وفاة ابن السنوسي...وجاءت النهاية
بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي
الحلقة الواحدة العشرون
صفر 1441 ه/ أكتوبر 2019
كان ابن السنوسي يشعر بالمرض، منذ مدة، وكان يصارعه بالصبر، وقوة العزيمة، فلم يركن للراحة، ويخضع لوطأة المرض، وشرع في إتمام ماعزم على إقامته، وحاول أن يتغلب على المتاعب والأمراض وكان يمهد الأمور لتولي ابنه محمد المهدي أمر زعامة الحركة السنوسية، ونجح في ذلك، وأقنع الإخوان، وزعماء القبائل بذلك، واشتد عليه المرض في شهر شعبان 1275هـ حتى صار يغيب عن احساسه، وكان يقول : ( أهل الله حملونا شيئاً كثيراً لو نزل على الجبال الراسيات لما اطاقته )، ثم ارتفع بعض ذلك المرض منتصف محرم عام ستة وسبعين ثم تزايد عليه الألم، والأسقام، وصار يغيب أحياناً، ويضيق أحياناً إلى أن دعاه مولاه يوم الأربعاء من صفر الخير بعد طلوع الشمس، وهكذا انتقل إلى جوار ربه.
وقبل الدفن اجتمع الإخوان في المسجد يوم الخميس، وقام فيهم عمران بن بركة خطيباً فألقى كلمة قال فيها: ( حمداً لمن قضى على جميع العباد بالموت وسدد سهمه للإصابة في جميع الوقت، فلا حيف عن سلوك سبيله ولامناص، ولامحيد عن الوقوع في شركه، ولاخلاص، فلم ينج منه أمير ولاوزير، ولاغني ولافقير، ولاشريف، ولاوضيع، ولادني، ولارفيع، حكم بذلك على سائر رسله وأنبيائه وأهل حضرته من أصفيائه، وأوليائه، وعلى الموت نفسه بعد ابقاء المقادير بالموت فلا محيط عنه ولافوت وجعله منة يفتدى بها من أسرار الأكدار وجُنة يتقى بها من سهام الاغترار،)، وبعد أن دفن ابن السنوسي رحمه الله، تولى أمر الحركة ابنه من بعده ( محمد المهدي)، فقام بإرسال خبر وفاة ابن السنوسي إلى شيوخ الزوايا في مختلف الأقطار وكان فيها: (إنه من عبدربه سبحانه محمد المهدي بن السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسن الإدريسي، إلى الأجلاء الأبرار الأصفياء الأخيار أخينا السيد محمد بن إبراهيم الغماري وأخينا اسماعيل بن رمضان، وأخينا وهبة، وكافة إخواننا أهل مكة سلمهم الله آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، ومرضاته وبعد، فقد وصلتنا كتبكم التي أرسلت باسم الوالد رحمه الله تعالى وسقى ثراه وأكرم نزله ومثواه. وكنا قبل هذا أرسلنا إليكم كتبنا وأخبرناكم فيها بما قدره الله وقضاه وأبرمه في أزله وأمضاه ونسأله تعالى أن يجعلنا من عباده الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. واستطرد محمد المهدي في رسالته إلى أن قال: كونوا على ماكنتم عليه من الدلالة على الله تعالى بالحال وبالمقال وصابروا، ورابطوا وتواصوا بالصبر، واذكروا عباد الله فيه وجاهدوا في الله حق جهاده، وكونوا يداً واحدة على من سواكم، وفي الله إخواناً وعلى البر والتقوى أعواناً، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وسلموا منا على كافة الإخوان والمحبين من أهل مكة والمعابد والوادي والطائف وغيرهم.
وقد رثاه الشعراء وهذه قصيدة عبدالرحيم المحبوب يبكي فيها ابن السنوسي حيث يقول:
مابال عينك لا بالنوم تكتحل
ودمعها لايزال اليوم ينهمل
كأنها سمات بالشوك أوكحلت
من الغضي بشواظ كان يشتعل
تخالها مزنة قد لاح بارقها
فاخضل الأرض منها صيب هطل
والوجه أسفع والأعضاء ناحلة
والقلب في شرك الاحزان مختبل
والجنب اذ تدعه حال لمضطجع
كان الوطأ له السعدان والاسل
تئن في لجج الأحلاك من نكد
منه ترى راحة أن يحضر الاجل
أمن تذكر أوزارا سفت لها
أو زار بالطيف من تهوى ولم يصل
ام ذا لفقد حبيب كنت تألفه
وازور دهرك ام قد خانك الأمل؟
يالهف نفسي على ماكان مسكنهم
قلبي وهم ان مضوا سفر به مهل
كانوا الغياث لملهوف ومتجعا
للمجدين إذا مامسهم محل
شدوا الرحال ولم يستأذنوا أحداً
وضل شوقاً لم يبكيهم الطلل
تبكيهم السنة الغراء من عصر
ما أن بمثلهم قد مسها ثكل
يبكيهم ماحوى ( كشف الظنون ) وما
يروى ( الجوامع ) مع ماساره المثل
مع ما روى ( حجة الإسلام ) من حكم
وأعلن الشيخ من رمز له قفل
من ( للصحاح ) (و شمس العلم ) بعدهموا
أو (للشفاء ) و ( للقاموس ) يحتفل
من ( للجلالين ) و ( الكشاف ) ينقذه
( البحر ) ( والنهر ) و ( الأنوار ) ينتخل
من ( للعلوم ) على أقصى تنوعها
من ( للحلوم ) إذا أشفت بها العلل
من ( للمكارم ) و ( الآثار ) يؤثرها
عن الجدود الآلى سارت بهم مثل
والغور والنجد من أرض الحجاز وما
ضاهى ( قبيساً ) بها من فقدهم عطل
إلى أن قال:
فالصبر أولى وعند الله محتسب
أن المصائب أن تعظم لها بدل
توارت الشمس عن عين الحسود بها
أو ذاك رفق ببدر ناله الخجل
وذاك عام (شروع الخطب قلت إذن
مابال عيناك لا بالنوم تكتحل
وهذه قصيدة ألقاها شاعر ليبيا أحمد رفيق المهدوي عام 1956م بمناسبة مرور مائة عام على وفاة ابن السنوسي:
خلدوا، ذكرى أمام المصلحين
سيد المجتهدين العارفين
الامام، ابن السنوسي، الذي
فاق صنف العلماء العاملين
عبقري قد تسامى للعلا
بجلال العلم والدين المتين
وباصلاح ترى آثاره
لم تزل تهد على مر السنين
نشر الدين بعزم صارم
وجهد كجهاد المرسلين
وهدى قوماً على غير هدى
بين جهل وضلال عائشين:
في صحارى يلفح القيظ بها
كشواظ النار فيها الساكنين
وبلاد في غمار مطبق
بظلام البؤس، والغيم المشين
عمها دينا ودنيا فغدا
اهلها من علماء المسلمين !
وبنى فيها (زوايا) أصبحت
منهلاً عذباً لورد الظامئين
ومنارات تشع العلم من
قابس عن نور رب العالمين
بالتآليف التي من فيضها
(سلسبيل) (المنهل) الصافي المعين
و(شفاء الصدر) من رين الهوى
و(بايقاظ لوسنان) مهين
وشروح لعلوم وضحت
ما عصى من مشكلات الأولين
بينت ماجاءنا عن جده
من علوم، وأحاديث، ودين
هذه آثاره من علمه
كلها تدعو الى الحق اليقين
هذا ما استطعت جمعه وتلخيصه عن ابن السنوسي رحمه الله تعالى، وما أردت بالكتابة عن حياته إلا احياء سير المصلحين، والدعاة العاملين، والعلماء الراسخين، لتعلم الأجيال الصاعدة ان لها تاريخاً عريقاً ضارباً في اعماق الزمن يزخر بأمجاد الاسلام، وأن ابن السنوسي ممن واصلوا نهج الصحابة والتابعين في الدعوة الى الله ، وأن سيرته ليست عنا ببعيدة، لعل هذه الصفحات المشرقة تصل الى قلوب دعاة الاسلام في ليبيا، وفي الأمة، فيقتبسوا من سيرته مايحثهم على مواصلة السير لدعوة الله ، والجهاد في سبيله ، وما اردت بذلك إلا وجه الله تعالى هو حسبي عليه توكلت وإليه أنيب ، انتهيت من هذه الترجمة في العشر الأواخر من شهر رمضان ، فاستبشرت بذلك خيراً، وتذكرت رؤيا رأيتها عندما كنت في المعتقل السياسي بطرابلس الغرب عام 1983م، حيث رأيت ابن السنوسي في منامي وقدم لي كأساً مملؤة بالحليب فشربته، ويبدو أن تأويل الرؤيا قد تحقق بكتابة هذا الكتاب، والفضل لله وحده من قبل ومن بعد وأختم هذا الكتاب بهذه الأبيات التي سليت بها نفسي، عندما حذرني بعض الأخوة من نشر م يتعلق بأمجاد السنوسية، لأن ذلك يثير أعداؤهم ضدي، وأنت لاحول لك ولا قوة، فأجبتهم ما أردت بكتابي إلا نصرة الإسلام، وقلت لهم بأن هذه الأمجاد ليست خاصة بالسنوسية بل هي لكل مسلم وتلوت قول الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 64].
أما الأبيات فهي:
لاتطلبن من غير ربك حاجة
إن كنت بالرحمن ذا إيمان
ومن الذي يستبدل الضعفاء
والفقراء والبخلاء بالرحمن
أو يشتري الظلمات بالأنوار أو
يرضى يعود بأخسر الخسران
فوض إلى المعبود أمرك كله
وافزع إلى المولى بغير تواني
واقرع إذا نام الأنام وغلَّقوا
أبوابهم باب النوال الهاني
باب الذي بسط اليدين بليله
ونهاره لتدارك العصيان
ويداه مبسوطان للإحسان ما
قبضت يد خوفاً من النقصان
باب الذي إن لم تسله فضله
يغضب فكيف يرد بالحرمان
باب المجيب إذا دعاه مرتج
لاج إليه ماله من ثاني
باب الذي يغنيك عن زيد وعن
عمرو وعن ثان وعن أعوان
باب الذي لاخير إلا عنده
بيديه كل منى وكل أمان
باب الذي يرجى لكل ملمة
لعظائم الآلام والحدثان
الحي قيوم الخلائق كلها
الواسع الرُّحْمَى عظيم الشان
للاطلاع على النسخة الأصلية للكتاب راجع الموقع الرسمي للدكتور علي محمد الصلابي، وهذا الرابط:
alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/Book180.pdf