الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة السادسة عشر بعد المئة (116)

غزوة حنينٍ، والطائف (دروسٌ، وعبرٌ، وفوائد)

أولاً: تفسير الآيات التي نزلت في غزوة حنين:

قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 25 - 27].

في الآيات السَّابقة تصويرٌ بيانيٌّ بديعٌ لحال المسلمين، فيه تنقُّلٌ بالسَّامع من صورةٍ إلى صورة: من صورة المسلمين؛ وهم معجبون بكثرتهم، مسرورون بها، إلى صورة فشلهم، وهزيمتهم مع هذه الكثرة، فلم تنفعهم، إلى صورة الخوف الَّذي أصابهم حتَّى لم تعد الأرض تسعهم، وأقفلت منافذها في وجوههم إلى الصُّورة الحسِّيَّة لهذا الفشل في الفرار، والنُّكوص، وتولية الأدبار حتَّى لم يبقَ حول النَّبي (ﷺ) إلا القليل، وبعد الخوف الشَّديد الَّذي أصاب المؤمنين في مبدأ لقائهم بأعدائهم في غزوة حنين يجيء نصر الله؛ الَّذي عبَّر عنه - سبحانه - بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾

السَّكينة: الطُّمأنينة، والرَّحمة، والأمنة، وهي من السُّكون، وهو ثبوت الشَّيء بعد التَّحرُّك، أو من السَّكن، وهو كل ما سكنَت إليه، واطمأنت به من أهلٍ، وغيرِهم.

وقوله تعالى: قال القاسميُّ: أي: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ تسكنون، وتثبتون به من رحمته، ونصره، وانهزام الكفار، واطمئنان قلوبهم للكرِّ بعد الفرِّ أي: الَّذين ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإعادة الجارِّ للتنبيه على اختلاف حاليهما، أو الَّذين ثبتوا مع رسول الله (ﷺ) ولم يفرِّوا، أو على الكلِّ؛ وهو الأنسب. وقوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ أي: وعذَّب الذين كفروا بالقتل، والسَّبي، والأسر، وذلك هو جزاء الكافرين في الدُّنيا ما داموا يستحبُّون الكفر على الإيمان، ويعادون أهله، ويقاتلونهم عليه. ثمَّ قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

أي: ويتوب الله من بعد هذا التَّعذيب على من يشاء من المشركين بأن يوفقهم للدُّخول في الإسلام، والله غفورٌ رحيمٌ لمن تاب، وآمن، فرحمتُه وسعت كلَّ شيءٍ.

قال سيِّد قطب: «فبابُ المغفرة دائماً مفتوحٌ لمن يخطئ، ثمَّ يتوب، إنَّ معركة حُنين الَّتي يذكرها السِّياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله، والاعتماد على قوَّةٍ غير قوَّته لَـتَكْشِفُ لنا حقيقةً أخرى ضمنيَّةً، حقيقة القوى الَّتي تعتمد عليها كلُّ عقيدة. إنَّ الكثرة العدديَّة ليست بشيءٍ، إنَّما هي القلَّة العارفة، المتَّصلة، الثَّابتة، المتجرِّدة للعقيدة، ..... لقد قامت كلُّ عقيدةٍ بالصَّفوة المختارة، لا بالزَّبد الَّذي يذهب جُفاءً، ولا بالهشيم الَّذي تذروه الرِّياح».

إنَّ غزوة حنين سُجِّلت في القرآن الكريم؛ لكي تبقى درساً للأمَّة في كلِّ زمانٍ، ومكان، ولقد عُرِضَتْ في القرآن الكريم على منهجيَّة ربانيَّة كان من أهم معالمها الآتي:

أ - بيَّن القرآن الكريم، أن المسلمين أصابهم الإعجاب بكثرة عددهم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، ثم بيَّن القرآن أنَّ هذه الكثرة لا تفيد ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾

ب - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ المسلمين انهزموا، وهربوا ما عدا النَّبيِّ (ﷺ) ، ونفرٌ يسيرٌ من أصحابه. قال تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

ج - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ الله نصر رسوله (ﷺ) في هذه المعركة، وأكرمه بإنزال السَّكينة عليه، وعلى المؤمنين. فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

د - بيَّن القرآن الكريم: أنَّ الله أمدَّ نبيَّه محمَّداً (ﷺ) بالملائكة في حنين. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾

وأكَّد - سبحانه - على أنَّه يقبل التَّوبة من عباده، ويوفِّق مَنْ شاء إليها. قال تعالى:

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

ثانياً: أسباب الهزيمة، وعوامل النَّصر في حُنين:

أ - أسباب الهزيمة:

أسباب الهزيمة في الجولة الأولى عدَّة أسباب، منها:

1 - أنَّ شيئاً من العُجْبِ تسرب إلى قلوب المسلمين، لـمَّا رأوا عددهم، فقد قال رجلٌ منهم: لن نُغلب اليوم من قلَّة، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ (ﷺ) ، فكانت الهزيمة.

2 - خروج شبَّانٍ ليس لديهم سلاحٌ، أو سلاحٌ كافٍ، وإنَّما عندهم حماسٌ وتسرُّعٌ.

3 - أنَّ عدد المشركين كان كثيراً، بلغ أكثر من ضعفي عدد المسلمين.

4 - أنَّ مالك بن عوف سبق بجيشه إلى حُنَيْن، فتهيَّأ هنالك، ووضع الكمائن والرُّماة في مضايق الوادي، وعلى جوانبه، وفاجؤوا المسلمين برميهم بالنِّبال، وبالهجوم المباغت.

5 - كان العدو مهيَّأ، ومنظَّماً، ومستعدّاً للقتال حال مواجهته لجيش المسلمين، فقد جاء المشركون بأحسن صفوفٍ رُئيت: صفِّ الخيل، ثمَّ المقاتلة، ثمَّ النِّساء من وراء ذلك، ثمَّ الغنم، ثمَّ النَّعَم.

6 - وجود ضعاف الإيمان الَّذين أسلموا حديثاً في مكَّة، ففرُّوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم، فكان ذلك سبباً لوقوع الخلل، وهزيمة غيرهم.

ب - عوامل النَّصر:

كانت عوامل النَّصر في حنين عدَّة أسباب منها:

1 - ثبات الرَّسول (ﷺ) في القتال، وعدم تراجعه، ممَّا جعل الجنود يثبتون، ويستجيبون لنداء القائد الثَّابت.

2 - شجاعة القائد: فالرَّسول القائد لم يثبت في مكانه فحسب؛ بل تقدَّم نحو عدوه راكباً بغلته، فطفق يَرْكُضُ ببغلته قِبَل الكفار، والعبَّاس اخذٌ بلجام البغلة يكفُّها ألاَّ تسرع.

3 - ثبات قلَّةٍ من المسلمين معه، وحوله حتَّى جاء الَّذين تولَّوا، وأكملوا المسيرة، مسيرة الثَّبات، والبرِّ، والقتال حتَّى النَّصر.

4 - سرعة استجابة الفارِّين، والتحاقهم بالقتال.

5 - وقوع الجيش المعادي في خطأٍ عسكريٍّ قاتل، وهو عدم الاستمرار في مطاردة الجيش الإسلاميِّ بعد فراره، ممَّا أعطى فرصةً ثمينةً للجيش الإسلاميِّ ليلتقط أنفاسه، ويعود إلى ساحة القتال، ويستأنف القتال من جديدٍ بقيادة القائد الثابت الشُّجاع رسول الله (ﷺ) .

6 - رَمْيَةُ الحصى: فقد أخذ النَّبي (ﷺ) حصياتٍ فرمى بهنَّ وجوه الكفار ثمَّ قال: «انهزموا وربِّ محمد!» .

7 - الاستعانة، والاستغاثة بالله - عز وجلَّ -: فقد كان الرسول (ﷺ) يلحُّ على الله في الدُّعاء بالنَّصر على الأعداء.

8 - إنزال الملائكة في الغزوة، ومشاركتها فيها، وقد سجَّل الله هذه المشاركة في كتابه الكريم في سورة التَّوبة: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾.

ثالثاً: الأحكام المستنبطة من غزوة حنين، والطَّائف:

1 - نزول الآية الكريمة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] في يوم أوطاس لبيان حكم المسبيات المتزوِّجات، وقد فرَّق السَّبي بَيْنَهُنَّ وبين أزواجهنَّ، فأوضحت الآية جواز وطئهنَّ؛ إذا انقضت عدَّتهنَّ؛ لأنَّ الفرقة تقع بينهنَّ وبين أزواجهن الكفار بالسَّبي، وتنقضي العدَّة بالوضع للحامل، وبالحيض لغير الحامل.

2 - منع المخنثين خلقة من الدُّخول على النِّساء الأجنبيات: وكان ذلك مباحاً إذ لا حاجة للمخنَّث بالنِّساء، وكان سبب المنع ما رواه البخاريُّ عن زينب بنت أبي سلمة عن أمِّها أمِّ سلمة: دخل عليَّ النبيُّ (ﷺ) وعندي مخنَّثٌ، فسمعتُه يقول لعبد الله بن أبي أميَّة: يا عبد الله! أرأيت إن فتح الله عليكم الطَّائف غداً، فعليك بابنة غيلان، فإنَّها تُقبل بأربعٍ وتُدْبِرُ بثمانٍ، فقال النَّبيُّ (ﷺ) : «لا يدخلَنَّ هؤلاء عليكم». [البخاري (4324)].

وفي هذا المنع حرص النَّبيِّ (ﷺ) على سلامة أخلاق المجتمع الإسلاميِّ.

3 - النَّهي عن قصد قتل النِّساء، والأطفال، والشُّيوخ، وكذلك الأجراء ممَّن لا يشتركون في القتال ضدَّ المسلمين: وقد ذكر ابن كثيرٍ: أنَّ رسول الله (ﷺ) مرَّ يوم حنين بامرأةٍ قتلها خالدُ بن الوليد؛ والنَّاس متقصِّفون عليها، فقال رسول الله (ﷺ) : «ما كانت هذه لتقاتل» وقال لأحدهم: «الحق خالداً، فقل له: لا يقتلن ذريةً، ولا عسيفاً» وفي روايةٍ: فقال له: إنَّ رسول الله (ﷺ) ينهاك أن تقتل وليداً، او امرأة، أو عسيفاً. [أحمد (3/488)، وأبو داود (2669)، وابن ماجه (2842)، والنسائي في الكبرى (8571 و8572 و8573)، وابن حبان (4791)].

4 - تشريع العمرة من الجِعْرَانَةِ:

أحرم النَّبيُّ (ﷺ) بعمرة من الجِعْرَانَةِ وكان داخلاً إلى مكَّة، وهذه هي السُّنة لمن دخلها من طريق الطَّائف، وما يليه، وأمَّا ما يفعله كثيرٌ مما لا علم عندهم من الخروج من مكَّة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرةٍ ثمَّ يرجع إليها؛ فهذا لم يفعله رسول الله (ﷺ) ، ولا استحبَّه أحدٌ من أهل العلم، وإنَّما يفعله عوامُّ النَّاس، زعموا أنَّه اقتداء بالنَّبيِّ (ﷺ) ، وغلطوا، فإنَّه إنَّما أحرم منها داخلاً إلى مكَّة، ولم يخرج منها إلى الجِعْرَانةِ؛ ليحرم منها.

5 - إرشاده (ﷺ) للأعرابيِّ بأن يصنع في العمرة ما يصنع في الحجِّ:

قال يعلى بن منبِّه: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ (ﷺ) ، وهو بالجِعْرَانَةِ وعليه جبَّةٌ، وعليها خلوقٌ، أو قال: أثر صفرةٍ، فقال: كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟ قال: وأُنزِل على النَّبيِّ (ﷺ) الوحيُ، فَسُتِرَ بثوبٍ، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النَّبيَّ (ﷺ) ، وقد أُنْزل الوحي عليه، قال: فرفع عمر طرف الثَّوب عنه، فنظرت إليه، فإذا له غطيطٌ. قال: فلـمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قال: «أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك الصُّفرة - أو قال -: أثر الخلوق، واخلَعْ عنك جبَّتك، واصنعْ في عمرتك ما أنت صانع في حجَّتك». [البخاري (1536)، ومسلم (1180)].

6 - مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبُه:

قال أبو قتادة: لـمَّا كان يوم حنين نظرتُ إلى رجلٍ من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين، واخر من المشركين يَخْتِلُه من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الَّذي يَخْتِله، فرفع ليضربني، فضربت يده فقطعتُها، ثمَّ أخذني، فضمَّني ضمّاً شديداً حتَّى تخوَّفْتُ، ثمَّ برك فتحلَّل، ودفعته، ثمَّ قتلته، وانهزم المسلمون، وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطَّاب في النَّاس، فقلت له: ما شأنُ النَّاس؟ قال: أمرُ الله، ثمَّ تراجع الناس إلى رسول الله، فقال رسول الله (ﷺ) : «من أقام بينة على قتيلٍ قتله؛ فله سلبه» فقمت لألتمس بينةً على قتيلي، فلم أرَ أحداً يشهد لي، فجلست، ثمَّ بدا لي فذكرتُ أمره لرسول الله (ﷺ) فقال رجلٌ من جلسائه: سلاح هذا القتيل الَّذي يذكر عندي، فأرضهِ منه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: كلا لا يعطه أصيبغ من قريشٍ، ويدع أسداً من أُسْدِ الله يقاتل عن الله، ورسوله (ﷺ) ، قال: فقام رسول الله (ﷺ) فأدَّاه إلي فاشتريت منه خرافاً، فكان أوَّل مالٍ تأثَّلتُهُ في الإسلام. [البخاري (4321)، ومسلم (1751)].

ونلحظ في هذا الخبر: أنَّ أبا قتادة الأنصاريَّ رضي الله عنه حرص على سلامة أخيه المسلم، وقتل ذلك الكافر بعد جهدٍ عظيم، كما أنَّ موقف الصِّدِّيق رضي الله عنه فيه دلالةٌ على حرصه على إحقاق الحقِّ، والدِّفاع عنه، ودليلٌ على رسوخ إيمانه، وعمق يقينه، وتقديره لرابطة الأخوَّة الإسلاميَّة، وأنَّها بمنزلةٍ رفيعةٍ بالنسبة له.

7 - النهي عن الغلول:

أخذ النَّبيُّ (ﷺ) يوم حنين وَبَرةً من سنام بعيرٍ من الغنائم، فجعلها بين أصبعيه، ثمَّ قال: «أيُّها النَّاس! إنَّه لا يحلُّ لي ممَّا أفاء الله عليكم قدر هذه، إلا الخمس، والخمس مردودٌ عليكم، فأدُّوا الخياط، والمخيط، وإيَّاكم، والغلول، فإنَّ الغلول عارٌ، ونارٌ، وشنارٌ على أهله في الدُّنيا، والآخرة».

ولـمَّا سمع النَّاس هذا الزَّجر بما فيه من وعيد من رسول الله (ﷺ) ، أشفقوا على أنفسهم، وخافوا خوفاً شديداً، فجاء أنصاريٌّ بكبَّة خيطٍ من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله! أخذت هذه الوبرة لأخيط بها بَرذَعَةَ بعيرٍ لي دَبِر، فقال له (ﷺ) : «أمَّا حقِّي منها، وما كان لبني عبد المطَّلب فهو لك». فقال الأنصاريُّ: أما إذ بلغ الأمر فيها ذلك فلا حاجة لي بها، فرمى بها مِنْ يده. [أحمد (2/184)، وأبو داود (2694)، والنسائي (6/263 - 264)].

وأمَّا عقيل بن أبي طالب؛ فقد دخل على امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين، وسيفه ملطَّخٌ دماً، فقال لها: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع المنادي يقول: من أخذ شيئاً فليردَّه، حتَّى الخياط، والمخيط، فرجع عقيل فأخذ الإبرة من امرأته، فألقاها في الغنائم.

وهذا التَّشديد في النَّهي عن الغلول، وتبشيعه بهذه الصُّورة الشَّائهة المرعبة، ولو كان في شيءٍ تافهٍ لا يُلتفت إليه، يمثِّل مَعْلماً من أهم معالم المنهج النبويِّ في تربية الأفراد على ما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم في حياته العمليَّة؛ إيماناً، وأمانة، وفي التزام الأفراد بهذا التَّوجيه يتطهَّر المجتمع المسلم من رذيلة الخيانة؛ لأنَّ التَّساهل في صغيرها يقود إلى كبيرها، والخيانة من أرذل الأخلاق الإنسانيَّة التي لا تليق بالمجتمع المسلم.

8 - وفاء نذر كان في الجاهلية:

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لـمَّا قفلنا من حنين سأل عمرُ النَّبيَّ (ﷺ) عن نَذْرٍ كان نذره في الجاهليَّة اعتكافاً، فأمره النَّبيُّ (ﷺ) بوفائه. [البخاري (4320)، ومسلم (1656)].

رابعاً: مواقف لبعض الصَّحابة والصَّحابيات:

1 - أنس بن أبي مرثدٍ الغنويُّ، وحراسة المسلمين:

قال رسول الله (ﷺ) قبل اندلاع معركة حنين: «من يحرسنا اللَّيلة؟» فقال أنسُ بن أبي مرثدٍ: أنا يا رسول الله! قال (ﷺ) : «فاركب»، فركب ابن أبي مرثد فرساً له، وجاء إلى رسول الله (ﷺ) فقال له (ﷺ) : «استقبل هذا الشِّعْب حتَّى تكون في أعلاه، ولا نُغَزَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيلة».

قال سهيل بن الحنظليَّة: فلـمَّا أصبحنا؛ خرج رسول الله (ﷺ) إلى مُصَلاَّه، فركع ركعتين، ثمَّ قال: «هل أحسنتم فارسكم؟» قالوا: ما أحسنَّاه، فثوَّب بالصَّلاة، فجعل (ﷺ) يصلِّي، وهو يلتفت إلى الشِّعب، حتَّى إذا قضى صلاته، قال: «أبشروا! فقد جاءكم فارسكُم»، فجعل ينظر إلى خلال الشَّجر في الشِّعب، فإذا هو قد جاء حتَّى وقف عليه، فقال: إنِّي انطلقت حتَّى إذا كنت في أعلى الشِّعب حيث أمرني (ﷺ) ، فلـمَّا أصبحت طلعتُ الشِّعبين كليهما فنظرت، فلم أرَ أحداً، فقال (ﷺ) : «هل نزلت اللَّيلة؟»، فقال: لا، إلا مصلِّياً، أو قاضي حاجةٍ، فقال له (ﷺ) : «قد أوجبت، فلا عليك أن تعمل بعدها» [أبو داود (2501)، والنسائي في الكبرى (8819)].

وفي هذا الخبر يظهر لنا المنهج النَّبويُّ الكريم في الاهتمام بالأفراد، فقد ظهر اهتمام النَّبيِّ (ﷺ) بطليعة القوم حتَّى جعل يلتفت في صلاته، وما كان ذلك ليحدث إلا لأمرٍ مهمٍّ، ثمَّ إنَّه (ﷺ) قال: «أبشروا ! فقد جاء فارسكم» إنَّها الكلمة الَّتي يستعملها (ﷺ) في إخبارهم بما يسرُّهم من الأمور العظيمة، تلك هي أهمِّية الفرد في المجتمع الإسلاميِّ، إنَّه ليس كمَّاً مهملاً، ولا رقماً في سجلٍ، ولا بزالاً في الةٍ، يستغنى عنه عند الضَّرورة ليؤتى بغيره، إنَّها بعض التَّفسير للمنهج الإلهيِّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ [الإسراء: 70].

كما أنَّ في هذه القصَّة مَعْلَماً من معالم المنهج النَّبويِّ الكريم في وجوب اليقظة، وتعرُّف أحوال العدو، ومراقبة حركاته، ومعرفة ما عنده من القوَّة عدداً وعدَّةً، وما رسمه من خططٍ حربيَّةٍ، وهي سياسةٌ مهمَّةٌ بالنسبة للقادة الَّذين يسعون لإعلاء كملة الله في الأرض.

وأمَّا قول الرَّسول (ﷺ) : «قد أوجبت، فلا عليك أن تعمل بعدها»، فهذا محمول على النَّوافل الَّتي يكفِّر الله بها السيئات، ويرفع بها الدَّرجات، والمقصود: أنَّه عمل عملاً صالحاً كبيراً يكفي لتكفير ما قد يقع منه مِنْ سيئاتٍ في المستقبل، ويرفع الله به درجاته في الجنَّة، وليس المقصود: أنَّ هذا العمل يكفيه عن أداء الواجبات.

2 - شجاعة أمِّ سُلَيْمٍ يوم حنين:

قال أنس رضي الله عنه: إنَّ أمَّ سُلَيْمٍ اتخذت يوم حنين خِنْجَراً، فكان معها، فراها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! هذه أمُّ سليم معها خنجرٌ، فقال لها رسول الله (ﷺ): «ما هذا الخنجر؟» قالت: اتَّخذته إن دنا مني أحد من المشركين؛ بقرت به بطنه، فجعل رسول الله (ﷺ) يضحك، قالت: يا رسول الله! اقتلْ مَنْ بعدنا من الطُّلقاء، انهزموا بك، فقال رسول الله: «يا أمَّ سُلَيْمٍ! إنَّ الله قد كفى، وأحسن». [مسلم (1809)].

3 - الشَّيماء بنت الحارث أخت النَّبيِّ (ﷺ) من الرَّضاعة:

كان المسلمون قد ساقوا فيمن ساقوه إلى رسول الله (ﷺ) الشَّيماء بنت الحارث، وبنت حليمة السَّعدية، أخت رسول الله (ﷺ) من الرَّضاعة، وعنَّفوا عليها في السَّوق، وهم لا يدرون، فقالت للمسلمين: تعلمون والله! أنِّي لأختُ صاحبكم من الرَّضاعة، فلم يصدِّقوها حتَّى أتوا بها رسولَ الله (ﷺ)، ولما انتهت الشَّيماء إلى رسول الله (ﷺ) قالت: يا رسول الله! إنِّي أختك من الرَّضاعة، قال: «ما علامة ذلك ؟» قالت: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا في ظهري ، وأنَّا مُتَوَرِّكَتُك، وعرف رسولُ الله (ﷺ) العلامة، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه وخيَّرها، وقال: «إن أحببت؛ فعندي مُحَبَّةً مُكْرمَةً، وإن أحببت أن أُمَتِّعَكِ، وترجعي إلى قومك؛ فعلتُ» فقالت: بل تمتِّعني، وتردُّني إلى قومي، ومتَّعها رسول الله (ﷺ) فأسلمت، وأعطاها رسول الله (ﷺ) ثلاثة أَعْبُدٍ، وجاريةً، ونعماً، وشاء. [الطبري في تاريخه (3/131 -132)، وابن هشام (4/100 - 101)، والبيهقي في الدلائل (5/199 - 200)، وعبد الرزاق في المصنف (7/479) برقم (13958)].

خامساً: إسلام كعب بن زهير - الشَّاعر - والهيمنة الإعلاميَّة على الجزيرة:

لـمَّا قدم رسول الله (ﷺ) من الطَّائف؛ جاءه كعب بن زهير - الشَّاعر ابن الشَّاعر - وكان قد هجا رسول الله (ﷺ) ، ثمَّ ضاقت به الأرض، وضاقت عليه نفسه، وحثَّه أخوه (بُجَيْر) على أن يأتي رسول الله (ﷺ) تائباً مسلماً، وحذَّره من سوء العاقبة؛ إن لم يفعل ذلك، فقال قصيدته الَّتي يمدح فيها رسول الله (ﷺ) ، والتي اشتهرت بقصيدة (بانت سعاد) فقدم المدينة، وغدا إلى رسول الله (ﷺ) حين صلَّى الصُّبح، ثمَّ جلس إليه، ووضع يده في يده، وكان رسول الله (ﷺ) لا يعرفه، فقال لرسول الله (ﷺ) : «إنَّ كعب بن زهير جاء يستأمنُك تائباً مسلماً، فهل أنت قابلٌ منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! دعني وعدوَّ الله أضرب عنقه، فقال رسول الله (ﷺ) : «دعه عنك، فقد جاء تائباً نازعاً» وأنشد كعب قصيدته اللاَّمية الَّتي قال فيها:

 

بَاْنَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ

 

مُتَـيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ

 

 

ومَا سُعَادُ غَدَاةَ الطَّرْفِ إِذْ رَحَلُوا

 

إِلاَّ أغنُّ قَرِيْرُ العَيْنِ مَكْحُولُ

 

ومنها:

 

إنَّ الرَّسُوْلَ لَـنُوْرٌ يُسْتَضَاءُ بهِ

 

مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ

 

 

فيْ عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهُمْ

 

بِبَطْنِ مَكَّةَ لـمَّا أَسْلَمُوا زُوْلُوا

 

 

شُمُّ العَرَانِيْنِ أبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ

 

مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الْهَيْجَا سَرَابِيْلُ

 

 [الحاكم (3/579 - 583)، والطبراني في الكبير (19/176 - 179)، برقم (403)، والبيهقي في الدلائل (5/207 - 211)، والهيثمي في مجمع الزوائد (9/393 - 394)].

ويقال: إنَّه لما أنشد رسول الله قصيدته؛ أعطاه بردته، وهي الَّتي صارت إلى الخلفاء، قال ابن كثيرٍ: هذا من الأمور المشهورة جدّاً، ولكن لم أرَ ذلك في شيءٍ من هذه الكتب المشهورة بإسنادٍ أرتضيه، فالله أعلم.

ويقال: إنَّ الرَّسول(ﷺ) قال له بعد ذلك: لولا ذكرت الأنصار بخيرٍ، فإن الأنصار لذلك أهلٌ، فقال:

 

مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الحَيَاةِ فَلاْ يَزَلْ

 

فِيْ مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الأَنْصَارِ

 

 

وَرِثُوا المكَارِمَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ

 

إنَّ الخِيَارَ هُمُ بَنُو الأَخْيَارِ

 

 

المُكْرَهِيْنَ السَّمْهَرِيَّ بأذْرُعٍ

 

كسَوَالِفِ الهِنْدِيِّ غَيْرِ قِصَارِ

 

 

والنَّاظِرِيْنَ بأَعْيُنٍ مُحْمَرةٍ

 

كالْجَمْرِ غَيْرَ كَلِيْلَةِ الأَبْصَارِ

 

 

والبَائِعِيْنَ نُـفُوْسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ

 

لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وكِرَارِ

 

 

والقَائِدِيْنَ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ

 

بالمَشْرِفيِّ وبالقَنَا الَخطَّارِ

 

 

يَتَطهَّروْنَ يَرَوْنَه نُسُكَاً لَهُمْ

 

بدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الكُفَّارِ

 

 إلى أن قال:

 

لَوْ يَعْلَمُ الأَقْوَامُ عِلْمِيَ كُلَّهُ

 

فِيْهِمْ لَصَدَّقَنِي الَّذِيْنَ أُمَارِي

 

 

قَوْمٌ إِذَا خَوتِ النُّجُومُ فإِنَّهُمْ

 

لِلطَّارِقِيْنَ النَّازِلِيْنَ مَقَارِي

 

وبإسلام كعب بن زهير نستطيع القول بأنَّ الشُّعراء المعارضين للدَّعوة الإسلاميَّة قد انتهى دورهم، فقد أسلم ضرار بن الخطَّاب، وعبد الله بن الزِّبَعْرَى، وأبو سفيان بن الحارث، والحارث بن هشام، والعبَّاس بن مرداس، وتحوَّلوا إلى الصَّفِّ الإسلاميِّ، واستظلوا بلوائه عن قناعةٍ، وإيمانٍ، ولم يكتفِ بعضهم بأن تكون كلمتُه في الدِّفاع عن الإسلام؛ بل كان سيفُه إلى جانب كلمته، وهذا من بركات فتح مكَّة.

سادساً: من نتائج غزوة حنينٍ، والطائف:

1 - انتصار المسلمين على قبيلتي هوازن، وثقيف في هذه الغزوة.

2 - كانت غزوة حنين والطَّائف اخر غزوات النَّبيِّ (ﷺ) لمشركي العرب.

3 - رجوع كثيرٍ من أهل مكَّة والأعراب بغنائم إلى مواطنهم تأليفاً لهم لدخول الإسلام، وحصول الأنصار على وسامٍ عظيم، وهو شهادةُ رسولِ الله (ﷺ) لهم بالإيمان، والدُّعـاء لـهم ولأبنـائهم، وأحفادهم، ورجوعهم برسول الله (ﷺ) إلى المدينة.

4 - انضمام كوكبةٍ مباركةٍ من قيادة أهل مكَّة وهوازن إلى الإسلام، وأصبحوا حرباً ضروساً على الأوثان، والأصنام، والمعابد الجاهليَّة في الجزيرة العربيَّة، كما كان لقبيلة هوازن دورٌ كبيرٌ في مجاهدة أهل الطَّائف، والتَّضييق عليهم حتَّى أسلموا.

5 - توسَّعت الدَّولة الإسلاميَّة وامتدَّ نفوذها، وأصبح لرسول الله (ﷺ) أمراء بمكَّة، وعلى قبيلة هوازن، وصارت تلك الأماكن جزءاً من الدولة الإسلامية؛ التي عاصمتها المدينة النَّبويَّة، وأصبح بالإمكان أن يرسل رسولُ الله (ﷺ) بعوثاً دعويَّةً بدون خوفٍ، أو وجلٍ مِنْ أحدٍ، وصارت المدينة بعد الفتح تستقبل وفود المستجيبين، وأخذت حركة السَّرايا تستهدف الأوثان، والأصنام لتهديمها، فقد أصبح استئصال وجودها من الجزيرة سهلاً، ونظَّم رسولُ الله (ﷺ) فريضة الزَّكاة، فكلَّف مَنْ يقوم على جمعها من القبائل التَّابعة للدَّولة.

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

                        على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022