكواكب كلها
ببحثي وتدقيقي ونلت بها مسعى
وملكت أموال البرايا بأسرها
وجالت يدي في أصفهان الى صنعا
أليس مصيري بعد ذلك كله
الى تحت هذا التراب في حالة شنعا
فقل للذي يمسى ويصبح همه
لغير رضا الرحمن: ياخيبة المسعى
رابعاً : تواضعه:
ومن الصفات البارزة في شخصية ابن السنوسي صفة التواضع، فعندما دخل مكة، كان يسقي الناس ماء زمزم واتخذها حرفة وصار ملازماً لها فترة من الوقت، قربة الى الله، وقد ذكر بن علي في فوائده الجلية أن ابن السنوسي كان ناذراً لله تعالى وقف نفسه على خدمة الكعبة المشرفة، تقرباً الى الله تعالى وتواضعاً، ومجاهدة لنفسه، وكان عازماً على المضي، غير أن الله تعالى رفع قدره وهيأه لما هو أعم وأنفع ومن تواضع لله رفعه الله وقام بالوفاء بنذره واشترك في خدمة الحرم بقدر ما يسر الله له.
لقد كان ابن السنوسي غاية في التواضع، وفي رسالة من رسائله الى أحد أخوانه تظهر هذه الصفة جلية حيث يقول: (والذي أوصى به نفسي وإخواني هو تقوى الله، وصية الله في الذين خلوا من قبل {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}؛ باتباع أوامره ، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده بأعمار الظواهر بالمجاهدات، وأعمار البواطن بالمشاهدات،....).
فنلاحظ أن ابن السنوسي قرن نفسه بأخوانه مما يدل على تواضعه وجعل نفسه كأي واحد منهم ، ومقامه منهم أوضح من الشمس في رابعة النهار.
خامساً: العفة والترفع عما في أيد الناس:
من الصفات البارزة في شخصية ابن السنوسي العفة والترفع عما في ايد الغير؛ فعندما حجت الى مكة والدة عباس باشا حفيد محمد علي باشا حاكم مصر، وسمعت بتقوى ابن السنوسي ، وولايته ذهبت لزيارته في الزاوية فلم تجده، وجدت الشيخ عبدالله التواتي، فسألته: أنت الشيخ؟ فأجابها : انا عبدالشيخ. واخبرها أن الشيخ في الطائف؛ فقصدت الطائف وطلبت مقابلته بالحاح؛ فقابلها على مضض؛ فحدثته عن ابنها عباس وكيف يضطهده عمه ابراهيم باشا، وكيف أنها تخشي عليه من عمه؛ ثم سألته أن يدعو لابنها فدعا له بالتوفيق ؛ فرغبت هي أن تقدم لإبن السنوسي هدية فمدت له صرة مملؤة ذهباً فرفضها؛ فلما ألحت أخبرها أنه لايأخذ شيئاً وأن بإمكانها أن تعرض الصرة على التواتي في زاوية ابي قبيس؛ فعادت الى مكة وقدمتها للتواتي؛ فرفضها حيث وصلته تعليمات من شيخه بالرفض، ولما ألحت طلب منها أن توزعها على الفقراء لأن أتباع الزاوية ليسوا بحاجة، وعندما عادت الى مصر توفي محمد علي وابراهيم في سنة واحدة؛ فخلا كرسي الولاية واحتله ولدها، وقد ربى أتباعه على العفة والترفع عن مافي ايد الناس، وقد ذكرت قصة مرتضى فركاش وحسين الغرياني مع البدو الذين أهدوا إليهم ابلاً وبقراً وغنماً ، وكيف ردها ابن السنوسي وبين لهم : أن مهمة بعثاتنا تنحصر في تلقين قواعد الدين، والتعريف به، لا لأن تقبل الهدايا والهبات والتبرعات وطلب منهم أن لايرهقوا البدو حتى بتكاليف الضيف، وكان يزود الدعاة بجميع مايلزمهم وكان يحث إخوانه من العلماء والشيوخ والدعاة، أن يتعلقوا بالله وحده يقول حيث يقول: ( ... وورد من أحب شيئاً كان له عبداً، تعس عبدالدينار، وتعس عبدالدرهم، تعس عبدالخميلة، تعس عبدالخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتعش، وفي الحكم ما أحببت شيئاً إلا وكنت له عبداً، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبداً، وإياك أن تطلب على عملك جزاء آجلاً أو عاجلاً، فيكون درى يقينك في الله آفلاً، أو تشهد أن لك في ذلك العمل أثر، فتشرك بخالق القوى والقدر، فإن الإخلاص له مراتب، فرتبة إخلاص العوام عدم طلب الثناء والسمعة، ورتبة إخلاص الخواص عدم طلب الجزاء الآجل أو المقامات المرتفعة، ورتبة إخلاص خواص الخواص التبري من الحول والقوة، ...).
لقد كان ابن السنوسي يحذر من الإنكسار في حب الدراهم والدينار، وكان يريد من إخوانه أن يتجردوا في أعمالهم ويجعلوها لله وحده.
سادساً: قوة الحجة، والقدرة على الإقناع والمناظرة:
عندما وجه على عشقر والي طرابلس اتهاماته لإبن السنوسي، استطاع ابن السنوسي أن يبدد جميع الإتهامات، وطلب من الوالي العثماني أن يجمعه مع العلماء في طرابلس، وتألف مجلس من كبار العلماء، أحمد المقرحي، وكان من أبرز العلماء وأقربهم مكانة عند الوالي العثماني، والشيخ القزيري، البنغازي، وأخذ أعضاء المجلس العلمي يناقشون ابن السنوسي، وجاء رده حاسماً، وشاملاً بل ومحرجاً لبعض العلماء، فأيقنوا أنهم أمام محيط من العلوم الراسخة، والحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، ومن ذلك الحين انضم الشيخ أحمد المقرحي، والشيخ علي القزيري إلى الإخوان وتجردوا لخدمة الحركة السنوسية، وانضم أيضاً على أشقر وأصبح من أتباع الطريقة السنوسية.
وكان من أساليبه في الإقناع، ضرب الأمثلة العملية الحية، وكان ذات مرّة في مجلسه بمكة يحف به بعض الزوار، فدخل شخص أجنبي له مظهره الملفت للنظر، وحيا الحاضرين ثم وجه سؤالاً علمياً معقداً إلى ابن السنوسي، كأنه يريد منه التعجيز، وكان ابن السنوسي مشغولاً بعمل باشره، وطلب السائل سرعة الجواب بصورة لفتت نظر الحاضرين، ففهم ابن السنوسي السائل وطمأنه بسرعة الإجابة، واستدعى تلميذه عبدالله التواتي وكان يقوم بنصيبه في العمل، وكان يومها يقوم بـ ( عجن الطين ) أثناء القيام بعملية بناء في زاوية مكة، وكان يرتدي لباس العمال، ولما استدعاه ابن السنوسي جاء مسرعاً بملابس، العمل وقد علق الطين الذي كان يقوم بعجنه في رجليه وهندامه، فقال له ابن السنوسي أجب سائلنا هذا عن سؤاله، كذا وكذا، واسترسل عبدالله في الإجابة الشاملة من ذاكرته، ولم يترك ثغرة في السؤال، وجاء بمختلف الأقوال في المسألة ثم ردها إلى حقيقتها، فتعجب الناس، وتحير السائل ثم اقتنع وقال: لايصح أن يكون مثل هذا الرجل الفاضل عاملاً وبهذه الصورة، فمن حقه أن يتصدر المجالس، فأجابه ابن السنوسي بقوله إن جماعتنا كلهم على هذا الغرار، ومن لم يصل منهم إلى هذا المستوى، فهو في طريقه إليه وهذا العمل الذي تعيبه عليهم لم يكن معيباً لهم أو لينقص من شأنهم وقيمتهم، إنهم يعملون كما يأمر الإسلام لرفعة شأن المسلمين، وإننا نعدهم لمجد الإسلام، ولرفعة شأنه، فاعتذر السائل على ماظهر منه.
سابعاً: شعوره بالمسؤولية:
كان ابن السنوسي يستشعر مسؤوليته وواجبه المنوط به نحو عباد الله والأمانة التي تحملها لهدايتهم وإرشادهم، فكان ذلك دافعاً له للقيام بواجبه وأداء رسالته، وكانت هذه الصفة واضحة في شخصيته، وكان يستشعر بأنه مأمور بواجب الدعوة إلى الله، وفي خطواته التي سار عليها، وشعوره بالمسؤولية، جعله لايعرف المستحيل، وكان لايأمر بأمر إلا وقد نفذه على نفسه وأحب الناس إليه، وأقربهم منه، وكان يقول لإخوانه ليس هناك على همة العاملين مايسمونه مستحيلاً إذا ما أخلصوا في عملهم وصدقت عزيمتهم، واتخذوا من القرآن الكريم دليلاً، وعرفوا معانيه وتدبروها كما يجب أن يتدبروها.
ثامناً: حليته:
كان أزهر اللون مدور الوجه أقنى الأنف خفيف العارضين واللحية، أشقر الشعر معتدل القامة، رقيق الحاجبين أزجهما، واسع الثغر، فصيح اللسان، جهوري الصوت مع رقة فيه، واسع العينين وفي احداهما انكسار لايكاد يظهر، طويل العنق، عريض الصدر والمنكبين من رآه مرة هابه وإذا خالطه وكالمه ألفه وأحبه.
تاسعاً: هوايته:
كان يهوى اقتناء الخيل، ويحسن ركوبها، إلى درجة عالية من المهارة، وكان يستطيع التقاط بعض الشئ من الأرض من على ظهر الجواد في أثناء عدوه، كما كان يستطيع الوقوف على رجليه، وعلى رأسه على ظهر الجواد أثناء عدوه، ويستطيع اصابة مايريده من المرمى، وكان يشجع اتباعه وإخوانه على تعلم الفروسية ويقول لهم: إن ذلك من صميم السنّة.
للاطلاع على النسخة الأصلية للكتاب راجع الموقع الرسمي للدكتور علي محمد الصلابي، وهذا الرابط:
alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/Book180.pdf