الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

غزوة فتح مكَّة (8 هـ) أسبابها، والاستعداد للخروج والشُّروع فيه: 
بقلم الدكتور علي محمد الصلابي 
الحلقة 111 


أوَّلاً: أسبابها:
1 - ارتكبت قريش خطأً فادحاً عندما أعانت حلفاءها بني بكرٍ على خُزاعة حليفة المسلمين بالخيل، والسِّلاح، والرِّجال، وهجم بنو بكرٍ، وحلفاؤهم على قبيلة خُزاعة عند ماءٍ يقال له: الوَتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، ولـمَّا لجأت خُزاعة إلى الحرم الآمن، ولم تكن متجهِّزةً للقتال، لتمنع بني بكرٍ منه؛ قالت لقائدهم: يا نوفل! إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك، إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر! أصيبوا ثأركم، عندئذٍ خرج عمرو بن سالم الخُزاعيُّ في أربعين من خُزاعة، حتَّى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكرٍ، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريشٍ بني بكرٍ عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني النَّاس، فقال:
 يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا
 حِلْفَ أَبِيْنَا وأَبِيْهِ الأَتْلَدَا
 قَدْ كُنْتُم وُلْداً، وَكُنَّا وَالِدا
 ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يدا
 فانْصُرْ هَدَاكَ الله نَصْراً أَعْتَدَا
 وادْعُ عِبَادَ الله يأْتُوا مَدَدَا
 فِيْهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا
 إِنْ سِيْم خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
 فِيْ فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزبِدَا
 إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا
 ونقَضُوا مِيْثَاقَك المُؤَكَّدا
 وجَعَلُوا لي في (كَدَاءٍ) رُصَّدا
 وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أدْعُو أحدَا
 وَهُمْ أَذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدَا
 هُمْ بَـيَّـتُونَا بالوَتِيْرِ هُجَّدَا
 وقَتَلُونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «نُصرتَ يا عمرو بن سالم! لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب!» ولـمَّا عرَض السَّحاب مِنَ السَّماء؛ قال: «إنَّ هذه السَّحابة لتستهلُّ بنصر بني كعبٍ». [البيهقي في الكبرى (9/233 - 234)، وفي الدلائل (5/6 - 7)، وابن هشام (4/36 - 37)، وابن كثير في البداية والنهاية (4/278)].
وجاء في روايةٍ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سمع، وتأكَّد من الخبر؛ أرسل إلى قريش، فقال لهم: «أما بعد: فإنَّكم إنْ تبرؤوا من حلف بني بكرٍ، أتُدوا خُزاعة، وإلا أوذنكم بحربٍ، فقال قرظة بن عبد عمروٍ بن نوفل بن عبد منافٍ صهر معاوية: إنَّ بني بكرٍ قومٌ مشائيم، فلا ندري ما قتلوا لنا سبَدَ، ولا لَبَد، ولا نبرأ من حلفهم، فلم يبقَ على ديننا أحدٌ غيرهم، ولكن نؤذنه بحربٍ.
وفي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفاجئ قريشاً بالحرب، وإنَّما خيَّرهم بين هذه الخصال الثلاث فاختاروا الحرب.
2 - أبو سفيان يحاول تلافي حماقة قريش:
بعثت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصُّلح، وإطالة أمده، وعندما وصل إلى المدينة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض حاجته؛ أعرض عنه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ولم يجبه، فاستعان بكبار الصَّحابة أمثال أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ؛ حتَّى يتوسطوا بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبوا جميعاً، فعاد أبو سفيان إلى مكَّة من غير أن يحظى بأيِّ اتفاقٍ، أو عهدٍ، وممَّا يذكر عند نزوله في المدينة أنَّه لـمَّا دخل على ابنته أمِّ حبيبة - أمِّ المؤمنين - وأراد أن يجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ طوته عنه، فقال: يا بنية! ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عنِّي؟ قالت: بل هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت مشركٌ نجس! قال: والله! لقد أصابك بعدي شرٌّ.
وهذا الموقف لا يستغرب من أمِّ حبيبة، فهي ممَّن هاجر الهجرتين، وقد قطعت صِلاتِها بالجاهليَّة منذ أمدٍ بعيد، إنَّها لم ترَ أباها منذ ستَّ عشرة سنة، فلـمَّا رأته لم تر فيه الوالد الَّذي ينبغي أن يُقدَّر، ويُحترم، وإنَّما رأت فيه رأس الكفر الَّذي وقف في وجه الإسلام، وحارب رسوله صلى الله عليه وسلم تلك السَّنوات الطَّويلة، وهذا ما كان يتَّصف به الصَّحابة رضي الله عنهم من تطبيق أحكام الإسلام في الولاء، والبراء، وإعزاز الإسلام، والمسلمين.
وفي مخاطبة أمِّ حبيبة لأبيها بهذا الأسلوب - مع كونه أباها، ومع مكانته العالية في قومه، وعند العرب - دليلٌ على قوَّة إيمانها، ورسوخ يقينها، لقد كان في سلوك أمِّ حبيبة مظهرٌ من اجتهاد الصَّحابة البالغ في إظهار أمرٍ له أهمِّيَّته البالغة في المحافظة على شخصيَّة المسلم، ودفع معنويَّته إلى النَّماء، والحيويَّة.
وأمام نقض قريشٍ للعهود والمواثيق مع المسلمين، فقد عزم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكَّة، وتأديب كفَّارها، وقد ساعده على ذلك العزم بعد توفيق الله عدَّة أسبابٍ؛ منها:
أ - قوَّة جبهة المسلمين الدَّاخليَّة في المدينة، وتماسكها، فقد تخلَّصت الدَّولة الإسلامية من غدر اليهود، وتمَّ القضاء على يهود بني قينقاع، وبني النَّضير، وبني قريظة، ويهود خيبر.
ب - ضعف جبهة الأعداء في الدَّاخل؛ وفي مقدَّمة هؤلاء: المنافقون؛ الَّذين فقدوا الركن الرَّكين لهم، وهو يهود المدينة، فهم أساتذتهم الَّذين يوجِّهونهم، ويشيرون عليهم.
ج - اهتمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتطوير القوَّة العسكريَّة، وإرسال السَّرايا في فترة الصُّلح، وبذلك أصبحت متفوِّقةً على قوَّة مشركي قريش، حيث العدد والعُدَّة، والرُّوح المعنويَّة.
د - كانت الغزوة بعد أن ضعفت قريش اقتصاديّاً، وبعد أن قويت الدَّولة الإسلاميَّة اقتصاديّاً، فقد فتح المسلمون خيبر، وغنموا منها أموالاً كثيرةً.
ه - انتشار الإسلام في القبائل المجاورة للمدينة، وهذا يطمئن القيادة حين تتَّخذ قرارها العسكري بنقل قوَّاتها، ومهاجمة أعدائها.
و - قيام السبب الجوهريِّ، والقانونيِّ لغزو مكَّة، وهو نقض قريش للعهد، والعقد، ونلحظ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يضيِّع قانون الفرصة، وتعامَلَ معه بحكمةٍ بالغةٍ، فكان فتح خيبر، وذلك بعد صلح الحديبية، والان تُتاح فرصةٌ أخرى بعد أن نقضت قريش عهدها، وتغيَّرت موازين القوى في المنطقة، فكان لابدَّ من الاستفادة من المُعْطيات الجديدة، فأعدَّ صلى الله عليه وسلم جيشاً لم تشهد له الحجاز مثيلاً من قبل، فقد وصلتْ عدَّته إلى عشرة الاف رجلٍ.
ثانياً: الاستعداد للخروج:
إنَّ حركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بناء الدَّولة، وتربية المجتمع، وإرسال السَّرايا، وخروجه في الغزوات تعلِّمنا كيفيَّة التَّعامل مع سنَّة الأخذ بالأسباب، سواءً كانت تلك الأسباب مادِّيَّة أو معنويَّةً، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السُّنَّة واضحةً في هديه صلى الله عليه وسلم ، فعندما قرَّر صلى الله عليه وسلم السَّير لفتح مكة؛ حرص على كتمان هذا الأمر حتَّى لا يصل الخبر إلى قريش، فتعد العدَّة لمجابهته، وتصدُّه قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه، وشرع في الأخذ بالأسباب الآتية لتحقيق مبدأ المباغتة:
1 - أنَّه كتم أمره حتَّى على أقرب النَّاس إليه:
فقد أخذ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بمبدأ السِّرِّيَّة المطلقة، والكتمان الشَّديد حتَّى عن أقرب النَّاس إليه، وهو أبو بكر رضي الله عنه أقربُ أصحابه إلى نفسه، وزوجتُه عائشة رضي الله عنها أحبُّ نسائه إليه، فلم يعرف أحدٌ شيئاً عن أهدافه الحقيقية، ولا اتِّجاه حركته، ولا العدوِّ الَّذي ينوي قتاله، بدليل أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مَقْصَدِ الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له: ما سمَّى لنا شيئاً، وكانت أحياناً تصمت، وكلا الأمرين يدلاَّن على أنَّها لم تعلم شيئاً عن مقاصده صلى الله عليه وسلم .
ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنَّه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنهنَّ ربما يُذِعْنَ شيئاً من هذه الأسرار عن حسن نيَّةٍ، فتتناقلها الألسن حتَّى تصير سبباً في حدوث كارثةٍ عظيمةٍ.
2 - أنه بعث سريَّةً بقيادة أبي قتادة إلى بطن إِضَم:
بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل مسيره إلى مكَّة سَرِيَّةً مكوَّنةً من ثمانية رجال، وذلك لإسدال السِّتار على نياته الحقيقيَّة، وفي ذلك يقول ابن سعد: «لـمَّا همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكَّة بعث أبا قتادة بن ربْعِي في ثمانية نفرٍ سَرِيَّةً إلى بطن إِضَم، لِيَظُنَّ الظَّانُّ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توجَّه إلى تلك النَّاحية، فمضوا، ولم يلقوا جمعاً، فانصرفوا حتَّى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلغهم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه إلى مكَّة، فأخذوا على (بيبن) حتَّى لقُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالسُّقيا».
وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر، وسلوك ما يمكن من أساليب التَّضليل على الأعداء والإيهام، الَّتي من شأنها صرف أنظار النَّاس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلاميَّة الَّتي تخرج من أجل الجهاد في سبيل الله، حتى تُحقِّق أهدافها، وتَسْلَم من كيد أعدائها.
3 - أنَّه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء:
بثَّ صلى الله عليه وسلم رجال استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة داخل المدينة، وخارجها؛ حتَّى لا تنتقلَ أخبارُه إلى قريشٍ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب، فكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قيماً بهم، فيقول: لا تَدَعُوا أحداً يمرُّ بكم تنكرونه إلا رددتموه، إلا مَنْ سلك إلى مكَّة فإنَّه يُتَحفَّظ به، ويُسأل عنه، أو ناحية مكَّة.
إنَّ جَمْعَ المعلومات سلاحٌ ذو حدَّين، وقد استفاد الرَّسول صلى الله عليه وسلم من حدِّه النافع لصالح المسلمين، وأبطل مفعول الحدِّ الآخر باتباعه السِّرِّيَّة، واتخاذها أساساً لتحرُّكاته، واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوَّة المناسبة.
4 - دعاؤه صلى الله عليه وسلم بأخذ العيون والأخبار عن قريش:
وبعد أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسباب البشريَّة الَّتي في استطاعته؛ توجَّه إلى الله - عزَّ وجلَّ - بالدُّعاء والتَّضرُّع قائلاً: «اللَّهُمَّ! خذ على أسماعهم، وأبصارهم فلا يَرَوننا إلا بغتةً، ولا يسمعون بنا إلا فجأة». [البيهقي في الدلائل (5/11)].
وهذا شأن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أموره يأخذ بجميع الأسباب البشريَّة، ولا ينسى التَّضرُّع، والدُّعاء لربِّ البريَّة؛ ليستمدَّ منه التَّوفيق والسَّداد.
5 - إحباط محاولة تجسُّس حاطبٍ لصالح قريش:
عندما أكمل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكَّة يخبرهم فيه نبأ تحرك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليهم، ولكنّ الله - سبحانه وتعالى - أطلع نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي على هذه الرِّسالة، فقضى صلى الله عليه وسلم على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً، والزُّبير، والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخٍ على بعد اثني عشر ميلاً من المدينة، وهدَّدوها أن يفتِّشوها إن لم تُخرِج الكتاب؛ فسلَّمته لهم، ثمَّ استدعى حاطباً رضي الله عنه للتَّحقيق، فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إنِّي كنت امرأً مُلصَقاً في قريشٍ - يقول: كنت حليفاً - ولم أكن من أنفُسِها، وكان مَنْ معك من المهاجرين مَنْ لهم قراباتٌ يحمون بها أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أتَّخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنَّه قد صدقكم».
فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! دعني أضربْ عنق هذا المنافق! فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلَّ الله اطَّلع على مَنْ شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم». [أحمد (1/79 - 80)، والبخاري (3983)، ومسلم (2494)].
فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [الممتحنة: 1].
إنَّ الآية السَّابقة رسمت منهجاً للمسلمين في تعاملهم مع الكافرين، فمعنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
قال القرطبيُّ: السُّورة أصلٌ في النَّهي عن موالاة الكفار، والمراد بهم: المشركون، والكفَّار الذين هم محاربون لله، ولرسوله، وللمؤمنين الَّذين شرع الله عداوتهم، ومصارمتهم، ونهى أن يُـتَّخذوا أولياء، وأصدقاء.
وقوله تعالى: أي: تخبرونهم بسرائر ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾، وتنصحون لهم، وهم كافرون بنبيِّكم، وبقرآنكم الَّذي أنزله الله عليكم بالحقِّ الواضح.
وقوله تعالى: قال ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ كثير: هذا مع ما قبله من التَّهييج على عداوتهم، وعدم موالاتهم؛ لأنَّهم أخرجوا الرَّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بين أظهركم كراهةً لما هم عليه من التَّوحيد، وإخلاص العبادة لله وحدَه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أي: لم يكن لكم عندهم ذنبٌ إلا إيمانكم بالله ربِّ العالمين.
وقوله تعالى: أي: إن كنتم كذلك فلا تتَّخذوهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم؛ فلا توالوا أعدائي، وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم، وأموالكم حَنَقاً عليكم، وسُخطاً لدينكم.
وقوله تعالى: أي: تُسِرُّون إليهم ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾، قال ابن كثير: أي: تفعلون ذلك ؛ وأنا العالم بالسَّرائر، والضَّمائر، والظواهر.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: أي: مَنْ يُسِرُّ لهم ويكاتِبُهم منكم فقد أخطأ قَصْدَ الطريق.
يقول أستاذي، وشيخي الدكتور محمَّد بن بكر ال عابد: هذه الآية الكريمة نجدها تمهيداً بين يدي فتح مكَّة حيث حثَّ الله المسلمين على عدم موالاة الكفار، حتى لا يتأثَّر المهاجرون بروابط الرَّحم، والقربى، والمصلحة المادِّيَّة التي كانت تربط كثيراً منهم بأهل مكَّة.
ويقول الأستاذ سيِّد قطب: على الرَّغم من كلِّ ما ذاق المهاجرون من العنت، والأذى من قريش؛ فقد ظلَّت بعض النُّفوس تودُّ لو وقعت بينهم وبين أهل مكَّة المحاسنة، والمودَّة، وأن لو انتهت هذه الخصومة القاسية الَّتي تكلِّفهم قتال أهليهم، وذوي قرابتهم، وتقطع ما بينهم، وبينهم من صلاتٍ، وكأنَّ الله يريد استقصاء هذه النُّفوس، واستخلاصها من كلِّ هذه الوشائج، وتجريدها لدينه، وعقيدته، ومنهجه... فكان يأخذهم يوماً بعد يوم بعلاجه النَّاجع البالغ؛ بالأحداث، وبالتَّعقيب على الأحداث؛ ليكون العلاج على مسرح الأحداث، وليكون الطَّرْقُ؛ والحديدُ ساخنٌ.
إنَّ ما قام به حاطبٌ أمرٌ عظيـمٌ، ولذلك نزل القرآن الكريم يوجِّه المجتمع المسلم نحو ما يجب عليهم فعلُه نحو أعداء دينهم، كما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عامل حاطباً معاملـةً رحيمةً تـدلُّ على حرصـه الشَّديد على الوفاء لأصحابـه، وإقالـة عثرات ذوي السَّوابق الحسنة منهم، لقد جعل صلى الله عليه وسلم من ماضي حاطب المجيد سبباً في العفو عنه.
وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ، فلم ينظر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب، وإن كانت كبيرةً، وإنَّما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى، وإعزاز دينه، فوجد: أنَّه قد شهد بدراً، وفي هذا توجيهٌ للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرةً متكاملـةً، وذلك بأن ينظروا فيما قدَّموه لأمَّتهم من أعمالٍ صالحةٍ في مجال الدَّعوة، والجهاد، والعلم، والتَّربية، فإنَّ الَّذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمَّـة يستحقُّ التَّقديـر، والاحترام، وإن بدرت منـه بعـض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خطـأً محضاً، وزلَّـة قدمٍ، فكيف إذا كان ما صدر منهم رأياً علميّاً ناتجاً عن الاجتهاد؛ وهم أهلٌ لذلك؟!
إنَّ بعض طلاَّب العلم في عصرنا هذا يتسرَّعون في نقد العلماء، والدُّعاة بسبب آراء اجتهاديَّةٍ يرى بعض العلماء أنَّهم أخطؤوا فيها، وقد يصل النَّقد إلى حدِّ السُّخريَّة، والاستهزاء بهم، وترى هؤلاء الطُّلاب يُجسِّمون أخطاء هؤلاء الكبار، ويبرزونها بشكلٍ يوحي للسَّامعين، والقرَّاء: أنَّ أولئك الَّذين تعرَّض إنتاجهم للنَّقد ليس لهم أيُّ رصيدٍ في خدمة الإسلام والمسلمين، والمفترض في هذا المجال أن تُذكر حسنات هؤلاء أوَّلاً، ويعرَّف المسلمون بجهادهم، وبلائهم في الإسلام، وجهودهم في مجال العلم، والدَّعوة، ثمَّ تُذكر الأمور، الَّتي يراها المنتقدون أخطاء، وما يرونه من الصَّواب في ذلك من لزوم الأدب في النَّقد العلميِّ، والبعد عن أسلوب السُّخرية، والتَّنقيص، هذا شيءٌ مما يرشدنا له أسلوب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في مواجهة هذا الخطأ الكبير الَّذي ارتكبه حاطبُ بن أبي بلتعة رضي الله عنه، إنَّ تاريخ حاطب الكبير في الجهاد في سبيل الله شفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك لم يتعرَّض للإدانة، أو للعقوبة، بل كان مانعاً له ممَّا هو أقلُّ من ذلك، حيث لم يُسمَع من مسلمٍ كلمةٌ واحدةٌ في نقده، والإساءة إليه بعد قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : «ولا تقولوا له إلا خيراً». 
ومن الحوار الَّذي تمَّ بين الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وعُمر بن الخطَّاب في شأن حاطبٍ يمكن أن نستخرج بعض الدُّروس، والعبر:
1 - حكم الجاسوس القتل: فقد أخبر عمر بذلك، ولم ينكر عليه الرَّسول صلى الله عليه وسلم ولكن منع مِنْ إيقاع العقوبة كونُه بدريّاً.
2 - شدَّة عمر في الحقِّ: لقد ظهرت هذه الشدة في الحقِّ، وغيرتُه على الدِّين حينما طالب بضرب عنق حاطبٍ.
3 - الكبيرة لا تسلُبُ الإيمان: إنَّ ما ارتكبه حاطبٌ كبيرةٌ، وهي التجسُّس؛ ومع هذا ظلَّ مؤمناً.
4 - لقد أطلق عمر على حاطبٍ صفة النِّفاق بالمعنى اللُّغويِّ لا بالمعنى الاصطلاحي في عهده رضي الله عنه؛ إذ النِّفاق: إبطانُ الكفر، والتَّظاهر بالإسلام، وإنَّما الَّذي أراده عمر: أنَّه أبطن خلاف ما أظهر؛ إذ أرسل كتابه الَّذي يتنافى مع الإيمان الذي خرج يُجاهد من أجله، ويبذل دمه في سبيله.
5 - تأثَّر عمر من ردِّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، فتحوَّل في لحظاتٍ من رجلٍ غاضبٍ ينادي بإجراء العقوبة الكبيرة على حاطبٍ إلى رجلٍ يبكي من الخشية، والتأثير، ويقول: الله، ورسولُه أعلم؛ ذلك لأنَّ غضبه كان لله، ولرسوله، فلـمَّا تبيَّن له أنَّ الَّذي يُرْضي الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم هو غضُّ النَّظر عن ذلك الخطأ، ومعاملة صاحبه بالحسنى تقديراً لرصيده في الجهاد؛ استجاب لذلك.
6 - لا سابقة يُقتدى بها في عمل حاطبٍ؛ ذهب لهذا الرأي الدُّكتور عبد الكريم زيدان؛ حيث قال: لا يجوز الاقتداء بعمل حاطبٍ في العفو عمَّن يعمل عمله؛ لأن العفو عنه كان لِعِلَّةٍ لم يعد يمكن تحقيقها في غيره بعد عصر الصَّحابة وهو كونه شهد بدراً، فعلى الجَمَاعة أن تفقه ذلك، وهذا ما فقهه الإمام مالك؛ إذ قال: يقتل الجاسوس المسلم؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ إسلام الجاسوس لا يعصمه ولا يقيه من عقوبة القتل لخطورة جرمه؛ فإذا فعل أحد أعضاء الجماعة ما فعله حاطبٌ، أو بمستواه من الخطورة عوقب بما يستحقُّه. وناقش هذه المسألة العلامة ابن القيِّم، وذكر أقوال الأئمَّة الأربعة، ثم قال: والصَّحيح: أنَّ قتله راجعٌ إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحةً للمسلمين؛ قتله، وإن كان استبقاؤه أصلحَ؛ استبقاه.
ثالثاً: الشُّروع في الخروج، وأحداثٌ في الطَّريق:
1 - خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصداً مكَّة في العاشر من رمضان من العام الثامن للهجرة،
واستخلف على المدينة أبا رُهْمٍ، كلثوم بن حُصَيْن بن عُتبة بن خلف الغفاريَّ، وكان عدد الجيش عشرة الاف، فيهم المهاجرون، والأنصار الَّذين لم يتخلَّف منهم أحدٌ، فلـمَّا وصل الجيش الكُدَيْدَ - الماء الذي بين قديد وعُسفان - أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر النَّاس معه. [البخاري (4275)، ومسلم (1113)].
وفي الجحفة لقيه العبَّاس بن عبد المطلب عمُّه وقد خرج مهاجراً بعياله، فسُرَّ صلى الله عليه وسلم ، وفي خروج العبَّاس بأهله، وأولاده من مكَّة وكان بها بمثابة المراسل العسكريِّ، أو مدير الاستخبارات هناك يشير إلى أنَّ مهمَّته فيها قد انتهت، وخاصَّةً إذا لاحظنا أنَّ بقاءه في مكَّة كان بأمر الرَّسول صلى الله عليه وسلم  .
2 - إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أمية:
خرج أبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أميَّة بن المغيرة من مكَّة، فلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب فيما بين مكَّة والمدينة، فالتمسا الدُّخول عليه، فكلَّمته أمُّ سلمة، فقالت: يا رسول الله! ابن عمِّك، وابن عمَّتك، وصهرُك، فقال: «لا حاجة لي فيهما، أمَّا ابن عمِّي؛ فهتك عرضي، وأما ابن عمَّتي، وصهري، فهو الذي قال لي بمكة ما قال». فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بن الحارث ابنٌ له، فقال: واللهِ! ليأذننَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، أو لاخذنَّ بيد ابني هذا، ثمَّ لنذهبنَّ في الأرض حتَّى نموت عطشاً، أو جوعاً، فلـمَّا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما، فدخلا عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذاره ممَّا كان مضى فيه، فقال:
 لَعَمْرُكَ إنِّيْ يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً
 لِتَغلِبَ خَيْلُ الَّلاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
 لكالمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ
 فَهَذا أَوَانُ الحَقِّ أُهْدَى وأَهْتَدِي
 فَقُلْ لِثَقِيْفٍ لاَ أُرِيْدُ قِتَالَكُمْ
 وَقُلْ لِثَقِيْفٍ تِلْكَ عِنْدِي فأَوْعِدِي
 هَدَاني هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلَّني
 عَلَى اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
 أَفِرُّ سَرِيْعاً جَاهِداً عَنْ مُحَمَّدٍ
 وأُدْعَى وَإِنْ لَمْ أَنْتَسِبْ لِمُحَمَّدِ
 هُمُ عُصْبَةٌ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمُ
 وإِن كان ذا رأْيٍ يُلَمْ ويُفَنَّدِ
 أُرِيْدُ لأَرْضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلاَئطٍ
 مَـعَ الـقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ في كُلِّ مَقْعَدِ
 فَمَا كُنْتُ في الجَيْشِ الَّذي نَالَ عَامِرَاً
 ومَا كانَ عَنْ غَيْرِ لِسَانِي ولاَ يَدِي
 قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلاَدٍ بَعِيْدِةٍ
 تَوَابِعُ جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وَسَرْدَدِ
 وإِنَّ الَّذي أَخْرَجْتُمُ وَشَتمْتُمُ
 سَيْسَعَى لَكُمْ سَعْيَ امْرئ غَيْرَ مُقْدَدِ
قال: فلـمَّا أنشد رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم : على الله مَنْ طَرَّدْتَ كُلَّ مُطَرَّدٍ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، فقال: «أنت طَرَّدْتَنِي كلَّ مُطَرَّد». [ابن سعد (4/49 - 50)، والطبراني في الكبير (7264)، والطبري في تاريخه (3/114 - 115)، والبيهقي في الدلائل (5/27 - 28)، وابن هشام (4/43 - 44)، ومجمع الزوائد (6/165)].
كان أبو سفيان بن الحارث يهجو بشعره رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً، وأمَّا عبد الله بن أميَّة ؛ فقد قـال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : فوالله ! لا أؤمِنُ بـك حتَّى تتَّخـذَ إلى السَّماء سُلَّماً، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليك حتَّى تأتيها، ثمَّ تأتي بصكٍّ معه أربعة من الملائكة يشهدون لك، كما تـقول، ثـمَّ وايم الله! لـو فعلتَ ذلك ما ظننت أنِّـي أصدِّقك.
ومع فداحة جرمهما فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عفا عنهما، وقبل عذرهما، وهذا مثالٌ عالٍ في الرَّحمة، والعفو، والتَّسامح، ولقد كفَّر أبو سفيان بن الحارث عن أشعاره السَّابقة بهذه القصيدة البليغة الَّتي قالها في مدح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبيان اهتدائه به، ولقد حسُن إسلامه، وكان له موقفٌ مشرِّفٌ في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة حُنَين.
3 - النُّزول بمرِّ الظَّهران وإسلام أبي سفيان بن حربٍ سيِّد قريش:
وتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره حتى أتى مَرَّ الظَّهْران، فنزل فيه عشاءً، فأمر الجيش، فأوقدوا النِّيران، فأوُقِدَت عشرةُ الاف نارٍ، وجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الحرس عمرَ بن الخطَّاب.
قال العبَّاس: فقلت: واصباح قريش! والله! لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة عَنْوَةً قبل أن يأتوه، فيستأمنوه: إنَّه لهلاك قريش إلى اخر الدَّهر! وركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج يلتمس مَنْ يوصل الخبر إلى مكَّة؛ ليخرجوا إلى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عَنْـوَةً، وكان أبو سفيان، وحكيم بن حزام، وبُدَيْل بن ورقاء خرجوا يلتمسون الأخبار، فلـمَّا رأوا النِّيران؛ قال أبو سفيان: ما رأيت كاللَّيلة نيراناً قطُّ، ولا عسكراً، فقال بُدَيْل: هذه والله خُزاعة حمَشَتْها الحربُ، فقال أبو سفيان: خزاعة أذلُّ، وأقلُّ من أن تكون هـذه نيرانها،وعسكرها! وسمع العباس أصواتهم، فعرفهم فقال: يا أبا حنظلة! فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: مَالَك؟ فداك أبي وأمي! قال العبَّاس: قلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في النَّاس واصباح قريشٍ واللهِ! قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي! قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتَّى اتي بك رسول الله، فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي، ورجع صاحباه، فجئت به، كلَّما مررت بنارٍ من نيران المسلمين قالوا: مَنْ هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها؛ قالوا: عمُّ رسولِ الله على بغلته، حتَّى مررت بنار عمر بن الخطَّاب فقال: مَنْ هذا؟ وقام إليَّ فلـمَّا رأى أبا سفيان على عجز الدَّابة قال: أبو سفيان عدوُّ الله! الحمد لله الَّذي أمكن منك بغير عَقْدٍ، ولا عهدٍ، ثمَّ خرج يشتدُّ نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله! هذا أبـو سفيان، قد أمكن الله منه بغير عَقْدٍ، ولا عهدٍ، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله! إنِّي قد أجرته.
فلما أكثر عمر في شأنه؛ قلت: مهلاً يا عمر! فوالله! أن لو كان من بني عديٍّ ما قلت هذا، ولكنَّك قـد عرفت أنَّـه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهـلاً يا عباس ! فوالله لإسلامُك يـوم أسلمت كان أحبَّ إلي من إسـلام الخطَّاب لو أسلم، وما بي إلا أنِّي قد عرفت أنَّ إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطَّاب لو أسلم، فقال صلى الله عليه وسلم : «اذهب به يا عباس! إلى رحلك، فإذا أصبحت؛ فائتني به».
فلـمَّا أصبح؛ غدوت به، فلـمَّا راه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يَأْنِ لك أن تعلم أنَّه لا إله إلا الله؟!» قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمَك، وأوصلَك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إلهٌ غيره لقد أغنى عنِّي بعد. قال: «ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنِّي رسولُ الله ؟!».
قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك، وأكرمَك، وأوصلَك ! أمَّا هذه والله! فإنَّ في النَّفس منها حتَّى الان شيئاً. فقال له العبَّاس: ويحك! أسلم قبل أن تُضْرَب عنقُك، قال: فشهد شهادة الحقِّ، فأسلم.
قال العبَّاس: قلت: يا رسول الله! إنَّ أبا سفيان رجلٌ يحبُّ الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: «نعم! مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» فلـمَّا ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عباس! احبسه بمضيق الوادي عند خَطْم الجبل، حتَّى تمرَّ به جنود الله، فيراها».
قال: فخرجت حتَّى حبستُـه حيث أمرنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرَّت القبائل على راياتها، كلَّما مرَّت قبيلـةٌ ؛ قال: يا عباس! مَنْ هذه؟ فأقول: سُليم. فيقول: مالي، ولسُليم! ثمَّ تمرُّ به القبيلة، فيقول: يا عباس! مَنْ هؤلاء؟ فأقول: مُزينة، فيقول: مالي ولمزينة!... حتَّى مرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون، والأنصار، لا يُرى منهم إلا الْحَدَقُ من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس! مَنْ هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين، والأنصار.
قـال: ما لأحـدٍ بهؤلاء قِبَـلٌ، ولا طاقـةٌ ! ثمَّ قال: والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً، قال: قلت: يا أبا سفيان! إنَّها النُّبوَّة. قال: فنعم إذاً، قال: قلت: النَّجاءَ إلى قومك. [البخاري (4280) وعبد الرزاق في المصنف (5/374 - 378)، وابن سعد (2/134 - 137)، والبيهقي في الدلائل (5/32 - 35)، والمطالب العالية (4/244 - 246)، ومجمع الزوائد (6/164 - 167)، وابن هشام (4/44 - 47)].
إنَّ في هذه القصَّة دروساً، وعبراً، وحِكَماً في كيفيَّة معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للنُّفوس البشريَّة، ومن أهم هذه الدُّروس:
1 - عندما أصبح أبو سفيان رهينةً بيد المسلمين، وأصبح رهن إشارة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَهَمَّ به عمر، وأجاره العبَّاس، ثمَّ جاء في صبيحة اليوم الثاني لِيَمْثُلَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت المفاجأة الصَّاعقة له بدل التَّوبيخ، والتَّهديد، والإذلال أن يُدْعى إلى الإسلام، فتأثَّر بهذا الموقف، واهتزَّ كيانُـه، فلم يملك إلا أن يقول: بأبي أنت وأمِّي يا محمد! ما أحلمَك، وأكرمَك، وأوصلَك! إنَّه يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمِّه، ويُثني عليه الخير كلَّه: ما أحلمَك، وأكرمَك، وأوصلَك! وعندما قال العبَّاس للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : إنَّ أبا سفيان رجلٌ يحبُّ الفخر، فاجعل له شيئاً، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «نعم! مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن..» ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيءُ يُشْبِع ما تتطلَّع إليه نفس أبي سفيان، وفي هذا تثبيتٌ له على الإسلام، وتقويةٌ لإيمانه، وكان هذا الأسلوب النَّبويُّ الكريم عاملاً على امتصاص الحِقْدِ من قلب أبي سفيان، وبرهن له بأنَّ المكانة الَّتي كانت له عند قريش لن تنتقص شيئاً في الإسلام؛ إنْ هو أخلص له، وبذل في سبيله، وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ على العلماء، والدُّعاة إلى الله أن يستوعبوه، ويعملوا به في تعاملهم مع النَّاس.
2 - وفي قـول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمِّـه العبَّاس عن أبـي سفيان: «احبِسْه بمضيق الوادي، حتَّى تمرَّ به جنود الله، فيراها» ففعل العبَّاس، وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يشنَّ حرباً نفسيَّةً للتَّأثير على معنويَّات قريش، حتى يتسنَّى له القضاء على روح المقاومة عند زعيم مكَّة، وحتَّى يرى أبو سفيان بِعَيْنَيْ رأسه مدى قوَّة ما وصل إليه الجيش الإسـلاميُّ من تسـليحٍ، وتنظيمٍ، وحسن طاعةٍ، وانضباطٍ، وبذلـك تتحطَّم أيُّ فكرةٍ في نفوس المكِّيِّين يمكن أن تحملهم على مقاومة هذا الجيش المبارك إذا دخل مكَّة لتحريرها من براثن الشِّرك، والوثنيَّة، وبالفعل تمَّ ما رسمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأدرك أبو سفيان قوَّة المسلمين، وأنَّه لا قِبَل لقريشٍ بهم، حتَّى إذا مرَّت به كتيبة المهاجرين، والأنصار؛ قال أبو سفيان: سبحان الله! يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين، والأنصار. قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَلٌ، ولا طاقةٌ! والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً، قال: قلت: يا أبا سفيان! إنَّها النُّبوَّة. قال: فنعم إذاً...».
إنَّها النُّبوَّة، تلك هي الكلمة الَّتي أدارتها الحكمة الإلهيَّة على لسان العبَّاس، حتَّى تصبح الردَّ الباقي إلى يوم القيامة على كلِّ مَنْ يتوهَّم، أو يوهم أنَّ دعوة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إنَّما كانت ابتغاء ملكٍ، أو زعامةٍ، أو إحياء قوميَّةٍ، أو عصبيَّةٍ، وهي كلمةٌ جاءت عنواناً لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوَّلها إلى اخرها، فقد كانت ساعاتُ عمره، ومراحلُها كلُّها دليلاً ناطقاً على أنَّه بُعِث لتبليغ رسالة الله إلى النَّاس، لا لإشادة ملكٍ لنفسه في الأرض.
لقد تعمَّد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شنَّ الحرب النَّفسيَّة على أعدائه أثناء سيره لفتح مكَّة، حيث أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإيقاد النِّيران، فأوقدوا عشرة الاف نارٍ في ليلةٍ واحدةٍ حتَّى ملأت الأفق، فكان لمعسكرهم منظرٌ مهيبٌ، كادت تنخلع قلوب القرشيِّين من شدَّة هوله، وقد قصد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من ذلك تحطيم نفسيَّات أعدائه، والقضاء على معنويَّاتهم حتَّى لا يفكروا في أيَّة مقاومة، وإجبارهم على الاستسلام؛ لكي يتمَّ له تحقيق هدفه دون إراقة دماءٍ، وبتطبيق هذا الأسلوب تمَّ له صلى الله عليه وسلم ما أراد، ولقد كان اهتمامُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمعنويات المقاتل ونفسيَّته سبقاً عسكريّاً، بدليل أنَّ المدارس العسكريَّة الَّتي جاءت فيما بعد جعلت هذا الأمر موضع العناية، والاهتمام من النَّاحية العسكريَّة. 
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ: 


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022