الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة الثالثة عشر بعد المئة (113)

غزوة فتح مكَّة (8 هـ) دروس وعبر وفوائد

أولاً: تفسير سورة النَّصر، وكونُها علامةً على أجَل رسولِ الله (ﷺ) :

قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله (ﷺ) يكثر من قوله: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه» قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر مِنْ قول: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه!» فقال: خبَّرني ربِّي أنِّي سأرى علامةً في أمَّتي فإذا رأيتُها أكثرت من قول: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه» فقد رأيتُها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1 - 3]». [مسلم (484/220)].

قال القرطبيُّ: وذلك لـمَّا فُتِحتْ مكَّةُ؛ قالت العرب: أما إذا ظَفِر محمَّد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان (أي: طاقة) فكانوا يُسْلمون أفواجاً: أمَّةً أمَّةً، وكان عمرو بن سلمة يقول: كنَّا بماءِ ممرِّ النَّاس وكان يمرُّ بنا الرُّكبان، فنسألهم: ما للنَّاس؟ ما للنَّاس؟ ما هذا الرَّجل؟ فيقولون: يزعم أنَّ الله أرسله، أُوحي إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، وكأنَّما يَقِرُّ في صدري، وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنَّه إن ظهر عليهم؛ فهو نبيٌّ صادق؛ فلـمَّا كانت وقعة أهل مكَّة؛ بادر كلُّ قوم بإسلامهم.

وهذه السُّورة تسمَّى سورة التَّوديع: حيث جاءت مخبرةً بقرب أجل المصطفى (ﷺ) ، فعن ابن عباسٍ، قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدرٍ، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله؟!، فقال عمر: إنَّه ممَّن قد علمتم. فدعاني ذات يومٍ، فأدخلني معهم، فما رأيت أنَّه دعاني يومئذ إلا ليريهم منِّي! قال: ما تقولون في قوله تعالى: حتَّى ختم السُّورة؟ فقـال بعضُهم: أُمِرْنا أن نحمَد ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضُهم، فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يَا بْنَ عباسٍ؟! فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله (ﷺ) ، أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك - فقال عمر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ أعلم منها إلا ما تقول. [البخاري (4394)].

ويقول سيِّد قطب في بيان بعض ما يستفاد من هذه السُّورة: في مطلع السُّورة إيحاءٌ معيَّنٌ لإنشاء تصوُّرٍ خاصٍّ عن حقيقة ما يجرى في هذه الكون من أحداثٍ، وما يقع في هذه الحياة من حوادثَ، وعن دور الرَّسول (ﷺ) ، ودور المؤمنين في هذه الدَّعوة، وحدِّهم الَّذي ينتهون إليه في هذا الأمر.... هذا الإيحاء يتمثَّل في قوله: فهو نصرٌ يجيء به الله في الوقت المناسب الَّذي يقدِّره في الصُّورة الَّتي ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، للغاية الَّتي يرسمُها، وليس للنَّبيِّ، ولا لأصحابه من أمره شيءٌ، وليس لهم في هذا النَّصر يدٌ، وليس لأصحابه فيه كسبٌ، وليس لذواتهم منه نصيبٌ، وليس لنفوسهم منه حظٌّ، إنَّما هو أمر الله يحقِّقه بهم، أو بدونهم، وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم، وأن يقيمهم عليه حُرَّاساً، ويجعلهم عليه أمناء، هذا هو كلُّ حظِّهم من النَّصر، والفتح، ومن دخول النَّاس في دين الله أفواجاً.

وهذا معنىً إيمانيٌّ عميقٌ، حرص القرآن على تثبيته في نفوس المؤمنين، ألا وهو: أنَّ التَّمكين بيد الله تعالى، فهو الَّذي يختار الزَّمان، والمكان، والأشخاص الَّذين يريد أن يُجِريَ على أيديهم نصره، وفتحه - سبحانه وتعالى -، وهو كرمٌ وفضلٌ من الله محضٌ خصَّ به الصَّادقين مِنْ عباده.

ثانياً: مواقفُ دعويَّةٌ وقدرةٌ رفيعةٌ في التَّعامل مع النُّفوس:

1 - إسلام سهيل بن عمرو:

قال سهيل بن عمرو: لـمَّا دخل رسول الله (ﷺ) مكَّة، وظهر، انقحمتبيتي وأغلقتُ عليَّ بابي، وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل: أن اطْلُبْ لي جواراً من محمَّدٍ، وإنِّي لا آمن مِنْ أن أُقتل، وجعلت أتذكَّر أثري عند محمَّدٍ، وأصحابه، فليس أحدٌ أسوأ أثراً منِّي، وأنِّي لقيتُ رسولَ الله (ﷺ) يوم الحديبية بما لم يلحقه أحدٌ، وكنت الذي كاتبتُه، مع حضوري بدراً، وأحداً، وكلَّما تحرَّكتْ قريشٌ؛ كنت فيها، فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله! تؤمِّنه؟ فقال: «نعم، هو آمن بأمان الله، فليظهر!» ثمَّ قال رسول الله (ﷺ) لمن حوله: «من لقي سهيل بن عمرو فلا يشدَّ النَّظر إليه، فليخرج فلعمري! إنَّ سهيلاً له عقلٌ،

وشرفٌ، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يُوضع فيه: أنَّه لم يكن له بنافع!» فخرج عبد الله إلى أبيه، فقال سُهيل: كان والله بَرّاً، صغيراً، وكبيراً! فكان سهيل يقبل، ويدبر، وخرج إلى حنين مع النَّبيِّ (ﷺ) وهو على شركه حتَّى أسلم بالجِعِرَّانة. [الحاكم (3/281)].

لقد كانت لهذه الكلمات التَّربويَّة الأثر الكبير على سهيل بن عمروٍ؛ حيث أثنى على رسول الله (ﷺ) بالبرِّ طوال عمره، ثمَّ دخل في الإسلام بعد ذلك، وقد حسُن إسلامه، وكان مكثراً من الأعمال الصَّالحة، يقول الزُّبير بن بكَّار: كان سهيل بعدُ كثير الصَّلاة والصَّوم والصَّدقة، خرج بجماعته إلى الشَّام مجاهداً، ويقال: إنَّه صام، وتهجَّد حتى شحب لونُه، وتغيَّر، وكان كثير البُكاء إذا سمع القرآن، وكان أميراً على كُرْدُوسَةٍيوم اليرموك.

2 - إسلام صفوان بن أميَّة:

قال عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه: ... وأمَّا صفوان بن أميَّة فهرب حتَّى أتى الشُّعَيبة، وجعل يقول لغلامه يسار - وليس معه غيره -: ويحك! انظر مَنْ ترى، قال: هذا عُمَيرُ بن وهبٍ، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلي! قد ظاهر محمداً عليَّ. فلحقه فقال: يا عُمَيْرَ! ما كفاك ما صنعت بي؟ حمَّلتني دَيْنَك وعيالك، ثمَّ جئت تريد قتلي! قال: أبا وهب جُعلتُ فداك! جئتك من عند أبرِّ النَّاس، وأوصل النَّاس، وقد كان عُمير قال لرسول الله (ﷺ) : يا رسول الله! سيِّد قومي خرج هارباً ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تُؤمِّنه فداك أبي، وأمي! قال رسول الله (ﷺ) : «قد أمنته» فخرج في أثره، فقال: إنَّ رسول الله (ﷺ) قد أمَّنك. فقال صفوان: لا والله! لا أرجع معك حتَّى تأتيني بعلامةٍ أعرفها، فرجع إلى رسول الله (ﷺ) ، فقال: يا رسول الله! جئت صفوان هارباً يريد أن يقتل نفسه، فأخبرته بما أمَّنْتَه فقال: لا أرجع حتَّى تأتي بعلامةٍ أعرفها، فقال رسول الله (ﷺ) : «خذ عمامتي».

قال: فرجع عمير إليه بها، وهو البُرْدُ الَّذي دخل فيه رسول الله (ﷺ) يومئذٍ مُعتجراًبه، بُرد حَبِرة، فخرج عمير في طلبه ثانيةً حتَّى جاء بالبُرْد، فقال: أبا وهب! جئتك من عند خير النَّاس، وأوصل النَّاس، وأبرِّ الناس، وأحلم النَّاس، مَجْده مَجْدُك، وعزُّه عزُّك، ومُلكُه مُلكُك، ابن أمِّك وأبيك، اذكرِ الله في نفسك.

قال له: أخاف أن أُقتل، قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيَّرك شهرين، فهو أوفى النَّاس، وأبرُّهم، وقد بعث إليك ببرده الَّذي دخل فيه معتجراً، تعرفه؟ قال: نعم، فأخرجه، فقال: نعم، هو هو! فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله، ورسول الله (ﷺ) يُصلِّي بالمسلمين العصر بالمسجد، فوقفا. فقال صفوان: كم تُصَلُّون في اليوم واللَّيلة؟ قال: خمس صلوات، قال: يُصلِّي بهم محمَّد؟ قال: نعم. فلـمَّا سلَّم؛ صاح صفوان: يا محمد! إنَّ عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم: أنَّك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمراً، وإلاَّ سيرتني شهرين. قال: انزل أبا وهب. قال: لا والله! حتى تبيِّن لي، قال: بل تُسيَّر أربعة أشهر، فنزل صفوان.

وخرج رسول الله (ﷺ) قِبَلَ هوازن، وخرج معه صفوان، وهو كافرٌ، وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه مئة درعٍ بأداتها، فقال: طوعاً، أو كرهاً؟ قال رسول الله (ﷺ) : «عاريةٌ مُؤَدَّاةٌ» [أحمد (3/401 و6/465)، وأبو داود (3562)، والحاكم (3/49)، والبيهقي في الكبرى (6/89)]، فأعاره، فأمره رسول الله (ﷺ) فحملها إلى حنين، فشهد حنُيناً، والطَّائف، ثمَّ رجع رسول الله (ﷺ) إلى الجِعِرَّانة، فبينما رسول الله (ﷺ) يسير في الغنائم ينظر إليها، ومعه صفوان بن أميَّة؛ جعل صفوان ينظر إلى شعْبٍ مُلئ نَعَماً، وشاءً، ورِعَاءً، فأدام إليه النَّظر ورسول الله (ﷺ) يرمقُه فقال: «أبا وهب، يعجِبُك هذا الشِّعب؟» قال: نعم، قال: «هو لك وما فيه». فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفسُ أحدٍ بمثل هذا إلا نفسُ نبيٍّ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، وأسلم مكانه. [الواقدي في المغازي (2/853 - 855)، وكنز العمال (30170)].

ونلاحظ في هذا الخبر أنَّ النَّبيَّ (ﷺ) حاول أن يتألَّف صفوان بن أميَّة إلى الإسلام حتَّى أسلم، وذلك بإعطائه الأمان، ثمَّ بتخييره في الأمر أربعة أشهر، ثمَّ بإعطائه من مال العطايا الكبيرة التي لا تصدر من إنسانٍ عاديٍّ، فأعطاه أولاً مئةً من الإبل مع عددٍ من زعماء مكَّة، ثمَّ أعطاه ما في أحد الشِّعاب من الإبل، والغنم، فقال: ما طابت نفس أحدٍ بهذا إلا نفس نبيٍّ، ثمَّ أسلم مكانه، وقد وصف لنا صفوان بن أميَّة عطاء النَّبيِّ (ﷺ) فقال: والله! لقد أعطاني رسول الله (ﷺ) ما أعطاني، وإنَّه لأبغض النَّاس إليَّ، فما برح يعطيني حتَّى إنَّه لأحبُّ النَّاس إليَّ. [مسلم (2313)].

3 - إسلام عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ:

قال عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه: قالت أمُّ حكيمٍ امرأة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنها: يا رسول الله! قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله؛ فأَمِّنْهُ! فقال رسول الله (ﷺ) : «هو آمن» فخرجت أمُّ حكيمٍ في طلبه، ومعها غلامٌ لها روميٌّ، فراودها عن نفسها، فجعلت تُمَنِّيه حتَّى قدمت على حَيٍّ مِنْ عَكٍّ، فاستغاثتهم عليه، فأوثقوه رباطاً، وأدركت عكرمةَ وقد انتهى إلى ساحلٍ من سواحلِ تهامة، فركب البحر، فجعل نُوتيُّ السَّفينة يقول له: أخلص! فقال: أيُّ شيءٍ أقول: قال: قل: لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا مِنْ هذا، فجاءت أمُّ حكيم على هذا الكلام، فجعلت تلحُّ عليه، وتقول: يا بن عم! جئتك من عند أوصل النَّاس، وأبرِّ النَّاس، وخير النَّاس، لا تُهلِكْ نَفْسَكَ! فوقف لها حتَّى أدركته، فقالت: إنِّي قد استأمنت لك محمَّداً رسول الله (ﷺ) ، قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلَّمتُه، فأمَّنك، فرجع معها وقال: ما لقيت من غلامك الرُّوميِّ؟ فخبَّرته خبره، فقتله عكرمةُ، وهو يومئذٍ لم يُسلم، فلـمَّا دنا من مكَّة؛ قال رسول الله (ﷺ) لأصحابه: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تَسُبُّوا أباه، فإنَّ سبَّ الميِّت يؤذي الحيَّ، ولا يبلغ الميِّت».

قال: وجعل عكرمة يطلب امرأته يُجامعها، فتأبى عليه، وتقول: إنَّك كافرٌ، وأنا مسلمةٌ، فيقول: إنَّ أمراً منعك منِّي لأمرٌ كبير، فلـمَّا رأى النَّبيُّ (ﷺ) عكرمة؛ وثب إليه - وما على النَّبيِّ (ﷺ) رداءٌ - فرحاً بعكرمة، ثمَّ جلس رسولُ الله (ﷺ) فوقف بين يديه، وزوجتُه مُتنقبةٌ، فقال: يا محمد! إن هذه أخبرتني أنَّك أمَّنتني.

فقال رسول الله (ﷺ) : «صَدَقَتْ، فأنت آمن!» فقال عكرمة: فإلامَ تدعو يا محمد؟! قال: «أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وأن تقيم الصَّلاة وتؤتي الزَّكاة، وتفعل، وتفعل»، حتَّى عدَّ خصال الإسلام. فقال عكرمة: والله! ما دعوتَ إلا إلى الحقِّ، وأمرٍ حسنٍ جميلٍ، قد كنت والله! فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه، وأنت أصدقُنا حديثاً، وأبرُّنا بِرّاً! ثمَّ قال عكرمة: فإنِّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، فسُرَّ بذلك رسولُ الله (ﷺ) ، ثمَّ قال: يا رسول الله! علِّمني خيرَ شيءٍ أقوله. قال: «تقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمَّداً عبده ورسوله» قال عكرمة: ثَّم ماذا؟ قال رسول الله (ﷺ) : «تقول: أُشْهِدُ الله وأُشْهد مَنْ حضر أنِّي مسلمٌ مهاجرٌ، ومجاهدٌ». فقال عكرمة ذلك.

فقال رسول الله (ﷺ) : «لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتُكَه» فقال عكرمة: فإنِّي أسألك أن تستغفر لي كلَّ عداوةٍ عاديتُكها، أو مسيرٍ وُضعتُ فيه، أو مقام لقيتُك فيه، أو كلام قلتُه في وجهك، أو وأنت غائبٌ عنه، فقال رسول الله (ﷺ) : «اللَّهمَّ! اغفر له كلَّ عداوةٍ عادانيها، وكلَّ مسير سار فيه إلى موضعٍ يريد بذلك المسير إطفاء نورك، فاغفر له ما نال منِّي مِنْ عرضٍ في وجهي، أو أنا غائبٌ عنه!» فقال عكرمة: رضيتُ يا رسول الله! لا أدع نفقةً كنت أنفقُها في صدٍّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً كنتُ أقاتل في صدٍّ عن سبيل الله إلا أبليتُ ضعفه في سبيل الله، ثمَّ اجتهد في القتال حتَّى قتل شهيداً.

وبعد أن أسلم رد رسول الله (ﷺ) امرأته له بذلك النكاح الأول. [ابن هشام (4/61)].

كان سلوك النَّبيِّ (ﷺ) في تعامله مع عكرمة لطيفاً حانياً، يكفي وحدَه لاجتذابه إلى الإسلام، فقد أعجل نفسه عن لبس ردائه، وابتسم له، ورحَّب به، وفي روايةٍ: قال له: «مرحباً بالر اكب المهاجر!» [الترمذي (2735)، والطبراني في الكبير (7/373 - 374)، ومجمع الزوائد (9/385)].

فتأثَّر عكرمة من ذلك الموقف، فاهتزَّت مشاعره، وتحرَّكت أحاسيسه، فأسلم، كما كان لموقف أمِّ حكيم بنت الحارث بن هشام أثرٌ في إسلام زوجها، فقد أخذت له الأمان من رسول الله (ﷺ) ، وغامرت بنفسها تبحث عنه لعلَّ الله يهديه إلى الإسلام كما هداها إليه، وعندما أرادها زوجها، امتنعت عنه، وعلَّلت ذلك بأنَّه كافرٌ وهي مسلمةٌ، فعظم الإسلام في عينه وأدرك أنَّه أمام دين عظيمٍ، وهكذا خطت أم حكيم في فكر عكرمة بداية التَّفكير في الإسلام، ثمَّ تُوِّج بإسلامه بين يدي رسول الله (ﷺ) ، وكان صادقاً في إسلامه، فلم يطلب من رسول الله (ﷺ) دنيا؛ وإنَّما سأله أن يغفر الله تعالى له كلَّ ما وقع فيه من ذنوبٍ ماضية، ثمَّ أقسم أمام النَّبيِّ (ﷺ) بأن يحمل نفسه على الإنفاق في سبيل الله تعالى بضعف ما كان ينفق في الجاهلية، وأن يُبليَ في الجهاد في سبيل الله بضعف ما كان يبذله في الجاهلية، ولقد بَرَّ بوعده، فكان من أشجع المجاهدين، والقادة في سبيل الله تعالى في حروب الردَّة، ثمَّ في فتوح الشام، حتَّى وقع شهيداً في معركة اليرموك بعد أن بذل نفسه، وماله في سبيل الله.

4 - مثلٌ من تواضع النَّبيِّ (ﷺ) : إسلام والد أبي بكر:

قالت أسماء بنت أبي بكر الصِّديق رضي الله عنها: لـمَّا دخل رسول الله (ﷺ) مكَّة، ودخل المسجد؛ أتى أبو بكر بأبيه يقودُه، فلـمَّا راه رسول الله (ﷺ) قال: «هلاَّ تركت الشيخ في بيته حتَّى أكون أنا اتيه فيه؟» قال أبو بكر: يا رسول الله! هو أحقُّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، قالت: فأجلسه بين يديه، ثمَّ مسح صدره، ثمَّ قال له: «أسلم»، فأسلم، قالت: فدخل به أبو بكر، وكأنَّ رأسه ثغامةٌ، فقال رسول الله (ﷺ): «غيِّروا هذا من شعره» [أحمد (6/349 - 350)، والطبراني في الكبير (24/88 - 89) برقم (236)، وابن حبان (7208)، والحاكم (3/46 - 47)، ومجمع الزوائد (6/173 - 174)]، ويروى: أنَّ رسول الله (ﷺ) هنَّـأ أبا بكرٍ بإسلام أبيه.

وفي هذا الخبر منهجٌ نبويٌّ كريمٌ، سنَّه النَّبيُّ (ﷺ) في توقير كبار السِّنِّ واحترامهم، ويؤكِّد ذلك قوله (ﷺ): «ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرنا، ويرحم صغيرنا» [أحمد (1/257)، والترمذي (1921)، وابن حبان (459)].

وقوله (ﷺ) : «إنَّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشَّيبة المسلم» [أبو داود (4843)]، كما أنَّه (ﷺ) سَنَّ إكرام أقارب ذوي البلاء، والبذل، والعطاء، والسَّبق في الإسلام؛ تقديراً لهم على ما بذلوه من خدمةٍ للإسلام والمسلمين، ونصر دعوة الله تعالى.

5 - مثلٌ من عفو النَّبيِّ (ﷺ) وحلمه: إسلام فضالة بن عُمَيْرٍ:

أراد فُضالة بن عُمَيْر بن الملوح اللَّيثي قتل النَّبيِّ (ﷺ) وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلـمَّا دنا منه، قال رسولُ الله (ﷺ) : «أفضالة؟» قال: نعم فضالة يا رسول الله! قال: «ماذا كنت تحدِّث به نفسك؟» قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فَضَحِكَ النبي (ﷺ) ، ثم قال: «استغفر الله» ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبُه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتَّى ما مِنْ خلق اللهِ شيءٌ أحبَّ إلي منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأةٍ كنت أتحدَّث إليها، فقالت: هَلمَّ إلى الحديث، فقلت: لا! وانبعث فضالة يقول:

 

قَالَتْ هَلُمَّ إِلَى الْحَدِيْثِ فَقُلْتُ لاَ

 

يَأْبَى عَلَيْكِ اللهُ والإِسْلاَمُ

 

 

لَوْ مَا رأيت محمَّداً وَقَبِيْلَهُ

 

بالفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الأَصْنَامُ

 

 

لَرَأَيْتِ ديْنَ اللهِ أَضْحَى بَيِّنَاً
       

 

والشِّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الإظْلاَمُ

 

ثالثاً: أتكلِّمني في حدٍّ من حدود الله؟!

قال عروة بن الزُّبير: إنَّ امرأةً سرقت في عهد رسول الله (ﷺ) في غزوة الفتح، ففزع قومُها إلى أسامة بن زيدٍ يستشفعونه، قال عروة: فلـمَّا كلَّمه أسامةُ فيها؛ تلوَّن وجه رسول الله (ﷺ) ، فلـمَّا كان العشيُّ؛ قام رسول الله (ﷺ) خطيباً فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: «أمَّا بعد، فإنَّما أهلك النَّاس قبلكم: أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف؛ تركوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف، أقاموا عليه الحدَّ، والَّذي نفس محمد بيده! لو أنَّ فاطمة بنت محمَّدٍ سرقت؛ لقطعت يدها»، ثمَّ أمر رسول الله (ﷺ) بتلك المرأة فقُطِعَتْ يـدُها، فحسنت توبتُها بعد ذلـك وتزوَّجت. قالت عائشـة رضي الله عنها: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفعُ حاجتها إلى رسول الله (ﷺ) . [البخاري (4304)، ومسلم (1688/9)].

وهكذا يستمرُّ البناء التربويُّ للأمَّة، ونرى العدل في إقامة شرع الله على القريب والبعيد على حدٍّ سواء، ووجدت قريش نفسها أمام تشريعٍ ربَّانيٍّ لا يفرق بين النَّاس، فهم كلُّهم أمام ربِّ العالمين سواءٌ، وأصبحت معايير الشَّرف هي الالتزام بأوامر الله تعالى، وفي هذا الموقف الَّذي أثار غضب رسول الله الشديد، واهتمامه الكبير لعبرةٌ للمسلمين، حتى لا يتهاونوا في تنفيذ أحكام الله تعالى، أو يشفعوا لدى الحاكم من أجل تعطيل الحدود الإسلاميَّة.

رابعاً: «أجرنا من أجرتِ يا أمَّ هانئ !»:

قالت أمُّ هانئ بنت أبي طالب: لـمَّا نزل رسول الله (ﷺ) بأعلى مكَّة؛ فرَّ إليَّ رجلان من أحمائي، من بني مخزوم - وكانت عند هُبيرة بن أبي وهب المخزوميِّ - قالت: فدخل عليَّ عليُّ بن أبي طالب أخي، فقال: والله! لأقتلنَّهما، فأغلقتُ عليهما باب بيتي، ثمَّ جئت رسول الله (ﷺ) وهو بأعلى مكَّة، فوجدته يغتسل من جَفنةٍ إنَّ فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلـمَّا اغتسل، أخذ ثوبه، فتوشَّح به، ثمَّ صلى ثماني ركعاتٍ من الضُّحى، ثمَّ انصرف إليَّ، فقال: «مرحباً، وأهلاً يا أم هانئ ! ما جاء بك ؟» فأخبرته خبر الرَّجلين، وخبر عليٍّ؛ فقال: «قد أجرنا مَنْ أجرتِ، وأمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ، فلا يقتلهما». [البخاري (3171)، ومسلم (336/82)].

خامساً: «إنَّه لا ينبغي لنبيٍّ أن يكون له خائنة أعين»:

كان عبد الله بن سعد بن أبي السَّرح قد أسلم وكتب الوحيَ ثمَّ ارتد، فلـمَّا دخل رسول الله (ﷺ) مكَّة، وقد أهدر دمه؛ فرَّ إلى عثمان، وكان أخاه من الرَّضاعة، فلـمَّا جاء به ليستأمنَ له؛ صمت عنه رسولُ الله (ﷺ) طويلاً، ثم قال: «نعم» فلـمَّا انصرف مع عثمان؛ قال رسول الله (ﷺ) لمن حوله: «أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا حين راني قد صَمَتُّ، فيقتله؟!» فقالوا: يا رسول الله! هلاَّ أومأت إلينا؟ فقال: «إنَّ النَّبيَّ لا يقتُل بإشارة» [الطبراني في الأوسط (6573)، ومجمع الزوائد (6/167)].

وفي روايةٍ: «إنَّه لا ينبغي لنبيٍّ أن يكون له خائنةُ أعين» [أبو داود (2683) و(4359)، والنسائي (7/105 - 106)].

قال ابن هشام: وقد حسن إسلامُه بعد ذلك، وولاَّه عمر بعض أعماله، ثمَّ ولاه عثمان.

وقال ابن كثير: ومات وهو ساجدٌ في صلاة الصُّبح، أو بعد انقضاء صلاتها في بيته.

سادساً: «المحيا محياكم، والمماتُ مماتُكم»:

قال أبو هريرة:.... أتى رسولُ الله (ﷺ) الصَّفا، فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه، قال: والأنصار تحته، قال: يقول بعضهم لبعضٍ: أمَّا الرَّجل؛ فأدركته رغبةٌ في قريته، ورأفـةٌ بعشيرته، قال أبو هريرة رضي الله عنه: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يَخْفَ علينا، فليس أحدٌ من النَّاس يرفع طرفـه إلى رسول الله (ﷺ) حتَّى يقضي، قال: فلـمَّا قُضِيَ الوحي ؛ رفع رأسه، ثمَّ قال: «يا معشر الأنصار! قلتم: أمَّا الرَّجل، فأدركته رغبةٌ في قريته، ورأفةٌ بعشيرته؟» قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله! قال: «فما اسمي إذاً؟! كلا، إنِّي عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله، وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم».

قال: فأقبلُوا إليه يبكون، ويقولون: والله! ما قلنا الَّذي قلنا إلا الظنَّ بالله ورسوله، قال: فقال رسول الله (ﷺ) : «فإنَّ الله ورسولَه ليصدِّقانكم، ويعذرانكم». [أحمد (2/538 - 539)، ومسلم (1780)]

سابعاً: إسلام عبد الله بن الزِّبَعْرى شاعر قريش

لـمَّا فُتِحَتْ مكَّةُ فرَّ عبد الله بن الزِّبَعْرَى السَّهميُّ إلى نجران، فلحقته قوافي حسَّان، فقد كان خصماً عنيداً للإسلام، فراح يعيِّره بالجُبْن، والفِرار، فقال له:

لاَ تَعْدِمَنْ رَجُلاً أحَلَّك بُغضُهُ            نَجْرَانَ في عَيْشٍ أَحذَّ لَئِيْمِ

أي: فَلْيُـبْقِ الله لنا محمَّداً (ﷺ) هذا الرَّجل العظيم الَّذي أحلَّك بغضُه ديارَ نجران، وليُدمِ الله عليك ابن الزِّبعرى عيشاً مهيناً أشأم.

ثمَّ راح حسَّان يستنزل غضب اللهِ ومَقْتَه على ابن الزِّبعرى وعلى نجله، ويسأل الله تعالى أن يخلِّده في سوء العذاب، وأليمه:

غَضِبَ الإلَهُ عَلَى الزِّبَعْرَى وَابْنَهُ        وعَذَابُ سُوءٍ في الحَيَاةِ مُقِيْمُ

فتطايرت تلك الأبيات، ووصلت إلى ابن الزِّبَعْرَى، فقام، وقعد، وقلب أموره، ثمَّ أراد الله به الخير، فعزم على الدُّخول في الإسلام، ثمَّ توَّجه إلى مكَّة، وقصد رسول الله (ﷺ) وأعلن إسلامه، وطلب مِنْ رسول الله (ﷺ) أن يستغفر له كلَّ عداوةٍ له، وللإسلام، فقال له رسول الله (ﷺ) : «إن الإسلام يجبُّ ما قبله »، ثمَّ أدناه رسول الله (ﷺ) منه، وانسه، ثمَّ خلع عليه حلَّةً ، وقد أجمع الرُّواة أنَّ ابن الزِّبَعْرَى رضي الله عنه قال بعد إسلامه شعراً كثيراً حسناً يعتذر فيه إلى رسول الله (ﷺ) ، قال ابن عبد البَرِّ - رحمه الله -: وله - أي: لابن الزِّبَعْرى - في مدح النَّبي (ﷺ) أشعارٌ كثيرةٌ، ينسخ بها ما قد مضى من شعره في كُفْرِه.

وكذا نصَّ ابنُ حجرٍ في الإصابة: ثمَّ أسلم، ومدح النَّبيَّ (ﷺ) ، فأمر له بِحُلَّةٍ.

وقال القرطبي: «وكان شاعراً مُجيداً، وله في مدح النَّبيِّ (ﷺ) أشعارٌ كثيرةٌ، ينسخ بها ما قد مضى في كفره»، وقال ابن كثير: كان من أكبر أعداء الإسلام، وَمِنَ الشُّعراء الَّذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثمَّ منَّ اللهُ عليه بالتَّوبة والإنابة، والرُّجوع إلى الإسلام، والقيام بنصره والذَّبِّ عنه .

ومن القصائد الرَّائعة الَّتي قالها في مدح النَّبيِّ (ﷺ) ، وندمه على محاربة الإسلام، وتأخُّره في الدُّخول فيه:

 

مَنَعَ الرُّقادَ بَلابِلٌ وهُمُومُ

 

واللَّيْلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيْمُ

 

 

مِمَّا أَتَانِي أَنَّ أَحْمَدَ لامَنِيْ

 

فِيْهِ فَبِتُّ كأَنَّنِي مَحْمُوْمُ

 

 

يا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا

 

عَيْرَانةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُوْمُ

 

 

إِنِّي لَمُعْتَذِرٌ إِلَيْكَ مِنَ الَّذيْ
       

 

أَسْدَيْتُ إِذ أَنَا في الضَّلالِ أَهِيْمُ

 

 

أَيَّامَ تأْمُرُنِي بأَغْوَى خُطَّةٍ

 

سَهْمٌ وتأْمُرُنِي بِهَا مَخْزُوْمُ

 

 

وأمدُّ أَسْبَابَ الرَّدَى ويَقُودُنِي

 

أَمْرُ الغُوَاةِ وأَمْرُهُمْ مَشْؤومُ

 

 

فالْيَوْمَ آمن بالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

 

قَلْبِي وَمُخْطِئ هَذِهِ مَحْرُوْمُ

 

 

مَضَتِ الَعَداوَةُ وانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا

 

ودَعَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلوْمُ

 

 

فاغْفِرْ فِدىً لكَ والِدَيَّ كِلاَهُمَا

 

زَلَلِيْ فإِنَّكَ رَاحِمٌ مَرْحُوْمُ

 

 

وعَلَيْكَ مِنْ عِلْمِ المَلِيْكِ عَلاَمَةٌ

 

نُوْرٌ أَغَرُّ وخاتَمٌ مَخْتُومُ

 

 

أعْطَاكَ بَعْدَ مَحَبَّةٍ بُرْهَانَهُ

 

شَرَفاً وبُرْهَانُ الإلهِ عَظِيْمُ

 

 

وَلَقَدْ شَهِدْتُ بأنَّ دِيْنَكَ صَادِقٌ

 

حَقٌّ وأَنَّكَ في الْعِبَادِ جَسِيْمُ

 

 

واللهُ يَشْهَدُ أنَّ أَحْمَدَ مُصْطَفى

 

مُسْتَقْبَلٌ في الصَّالِحِيْنَ كَرِيْمُ

 

 

قَرْمٌ عَلاَ بُنْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ

 

فَرْعٌ تَمَكَّنَ في الذُّرا وأُرُوْمُ

 

ثامناً: من الأحكام الشَّرعيَّة الَّتي تؤخذ من الغزوة، ومكانُ نزول الرَّسول (ﷺ) بمكَّة:

1 - اتَّضحت كثير من الأحكام الشَّرعيَّة خلال فتح مكَّة؛ منها:

أ - جواز الصَّوم، والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصيةٍ؛ حيث صام الرَّسول (ﷺ) في مسيرة الجيش من المدينة حتَّى بلغ كُدَيْداً، فأفطر.

ب - صلَّى النَّبيُّ (ﷺ) صلاة الضُّحى ثمانيَ ركعاتٍ خفيفةً، واستدلَّ قوم بهذا على أنَّها سنَّةٌ مؤكَّدةٌ(1).

ج - قصر الصَّلاة الرُّباعية للمسافر، فقد أقام النَّبيُّ (ﷺ) بمكَّة تسعةَ عَشَرَ يوماً يقصر الصَّلاة.

د - تحريم نكاح المتعة إلى الأبد بعد إباحته لمدَّة ثلاثة أيام، ويرى الإمام النَّوويُّ: أنَّه وقع تحريمه، وإباحته مرَّتين؛ إذ كان حلالاً قبل غزوة خيبر، فحُرِّم يومها، ثمَّ أبيح يوم الفتح، ثمَّ حُرِّم للمرة الثَّانية إلى الأبد. ويرى ابن القيِّم: أن المتعة لم تُحرَّم يوم خيبر، وإنَّما كان تحريمها فقط يوم الفتح، وله في هذا مناقشةٌ طويلةٌ عند كلامه عن الأحكام الفقهيَّة المستنبطة من أحداث غزوة خيبر، وغزوة الفتح. والمتَّفق عليه: أنَّها حرِّمت إلى الأبد بعد الفتح.

ه ـ قرَّر الرَّسول (ﷺ) : أنَّ الولد للفراش، وللعاهر الحجر. [سبق تخريجه]. كما جاء ذلك في حديث ابن وليدة زمعة، فقد تنازع فيه سعدُ بن أبي وقَّاص وعبد بن زمعة، فقضى فيه رسول الله (ﷺ) لعبد بن زمعة؛ لأنَّه ولد على فراش أبيه. [سبق تخريجه].

و - عدم جواز الوصيَّة بأكثر من ثلث المال، كما في قصَّة سعد بن أبي وقَّاص حين مرض بمكَّة، واستشار الرَّسول (ﷺ) في أن يوصيَ بأكثر من الثُّلث.

هذه بعض الأحكام الفقهيَّة المستنبطة من أحداث الغزوة، والفتح العظيم.

2 - مكان نزول الرَّسول (ﷺ) بمكَّة:

نزل رسولُ الله (ﷺ) بالحجون في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين، وقال عندما سأله أسامة بن زيد إن كان سينزل في بيته: «وهل ترك لنا عقيلٌ من رباع، أو دور؟!» [البخاري (1588)، ومسلم (1351)] مبيناً: أنَّه لا يرث المسلم الكافر [البخاري (6764)، ومسلم (1614)]، وكان عقيل قد ورث أبا طالب، هو وطالب أخوه، وباع الدُّورَ كلَّها، وأمَّا عليٌّ، وجعفرٌ فلم يرثاه لأنَّهما مسلمان، وأبو طالب مات كافراً.

تاسعاً: من نتائج فتح مكَّة:

كان لفتح مكَّة نتائجُ كثيرةٌ؛ منها:

1 - دخلت مكَّة تحت نفوذ المسلمين، وزالت دولة الكفر منها، وحانت الفرصة للقضاء على جيوب الشِّرك في حنين، والطائف، ومن ثَمَّ في العالم أجمع.

2 - أصبح المسلمون قوةَّ عظمى في جزيرة العرب، وبعد فتح مكَّة تحقَّقت أمنية الرَّسول (ﷺ) بدخول قريش في الإسلام، وبرزت قوَّةٌ كبرى في الجزيرة العربيَّة لا يستطيع أيُّ تجمُّعٍ قبليٍّ الوقوف في وجهها، وهي مؤهَّلةٌ لتوحيد العرب تحت راية الإسلام، ثمَّ الانطلاق إلى الأقطار المجاورة؛ لإزالة حكومات الظلم، والطُّغيان، وتأمين الحرِّيَّة لخلق الله؛ لكي يدخلوا في دين الله، ويعبدوه وحده دون سواه.

3 - كان لهذا الفتح اثارٌ عظيمةٌ دينيَّةٌ، وسياسيَّةٌ، واجتماعيَّة، وقد بدأت هذه الاثار بصورة يلمَسُها كلُّ مَنْ يُمعن النَّظر في هذا الفتح المبارك.

فأمَّا الاثار الاجتماعيَّة؛ فتمثَّلت في رفقه (ﷺ) بالنَّاس، وحرصه على الأخذ بأيديهم ليعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم، وبالوضع الجديد الذي سيطر على بلدهم، وتعيين من يُعلِّمهم، ويفقِّههم في دينهم فقد أبقى معاذ بن جبل رضي الله عنه في مكَّة بعد انصرافه عنها ليصلِّيَ بالنَّاس، ويفقِّههم في دينهم. وأمَّا الاثار السِّياسيَّة، فقد عيَّن عتَّابَ بْنَ أَسِيْدٍ أميراً على مكَّة، يحكم بين النَّاس بكتاب الله، فيأخذ لضعيفهم، وينتصر للمظلوم من الظَّالم.

وأمَّا الاثار الدِّينيَّة؛ فإنَّ فتح مكة، وخضوعها لسلطان الإسلام قد أقنع العرب جميعاً بأن الإسلام هو الِّدين الَّذي ارتضاه الله لعباده، فدخلوا فيه أفواجاً.

4 - تحقَّق وعد الله بالتمكين للمؤمنين الصَّادقين، بعدما ضحَّوا بالغالي، والنَّفيس، وحقَّقوا شروط التَّمكين، وأخذوا بأسبابه، وقطعوا مراحله، وتعاملوا مع سننه، كسنَّة الابتلاء، والتَّدافع، والتَّدرُّج، وتغيير النُّفوس، والأخذ بالأسباب، ولا ننسى تلك الصُّورة الرَّائعة وهي وقوف بلال فوق الكعبة مؤذِّناً بالصَّلاة بعد أن عُذِّبَ في بطحاء مكَّة، وهو يردد: أحد! أَحد! في أغلاله وحديده، هاهو اليوم قد صعد فوق الكعبة ليرفع صوته الجميل بالأذان؛ وهو في نشوة الإيمان.

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

                        على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022