الحلقة السابعة عشر بعد المئة (117)
الأحداث الواقعة ما بين حُنَيْنٍ وتبوك
أولاً: ترتيب استيفاء الصَّدقات:
شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودته إلى المدينة - في أواخر ذي القعدة - في تنظيم الإدارة، والجباية، وكان صلى الله عليه وسلم قد استخلف عَتَّابَ بن أَسِيْدٍ على مكَّة حين انتهى من أداء العمرة، وخلَّف معه معاذ بن جبل يفقِّه النَّاس، ويعلِّمهم القرآن، وكان هدي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عندما تدخل القبائل في الإسلام الحرصَ على تعليمها، وتربيتها، ويُعَيِّن مَنْ يُشرف على ذلك؛ لأنَّ النُّفوس تحتاج إلى العناية، والاهتمام، وغرس العقائد الصَّحيحة، والتَّصوُّرات السَّليمة فيها.
وفي مطلع المحرم من العام التَّاسع وجَّه الرَّسول صلى الله عليه وسلم عُمَّالَه إلى المناطق المختلفة، فبعث بُريدة بن الحصيب إلى أسلم، وغِفار، وعبَّاد بن بشر الأشهلي إلى سُليم، ومزينة، ورافع بن مكيث إلى جهينة، وعمرو بن العاص إلى فزارة، والضَّحاكَ بن شعبان الكلابيَّ إلى بني كلاب، وبسر بن سفيان الكعبي إلى بني كعبٍ، وابن اللُّتبيَّة الأزديَّ إلى بني ذبيان، ورجلاً من بني سعد بن هذيم إلى بني هذيم، والمهاجر بن أبي أميَّة إلى صنعاء، وزياد بن لبيد إلى حضرموت، والزبرقان بن بدرٍ، وقيس بن عاصم إلى بني سعدٍ، والعلاءَ بن الحضرميِّ إلى البحرين، وعليَّ بن أبي طالبٍ إلى نجران؛ ليجمع صدقاتهم، ويَقْدَم عليه بجزيتهم(1).
وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العُمَّال، يحاسبهم على المستخرج، والمصروف، كما فعل مع عامله ابن اللُّـتْبِـيَّة من الأزد، حيث حاسبه عندما قال الرَّجل: هذا لكم، وهذا أُهدي لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ما بالُ عاملٍ أبعثُه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو بيت أمِّه حتَّى ينظر أيُهدى إليه أم لا؟!، والَّذي نفس محمد بيده ! لا ينال أحدٌ منكم شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيراً له رُغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاةً تَيْعَرُ» ثمَّ رفع يديه حتَّى رأينا عُفْرَتَيْ إبطيه ثمَّ قال: «اللَّهُمَّ هل بلغتُ؟ مرَّتين» [البخاري (6979)، ومسلم (1832)]. وكان يقول أيضاً: «أيما عاملٍ استعملناه وفرضنا له رزقاً فما أصاب بعد رزقه؛ فهو غلول». [أبو داود (2943)].
ثانياً: أهمُّ السَّرايا في هذه المرحلة:
أ - سريَّة الطُّفيل بن عمرو إلى ذي الكفلين:
كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد بعث الطُّفيل بن عمروٍ من مقرِّه في حُنَيْنٍ، وقبل أن يسير إلى الطَّائف، أمره بأن يهدم (ذا الكفلين) صنم عمرو بن حُمَمَة الدَّوسيِّ، ثمَّ يستمدُّ قومه، ويوافيه مع المدد إلى الطَّائف، وقد نَّفذ الطُّفيل بن عمروٍ أوامر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فهدم (ذا الكفلين) وحرَّقه، وقاد أربعمئةٍ من قومه، ومعهم دبابةٌ، ومنجنيق مدداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوصلوا إليه بعد مقدمه الطَّائف بأربعة أيام.
ب - سريَّة عبد الله بن حُذافة السَّهميِّ، ويُقال: إنَّها سريَّة الأنصار:
قال عليُّ بن أبي طالبٍ: بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم سريَّـةً فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى! قال: فاجمعوا لي حطباً، فجمعوا، فقال: أوقدوا ناراً، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهمُّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضاً ويقولون: فررنا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من النَّار، فما زالوا حتَّى خمدت النَّـار، فسكن غضبُـه، فبلغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «لـو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة؛ الطَّاعة في المعروف». [البخاري (4340)، ومسلم (1840)].
ج - سريَّة عليِّ بن أبي طالب لهدم صنم الفُلْس في بلاد طَيِّئ:
وفي ربيع الآخر خرجت سريَّة عليِّ بن أبي طالب إلى الفُلْس - صنم لِطيِّئ - ليهدمه، وكان تعدادها خمسين ومئة رجلٍ من الأنصار، على مئة بعير، وخمسين فرساً، ومعه رايةٌ سوداء، ولواءٌ أبيض، فشنُّوا الغارة على محلَّة ال حاتم - حاتم الطَّائيِّ الَّذي ضُرب المثل بجوده - مع الفجر، فهدموا الفُلْس، وخرَّبوه، وملؤوا أيديهم من السَّبي، والنَّعَم، والشَّاء، وفي السَّبي أخت عديِّ بن حاتم، وهرب عديٌّ إلى الشَّام.
د - سرية جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الخَلَصَة:
قال جرير بن عبد الله: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا تُرِيحُني من ذي الخَلَصَة؟»، فقلت: بلى! فانطلقت في خمسين ومئـة فارس من أحمَس، وكـانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبتُ على الخيل، فذكرت ذلك للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فضرب يده على صدري، حتَّى رأيت أثر يده في صدري، وقال: «اللَّهم! ثَـبِّـتْـهُ واجعله هادياً مهديّاً» قال: فما وقعت عن فرسٍ بعدُ، قال: وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخَثْعَمَ، وبجيلة، فيه نُصُبٌ يقال له: الكعبـة، قال: فأتاها فحرَّقها بالنَّـار، وكسرها، قال: ولـمَّا قدم جرير اليمن كان بها رجلٌ يستقسم بالأزلام، فقيل له: إنَّ رَسُولَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم هاهنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك! قال: فبينما هو يضرب بها؛ إذ وقف عليه جرير، فقال: لَـتَـكْسِرَنَّها ولتَشْهَـدنَّ أن لا إله إلا الله، أو لأضربن عنقك! قال: فكسرها، وشهد، ثم بعث جرير رجُلاً من أحمَس يُكنى أبا أرطأة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يبشِّره بذلك، فلـمَّا أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحقِّ ما جئت حتَّى تركتُها كأنَّها جملٌ أجرب، قال: فبرَّك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على خيل أحمَس، ورجالها خمس مرَّاتٍ. [البخاري (4357)، ومسلم (2476)، وأحمد (4/362)، وأبو داود (2772)، والنسائي في الكبرى (8245)].
ثالثاً: إسلام عديِّ بن حاتم:
عندما وقعت أخت عديِّ بن حاتم في أسر المسلمين؛ عاملها رسول الله صلى الله عليه وسلم معاملةً كريمة، وبقيت معزَّزة مكرَّمةً، ثمَّ كساها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وأعطاها ما تتبلَّغ به في سفرها، وعندما وصلت إلى أخيها في الشَّام شجَّعته على الذَّهاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتأثَّر بنصيحتها، وقدم على المدينة، ونترك أبا عبيدة بن حذيفة يحدِّثنا عن قصَّة إسلام عديٍّ، قال أبو عبيدة بن حذيفة: كنت أُحَدَّثُ عن عديِّ بن حاتمٍ، فقلت: هذا عديٌّ في ناحية الكوفة، فلو أتيتُه، فكنت أنا الذي أسمع منه، فأتيتُه فقلت: إنِّي كنت أُحدَّث عنك حديثاً، فأردت أن أكون أنا الَّذي أسمعـه منك. قال: لـمَّا بعث الله - عزَّ وجلَّ - النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فررت منه حتَّى كنت في أقصى أرض المسلمين ممَّا يلي الرُّوم.
قال: فكرهت مكاني الَّذي أنا فيه حتَّى كنت له أشدَّ كراهيةً له منِّي من حيث جئت، قال: قلت: لاتينَّ هذا الرَّجل، فوالله! إن كان صادقاً، فلأسمعنَّ منه، وإن كان كاذباً ما هو بضائري.
قال: فأتيتُه، واستشرفني النَّاس، وقالوا: عديُّ بن حاتمٍ، عديُّ بن حاتمٍ، قال: أظنُّه قال ثلاث مرارٍ، قال: فقال لي: «يا عديُّ بن حاتمٍ! أسلم؛ تسلم». قال: قلت: إنِّي من أهل دينٍ، قال: «يا عديُّ بن حاتمٍ! أسلم؛ تسلم» قال: قلت: إنِّي من أهل دينٍ، قالها ثلاثاً، قال: «أنا أعلم بدينك منك» قال: قلت: أنت أعلم بديني منِّي؟! قال: «نعم» قال: «أليس ترأس قومك؟» قال: قلت: بلى! قال: فذكر محمَّدٌ الرَّكوسِيَّة قال: كلمة التمسها يقيمها، فتركها، قال: «فإنَّه لا يحلُّ في دينك المرباع ».
قال: فلـمَّا قالها؛ تواضعتُ لها، قال: «وإنِّي قد أرى أنَّ ممَّا يمنعك خصاصةً تراها ممَّن حولي، وأن النَّاس علينا إلباً واحداً، هل تعرف مكان الحِيرة؟» قال: قلت: قد سمعت بها، ولم اتها. قال: «لتوشكنَّ الظَّعينة أن تخرج منها بغير جوارٍ حتَّى تطوف بالكعبة، ولتوشكنَّ كنوز كسرى بن هرمز تُفتح» قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بـن هرمز - ثلاث مرات -، وليوشكنَّ أن يبتغي مَنْ يقبل ماله منه صدقةً فلا يجد» قال: فلقـد رأيت اثنتين: قد رأيت الظَّعينـة تخرج من الحيرة بغير جوارٍ حتَّى تطوف بالكعبة، وكنت في الخيل الَّتي أغارت على المدائن، وايم الله! لتكونن الثَّالثة إنَّه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثنيه. [البخاري (3595)، وأحمد (4/257)].
وفي روايةٍ جاء فيه: «... فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه، وهو في مسجده، فسلَّمت عليه، فقال: «من الرَّجل؟» فقلت: عديُّ بن حاتمٍ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق بي إلى بيتـه، فوالله! إنَّه لعامدٌ بي إليه؛ إذ لقيته امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلِّمه في حاجتها، قال: قلت في نفسي: والله! ما هذا بِمَلِـكٍ، قال: ثمَّ مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى إذا دخل بي بيته تناول وسادةً من أَدَمٍ، محشوةً ليفـاً، فقذفها إليَّ، فقال: «اجلس على هذه» قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: «بل أنت» فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض، قال: قلت في نفسي: والله! ما هذا بأمر مَلِكٍ».
وفي هذه القصَّة دروس، وعبرٌ كثيرةٌ منها:
1 - كان عديُّ وهو مقبلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل في تصوُّره أنَّه أحد رجلين: إمَّا نبيُّ أو مَلِكٌ، فلـمَّا رأى وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المرأة الضَّعيفة الكبيرة مدَّةً طويلةً شعر بِخُلُق التَّواضع، وانسلخ مِنْ ذهنه عامل المَلِكِ، واستقرَّ في تصوُّره عامل النُّبوَّة.
2 - كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم موفقاً حينما انتقد عَدِيّاً في مخالفته للدِّين الَّذي يعتنقُه، حين حصل لعدي اليقين بنبوَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الَّذي يعلم من دينه ما لا يعلمه النَّاس مِنْ حوله.
3 - لـمَّا ظهر للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ عديّاً قد أيقن بنبوَّته؛ تحدَّث عن العوائق الَّتي تحول بين بعض الناس واتِّباع الحقِّ حتَّى مع معرفتهم بأنَّه حقٌّ، ومنها: ضعف المسلمين وعدم اتساع دولتهم، وما هم فيه من الفقر، فأبان له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ الأمن سيشمل البلاد حتَّى تخرج المرأة من العراق إلى مكَّة من غير أن تحتاج إلى حماية أحدٍ، وأنَّ دولة الفرس ستقع تحت سلطان المسلمين، وأنَّ المال سيفيض حتَّى لا يقبله أحدٌ، فلـمَّا زالت عن عديٍّ هذه المعوِّقات؛ أسلم.
4 - كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم موفقاً في دعوته، حيث كان خبيراً بأدواء النُّفوس، ودوائها، ومواطن الضَّعف فيها وأزمَّة قيادها، فكان يلائم كلَّ إنسانٍ بما يلائم علمه وفكره، وما ينسجم مع مشاعره وأحاسيسه، ولذلك أثَّر في زعماء القبائل، ودخل النَّاس في دين الله أفواجاً.
5 - وجد عديُّ سماتِ النُّبوَّة الصَّادقة في مظهر معيشته صلى الله عليه وسلم وحياته، ووجد هذه السِّمات أيضاً في لون حديثه، وكلامه، ووجد مصداق ذلك فيما بعد، في وقائع الزَّمن، والتَّاريخ، فكان ذلك سبباً في إسلامه وزيادة يقينه، وانخلاعه عن زخارف الحياة الدُّنيا ومظاهر الأبَّهة، والتَّرف الَّتي كان قد أسبغها عليه قومُه.
رابعاً: أحداث متفرِّقة في سنة ثمانٍ:
قال ابن كثير نقلاً عن الواقدي: «... وفي هذه السَّنة بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر، وعمرو ابني الجلندى من الأزد، وأُخِذَتِ الجزية من مجوس بلدها، ومَنْ حولها من الأعراب، وفيها تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضَّحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة، فاستعاذت منه عليه السَّلام، ففارقها، وفي ذي الحجَّة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله من مارية القبطيَّة، فاشتدَّت غيرة أمَّهات المؤمنين منها حين رُزِقت ولداً ذكراً.
وفي عام (8 هـ) توفِّيت السَّيدة زينب بنت رسول الله وزوج أبي العاص بن الرَّبيع، وقد ولدت قبل المبعث بعشر سنين، وكانت أكبر بناته صلى الله عليه وسلم، تليها رقيَّة، ثمَّ أمُّ كلثوم، ثمَّ فاطمة رضي الله عنهنَّ، كان رسول الله محبّاً لها، أسلمت قديماً، ثمَّ هاجرت قبل إسلام زوجها بستِّ سنين، وكانت قد أجهضت في هجرتها ثمَّ نزفت، وصار المرض يعاودها حتَّى توفيت، ولـمَّا ماتت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اغْسِلْنها وِتْراً؛ ثلاثاً، أو خمساً، واجعلْن في الآخرة كافوراً». [البخاري (1352)، ومسلم (939)].
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ