الحلقة الخامسة عشر بعد المئة (115)
فقه الرَّسول صلى الله عليه وسلم في التَّعامل مع النُّفوس في غزوة حنين
يظهر هذا الفقه في عدَّة مواقف من هذه الغزوة، منها:
أ - لا رجعة لِلوَثَنِيَّة:
خرج مع رسول الله (ﷺ) إلى حنين بعض حديثي العهد بالجاهليَّة، وكانت لبعض القبائل شجرةٌ عظيمةٌ خضراء يقال لها: ذاتُ أنواطٍ، يأتونها كلَّ سنةٍ، فيعلِّقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوماً، وبينما هم يسيرون مع رسول الله (ﷺ) إذ وقع بصرهم على الشَّجرة، فتحلَّبَتْ أفواههم على أعياد الجاهليَّة الَّتي هجروها، ومشاهدها الَّتي طال عهدهم بها، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا «ذاتَ أنواطٍ» كما لهم «ذاتُ أنواطٍ»، فقال رسول الله (ﷺ) : «الله أكبر! قلتُم والذي نفس محمد بيده! كما قال قوم موسى لموسى: لَـتَـرْكبُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم. ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾[الأعراف: 138] ، [(5/218)، والترمذي (2180)، والبيهقي في الدلائل (5/125)] .
وهذا يعبِّر عن عدم وضوح تصوُّرهم للتَّوحيد الخالص رغم إسلامهم، ولكن النَّبيَّ (ﷺ) أوضح لهم ما في طلبهم من معانـي الشِّرك، وحذَّرهم من ذلـك، ولم يعاقبهم، أو يعنِّفهم؛ لعلمه بحداثة عهدهم بالإسلام ، وقد سمح لهم الرَّسول (ﷺ) بالمشاركة في الجهاد، لأنَّه لا يشترط فيمن يخرج للجهاد أن يكون قد صحَّح اعتقاده تماماً من غبش الجاهليَّة، وإنَّما الجهاد عمل صالح يثاب عليه فاعله، وإن قصر في بعض أمور الدِّين الأخرى، بل الجهاد مدرسةٌ تربويَّةٌ تعليميَّةٌ يتعلَّم فيه المجاهدون كثيراً من العقائد، والأحكام، والأخلاق، وذلك لما يتضمَّنه من السَّفر، وكثرة اللِّقاءات الَّتي يحصل فيها تجاذب الأحاديث، وتلاقح الأفكار .
ب - الإعجابُ بالكثرة يحجبُ نصر الله:
الإعجابُ بالكثرة حجب عن المسلمين النَّصر في بداية المعركة، وقد عبَّر القرآن الكريم عن ذلك بقوله:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: 25].
وقد نبَّه إلى هذا رسول الله (ﷺ) حينما أوضح: أنَّه «لا حول، ولا قوَّة إلا بالله» فيقول: «اللَّهُمَّ بك أجُول، وبك أَصُولُ، وبك أُقَاتِل» [أحمد (3/332 و333)، وابن حبان (1975)، والنسائي في اليوم والليلة (614)، والدارمي (2485)].
وهكذا أخذ الرَّسول (ﷺ) يراقب المسلمين، ويقوِّم ما يظهر من انحرافاتٍ في التَّصوُّر والسُّلوك حتَّى في أخطر ظروف المواجهة مع خصومه العُتاة .
وعلى الرَّغم من الهزيمة الَّتي لحقت بالمسلمين في بداية غزوة حنين، وفرار معظم المسلمين في ميدان المعركة؛ لأنَّهم فوجئوا بما لم يتوقَّعوه، فإنَّ رسول الله (ﷺ) لم يعنِّف أحداً ممَّن فرَّ عنه؛ حتَّى حينما طالبه بعض المسلمين أن يقتل الطُّلَقَاء لأنَّهم فرُّوا، ولم يوافق على هذا .
ج - الغنائم وسيلةٌ لتأليف القلوب:
رأى (ﷺ) أن يتألَّف الطُّلقاء، والأعراب بالغنائم تأليفاً لقلوبهم؛ لحداثة عهدهم بالإسلام، فأعطى لزعماء قريش، وغطفان، وتميم عطاءً عظيماً، إذ كانت عطيَّة الواحد منهم مئةً من الإبل، ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أميَّة، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، ومعاوية، ويزيد ابنا أبي سفيان، وقيس بن عديٍّ ، وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدُّنيا إلى حبِّ الإسلام، أو كما قال أنس بن مالك: إنْ كان الرجل ليسلمُ ما يريد إلا الدُّنيا، فما يسلمُ حتَّى يكونَ الإسلامُ أحبَّ إليه من الدُّنيا وما عليها [سبق تخريجه].
وعبَّر عن هذا صفوان بن أميَّة فقال: لقد أعطاني رسولُ الله (ﷺ) ما أعطاني، وإنَّه لأبغض النَّاس إليَّ، فما برح يعطيني حتَّى إنَّه لأحبُّ النَّاس إليَّ. [سبق تخريجه].
وقد تأثَّر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشريَّة، وتردَّدت بينهم قالةٌ، فراعى (ﷺ) هذا الاعتراض، وعمل على إزالة التوتُّر، وبيَّن لهم الحكمة في تقسيم الغنائم، وخاطب الأنصار خطاباً إيمانيّاً، عقليّاً، عاطفيّاً، وجدانيّاً، ما يملك القارئ المسلم على مر الدُّهور، وكر العصور، وتوالي الزَّمان إلا البكاء عندما يمرُّ بهذا الحدث العظيم، فعندما دخل سعد بن عبادة على رسول الله (ﷺ) ، فقال: يا رسول الله! إن هذا الحيَّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء؛ الذي أصبت، قسمت في قومك؛ وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحيِّ من الأنصار منها شيءٌ. قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله! ما أنا إلا مِنْ قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، قال: فجاء رجالٌ من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردَّهم.
فلـمَّا اجتمعوا؛ أتى سعدٌ، فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار، فأتاهم رسول الله (ﷺ) ، فحمِد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: «يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم، ألم اتكم ضلالاً، فهداكم الله بي، وعالةً، فأغناكم الله بي، وأعداءً، فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: الله ورسولُه أمنُّ، وأفضل، ثمَّ قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟!» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله! لله ولرسوله المنُّ، والفضل؟ قال: «أما والله لو شئتم؛ لقلتم، فلصدقتم، ولصُدِّقتم: أتيتنا مكذَّباً، فصدَّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فاويناك، وعائلاً فاسيناك، أوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار! في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدُّنيا تألَّفت بها قوماً؛ ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار! أن يذهب النَّاس بالشَّاء ، والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفس محمدٍ بيده! لما تنقلبون به خيرٌ ممَّا ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك النَّاس شِعباً، ووادياً، وسلكت الأنصار شِعْباً، ووادياً؛ لسلكت شِعْبَ الأنصار، وواديها، الأنصارُ شِعَارٌ، والنَّاس دثار ، اللَّهُمَّ! ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».
قال: فبكى القوم حتَّى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله (ﷺ) قَسْماً وحظّاً، ثمَّ انصرف رسول الله (ﷺ) وتفرَّقوا. [أحمد (3/76 - 77)، ومجمع الزوائد (10/32)] ، وفي رواية: «إنَّكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض» [البخاري (4330)، ومسلم (1061)].
وممَّا يجدر الإشارة إليه في هذا المقام: أنَّ هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كلِّهم، وإنَّما قالها حديثو السِّنِّ منهم، بدليل ما ورد في الصَّحيحين عن أنسِ بن مالك رضي الله عنه: أنَّ ناساً من الأنصار قالوا يوم حنين: أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله (ﷺ) يعطي رجالاً من قريش المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشاً، ويتركُنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! قال أنس بن مالك: فحُدِّث رسول الله (ﷺ) مِنْ قولهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبَّةٍ من أَدَمٍ، فلـمَّا اجتمعوا؛ جاءهم رسول الله (ﷺ) فقال: «ما حديثٌ بلغني عنكم؟» فقال له فقهاء الأنصار: أمَّا ذوو رأينا يا رسول الله! فلم يقولوا شيئاً، وأمَّا أُناسٌ منَّا حديثةٌ أسنانُهم؛ قالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشاً، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله (ﷺ) : «فإني أعطي رجالاً حديثي عهدٍ بكفرٍ أتألَّفهم». [البخاري (4331)، ومسلم (1059)].
ويرى الإمام ابن القيِّم - استدلالاً بهذه الحادثة -: أنَّه قد يتعيَّن على الإمام أن يتألَّف أعداءه لاستجلابهم إليه، ودفع شرِّهم عن المسلمين، فيقول: الإمام نائبٌ عن المسلمين، يتصرَّف لمصالحهم وقيام الدِّين، فإن تعيَّن ذلك - أي: التَّأليف - للدَّفع عن الإسلام، والذَّبِّ عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه، ليأمن المسلمون شرَّهم، ساغ له ذلك، بل تعيَّن عليه، فإنَّه وإن كان في الحرمان مفسدةٌ، فالمفسدة المتوقَّعة من فوات تأليف هذا العدوِّ أعظم، ومبنى الشَّريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدُّنيا، والدِّين على هذين الأصلين .
والتَّأليف لهذه الطَّائفة إنَّما هو من قبيل الإغراء، والتَّشجيع في أوَّل الأمر، حتَّى يخالط الإيمان بشاشة القلب، ويتذوَّق حلاوته.
ويوضح الشيخ محمَّد الغزالي - رحمه الله - حقيقة هذا الأمر في مثالٍ محسوسٍ، فيقول: «إنَّ في الدُّنيا أقواماً كثيرين يُقادون إلى الحق من بطونهم، لا من عقولهم، فكما تُهدى الدَّواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظلُّ تَمُدُّ إليها فمها، حتَّى تدخل حظيرتها آمنةً، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون الإغراء حتَّى تستأنس بالإيمان، وتهشَّ له» .
إنَّ النَّبيَّ (ﷺ) ضرب للأنصار صورةً مؤثِّرةً: قومٌ يبشَّرون بالإيمان يقابلهم قومٌ يبشَّرون بالجِمال، وقوم يصحبهم رسول الله يقابلهم قوم يصحبهم الشَّاء، والبعير، لقد أيقظتهم تلك الصُّور، وأدركوا أنَّهم وقعوا في خطأٍ ما كان لأمثالهم أن يقعوا فيه، فانطلقت حناجرهم بالبكاء، وماقيهم بالدُّموع، وألسنتهم بالرِّضا، وبذلك طابت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم بفضل سياسية النَّبيِّ (ﷺ) الحكيمة في مخاطبة الأنصار .
د - الصَّبر على جفاء الأعراب:
لقد ظهر من رسول الله (ﷺ) الكثير من الصَّبر على جفاء الأعراب، وطمعهم في الأموال، وحرصهم على المكاسب، فكان مثالاً للمربِّي الَّذي يدرك أحوالهم، وما جبلتهم عليه بيئتُهم، وطبيعةُ حياتهم من القساوة، والفظاظة، والرُّوح الفرديَّة، فكان يبيِّن لهم خُلُقَه، ويطمئنهم على مصالحهم، ويعاملهم على قدر عقولهم، فكان بهم رحيماً، ولهم مربّياً، ومصلحاً، فلم يسلك معهم مسلك ملوك عصره مع رعاياهم؛ الَّذين كانوا ينحنون أمامهم، أو يسجدون، وكانوا دونهم محجوبين، وإذا خاطبوهم؛ التزموا بعبارات التَّعظيم، والإجلال كما يفعل العبد مع ربِّه، أمَّا الرَّسول (ﷺ) فكان كأحدِهم يخاطبونه، ويعاتبونه، ولا يحتجب عنهم قطُّ، وكان الصَّحابة رضوان الله عليهم يراعون التأدُّب بحضرته، ويخاطبونه بصوتٍ خفيضٍ، ويَكِنُّون له في أنفسهم المحبَّة العظيمة، وأمَّا جفاة الأعراب؛ فقد عنفهم القرآن على سوء أدبهم، وجفائهم، وارتفاع أصواتهم، وجرأتهم في طبيعة مخاطبتهم للرسول (ﷺ) ، وهذه مواقف تدلُّ على حسن معاملة رسول الله (ﷺ) للأعراب:
1 - الأعرابيُّ الذي رفض البُشْرَى:
قال أبو موسى الأشعري: كنت عند النَّبيِّ (ﷺ) - وهو نازلٌ بالجِعْرَانَةِ بين مكَّة والمدينة - ومعه بلالٌ، فأتى النَّبيَّ (ﷺ) أعرابيٌّ فقال: ألا تنجزُ لي ما وعدتني؟ فقال له: «أَبْشِر!» فقال: قد أكثرتَ عليَّ مِنْ (أبشر). فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: «رَدَّ البُشْرَى، فاقبلا أنتما» قالا: قَبِلْنا. ثمَّ دعا بقدح فيه ماءٌ، فغسل يديه، ووجهه فيه، ومجَّ فيه، ثم قال: «اشْربَا منه، وأفرغا على وجوهكما، ونحوركما، وأبشرا» فأخذا القدح، ففعلا، فنادت أمُّ سلمة من وراء السِّتر: أن أفضلا لأمِّكما. فأفضلا لها منه طائفةً. [البخاري (4328)، ومسلم (2497)].
2 - مقولة الأعرابيِّ: (ما أريد بهذه القسمة وجه الله!):
قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: «لَّما كان يومُ حنينٍ اثر رسولُ الله (ﷺ) ناساً في القِسْمَة، فأعطى الأقرعَ بن حابسٍ مِئَـةً من الإبل، وأعطى عُيَيْنةَ مِثْلَ ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب، واثرهم يومئذ في القِسْمَة، فقال رجلٌ: والله! إنَّ هذه القِسْمَة ما عُدِلَ فيها، وما أُرِيدَ فيها وجهُ الله! قال: فقلتُ: والله لأخبرنَّ رسولَ الله (ﷺ) ، قال: فأتيتُه، فأخبرتُه بما قال، قال: فتغيَّر وجْهُهُ حتَّى كان كالصِّرْفِ. ثمَّ قال: «فمْن يعدلُ إن لم يعدلِ اللهُ ورسولُه؟!» قال: ثمَّ قال: «يرحم الله موسى! قد أُوذي بأكثرَ من هذا، فَصَبَرَ». قال: قلت: لا جرمَ لا أرفعُ إليه بعدها حديثاً. [البخاري (4336)، ومسلم (1062)].
3 - تعامله مع هوازن لـمَّا أسلمت:
جاء وفد هوازن لرسول الله (ﷺ) بالجِعْرَانَـةِ وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله! إنَّا أصلٌ وعشيرةٌ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخفَ عليك، فامنن علينا مَنَّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صُرد، فقال: يا رسول الله! إنَّما في الحظائر من السَّبايا خالاتُك، وحواضنُك اللاَّتي كن يكفلنك، ولو أنَّا مَلَحْنَا لابن أبي شمر أو النُّعمان بن المنذر ثُمَّ أصابنا منها مثل الَّذي أصابنا منك رجونا عائدتهما، وعطفهما، وأنت رسول الله خير المكفولين، ثمَّ أنشأ يقول:
|
|
اُمنُنْ عَلَيْنَا رسُولَ اللهِ في كرمٍ |
|
فإِنَّكَ المَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ |
|
إلى أن قال:
|
|
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا |
|
إِذْ فوْكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا دَرَرُ |
|
|
|
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا |
|
وإِذْ يَزِيْنُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ |
|
فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم، فعادت فواضله عليه السَّلام عليهم قديماً وحديثاً، وخصوصاً، وعموماً .
فلما سمـع رسول الله (ﷺ) من الوفـد قال لهم: «نساؤكم، وأبناؤكم أحبُّ إليكم أم أموالكم؟» فقالوا: يا رسول الله! خيَّرتنا بين أحسابنا، وأموالنا؟ بل أبناؤنا، ونساؤنا أحبُّ إلينا، فقال رسول الله (ﷺ) : «أمَّا ما كان لي، ولبني عبد المطلب، فهو لكم، وإذا أنا صليت بالنَّاس فقوموا، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله (ﷺ) إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله (ﷺ) في أبنائنا ونسائنا، فإني سأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم » فلـمَّا صلَّى رسول الله (ﷺ) بالنَّاس الظُّهر ؛ قاموا ؛ فقالوا ما أمرهم به رسول الله (ﷺ) ، فقال: «أمَّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله (ﷺ)، وقال الأقرع بن حابس: أمَّا أنا وبنو تميم ؛ فلا، وقال عُيَيْنةُ: أمَّا أنا وبنو فزارة؛ فلا، وقال العبَّاس بن مرداس السُّلَمِيُّ: أما أنـا، وبنو سليم، فلا، فقالت بنو سُليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله (ﷺ) ، قال عبَّاس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني؟ فقال رسول الله (ﷺ) : «من أمسك منكم بحقِّه فله بكلِّ إنسان سِتُّ فرائض من أوَّل فيءٍ نصيبـه» فردّوا إلى النَّاس نساءهم، وأبناءهم. [أحمد (2/184)، والطبراني في الكبير (5304)، والطبري في تاريخه (3/135)، والبيهقي في الدلائل (5/194 - 195)، ومجمع الزوائد (6/187 - 188)][(539)].
وفي روايةٍ: ... فخطب رسول الله (ﷺ) في المؤمنين، فقال: «إنَّ إخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين، وإنِّي أردت أن أردَّ إليهم سبيهم، فَمن أحبَّ منكم أن يطيِّبَ ذلك؛ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يكون على حظِّه حتَّى نعطيه إيَّاه من أوَّل ما يفيء الله علينا، فليفعلْ» فقال الناس: طيّبْنـا يا رسول الله! لهم، فقـال لهم: «إنَّا لا ندري من أَذِنَ منكم فيه ممَّن لم يأذن، فارجعوا حتَّى يرفع إلينا عرفاؤكم أمرَكم». فرجع النَّاس فكلمهم عرفاؤهم، ثمَّ رجعوا إلى النَّبيِّ (ﷺ) فأخبروه: أنَّهم طيَّبوا، وأذنوا. [البخاري (4318 و4319)، والبيهقي في الدلائل (5/192)] .
وقد سُرَّ الرَّسول (ﷺ) بإسلام هوازن، وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النَّصريِّ، فأخبروه: أنَّه في الطَّائف مع ثقيفٍ، فوعدهم بردِّ أهله، وأمواله عليه، وإكرامه بمئةٍ من الإبل إن قدم عليه مسلماً، فجاء مالكٌ مسلماً، فأكرمه وأمَّره على قومه، وبعض القبائل المجاورة، ولقد تأثَّر مالك بن عوف، وجادت قريحته لمدح النَّبيِّ (ﷺ) فقال:
|
|
مَا إِنْ رأَيْتُ ولاَ سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ |
|
فِي النَّاسِ كُلِّهِمِ بِمِثْلِ مُحَمَّدِ |
|
|
|
أَوْفَى وأَعْطَى للْجَزِيْلِ إِذَا |
|
وَمَتى تَشَأْ يُخْبِرْكَ عَمَّا في غَدِ |
|
|
|
وإذا الكَتِيْبَةُ عَرَّدَتْ أَنْيَابُهَا |
|
بالسَّمْهرِيِّ وَضَرْبِ كُلِّ مُهَنَّدِ |
|
|
|
فكأنَّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ |
|
وَسْطَ الهَبَاءَةِ خَادِرٌ في مرْصَدِ |
|
لقد كانت سياسته (ﷺ) مع خصومه مرنةً إلى أبعد الحدود، وبهذه السِّياسة الحكيمة استطاع (ﷺ) أن يكسب هوازن، وحلفاءها إلى صفِّ الإسلام، واتَّخذ من هذه القبيلة القويَّة رأس حربةٍ يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الَّذي قاتل ثقيفاً في الطَّائـف حتَّى ضيَّق عليهم، وقد فكَّر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطَّائف من كلِّ مكان، فلا تستطيع تحرُّكاً، ولا تجارةً، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام؛ مثل عروة بن مسعودٍ الثَّقفيِّ، الَّذي سارع إلى اللَّحاق برسول الله (ﷺ) وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين، واعتمر من الجِعْرَانَةِ، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة،
وأعلن إسلامه، وعاد إلى الطَّائف، وكان من زعماء ثقيف محبوباً عندهم، فدعاهم إلى الإسلام، وأذَّن في أعلى منزله، فرماه بعضُهم بسهامٍ، فأصابوه، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطَّائف .
إنَّ الإنسان ليعجب من فقه النَّبيِّ (ﷺ) في معاملة النُّفوس، وفي سعيه الحثيث لتمكين دين الله تعالى، لقد استطاع (ﷺ) أن يزيل معالم الوثنيَّة، وبيوتات العبادة الكفريَّة من مكَّة، وما حولها، ورتَّب (ﷺ) الأمور التنظيمية للأراضي الَّتي أضيفت للدَّولة الإسلاميَّة، فعيَّن عَتَّاب بن أَسِيد أميراً على مكَّة، وجعل معاذ بن جبل مرشداً، وموجِّهاً ومعلِّماً، ومربِّياً ، وعيَّن على هوازن مالك بن عوف قائداً، ومجاهداً، ثمَّ اعتمر، ورجع إلى المدينة (ﷺ) .
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ