الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة التاسعة عشر بعد المئة (119)

أحداث وقصص في الطَّريق، والوصول إلى تبوك

وبعد تعبئة الجيش، وتوزيع المهامِّ، والألوية، والرَّايات، توجَّه الجيش الإسلاميُّ بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ولم ينتظر أحداً قد تأخَّر، وقد تأخَّر نفرٌ من المسلمين يظنُّ فيهم خيراً، وكلَّما ذُكِرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم اسم رجل تأخَّر قال صلى الله عليه وسلم : «دعوه، إن يك فيه خير؛ فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك؛ فقد أراحكم الله منه» [الحاكم 3/50)].

أولاً: قصَّة أبي ذرٍّ الغفاريِّ:

قال ابن إسحاق: ثمَّ مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً، فجعل يتخلَّف عنه الرَّجل، فيقولون: يا رسول الله! تخلَّف فلانٌ، فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خيرٌ؛ فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك، فقد أراحكم الله منه»، حتى قيل: يا رسول الله! قد تخلَّف أبو ذرٍّ، وأبطأ به بعيره، فقال: «دعوه فإن يك فيه خيرٌ؛ فسيلحقُه الله بكم، وإن يك غير ذلك؛ فقد أراحكم الله منه» وتلوَّم أبو ذرٍّ على بعيره، فلـمَّا أبطأ عليه، أخذ متاعه، فحمله على ظهره، ثمَّ خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، فنظر ناظرٌ من المسلمين فقال: يا رسول الله! إنَّ هذا الرَّجل يمشي على الطَّريق وحدَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كن أبا ذرٍّ»، فلـمَّا تأمَّلـه القوم؛ قالوا: يا رسول الله! هو والله أبـو ذرٍّ، فقـال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رحم الله أبا ذرٍّ، يمشي وحدَه، ويموت وحدَه، ويُبعث وحدَه».

ومضى الزَّمان، وجاء عصر عثمان، ثمَّ حدثت بعض الأمور وسُيِّرَ أبو ذرٍّ إلى الرَّبذَة فلـمَّا حضره الموت، أوصى امرأته، وغلامه: إذا متُّ فاغسلاني، وكفِّناني، ثمَّ احملاني، فضعاني على قارعة الطَّريق، فأوَّل ركبٍ يمرُّون بكم؛ فقولوا: هذا أبو ذرٍّ! فلـمَّا مات؛ فعلوا به كذلك، فطلع ركبٌ، فما علموا به؛ حتَّى كادت ركائبهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعودٍ في رهطٍ من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟ فقيل: جِنازة أبي ذرٍّ، فاستهل ابن مسعودٍ يبكي، فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذرٍّ! يمشي وحدَه، ويموت وحدَه، ويُبعث وحدَه» فنزل، فوليه بنفسه حتَّى دفنه. [الحاكم (3/50 - 51)، والطبري في تاريخه (3/145)، والبيهقي في الدلائل (5/221 - 222)].

وفي هذه القصَّة دروسٌ، وعبرٌ؛ منها:

1 - ما تعرَّض له أبو ذرٍّ الغفاريُّ رضي الله عنه من الصُّعوبات، والمخاطر، الَّتي نجَّاه الله منها، وقوَّاه بالصَّبر عليها، لقد بذل أبو ذرٍّ جهداً كبيراً في المشي على قدميه، وهو يحمل متاعه على ظهره، حتَّى لحق بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ لكي ينال شرف الجهاد في سبيل الله.

2 - وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «رحم الله أبا ذر! يمشي وحدَه، ويموت وحدَه، ويبعث وحدَه» دلالةٌ واضحةٌ وضوح الشَّمس في رائعة النَّهار على صدق نبوَّة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ إذ الإخبار بأمورٍ لم تقع، ثمَّ تقع بعد الإخبار يدلُّ على معجزةٍ، وتكريمٍ من الله لهذا الرَّسول صلى الله عليه وسلم وهذه الوسيلة من إثبات النُّبوَّة كثيرةٌ في السِّيرة النَّبويَّة الشَّريفةِ.

3 - كما أنَّ في القصَّة دلالةٌ على علم ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وقوَّة ذاكرته، وسرعة استحضاره لما حفِظ؛ حيث تذكَّر بعد سنواتٍ عديدةٍ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّا سيؤول إليه أمر أبي ذرٍّ في اخر حياته رضي الله عنه.

ثانياً: قصة أبي خيثمة:

قال ابن إسحاق: ... ثمَّ إنَّ أبا خَيْثَمَة رجع بعد أن سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أياماً إلى أهلـه في يوم حارٍّ، فوجد امرأتين لـه في عريشين لهما في حائطـه، قـد رشَّت كلُّ واحدةٍ منها عريشها، وبرَّدت له فيه ماءً، وهيَّأت له فيه طعاماً، فلـمَّا دخل؛ قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه، وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضِّحِّ، والرِّيح، والحرِّ، وأبو خيثمة في ظلٍّ باردٍ، وطعامٍ مُهيَّأ، وامرأةٍ حسناء، في مالـه مقيمٌ، ما هـذا بالنَّصَف ثـمَّ قال: والله ! لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتَّى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهيِّئا لي زاداً، ففعلتا، ثمَّ قدَّم ناضحه، فارتحله، ثمَّ خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أدركه حين نزل تبوك.

وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهبٍ الجُمحيُّ في الطَّريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فترافقا، حتَّى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بـن وهبٍ: إنَّ لي ذنباً، فلا عليك أن تَخَلَّف عنِّي، حتَّى اتيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ففعل حتَّى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازلٌ بتبوك، قال النَّـاس: هذا راكبٌ على الطَّريق مقبلٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كن أبا خيثمة»، فقالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة! فلـمَّا أناخ، أقبل فسلَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أولى لك يا أبا خيثمة!» ثمَّ أخبـر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال لـه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له بخيرٍ. [الطبراني في الكبير (5419)، والبيهقي في الدلائل (5/222 - 223)، والمجمع (6/192 - 193)]

قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعراً، واسمه: مالكُ بن قيسٍ:

 

لـمَّا رأيتُ الناسَ في الدِّيْنِ نافَقُوا

 

أَتَيْتُ الَّتِي كانَتْ أَعَفَّ وأَكْرمَا

 

 

وبَايَعْتُ باليُمْنَى يَدِي لِمُحمَّدِ

 

فَلَمْ أَكْتَسِبْ إِثْمَاً وَلَمْ أَغْشَ مَحْرَمَا

 

 

تَرَكْتُ خَضِيْباً في العَرِيْشِ وَصِرْمَةً

 

صَفَايَا كِرَاماً يُسْرُهَا قَدْ تَحَمَّمَا

 

 

وَكُنْتُ إِذَا شَكَّ المُنَافِقُ أَسْمَحَتْ

 

إِلَى الدِّيْنِ نَفْسِي شَطْرَهُ حَيْثَ يَمَّمَا

 

وفي هذه القصَّة دروسٌ، وعبرٌ، منها:

1 - المسلم صاحب ضميرٍ حيٍّ:

فقد رأى أبو خيثمة رضي الله عنه ما أعدَّت له زوجتاه من الماء البارد، والطَّعام مع الظِّلِّ المبرَّد، والإقامة، فتذكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وما هو فيه من التَّعرُّض للشَّمس ، والرِّيح ، والحرِّ؛ فأبصر ، وتذكَّر ، وتيقَّظ ضميره، وحاسب نفسه، ثمَّ عزم على الخروج، وخرج وحدَه يقطع الفيافي، والقفار حتَّى التقى بعمير بن وهب الجمحيِّ، ولعلَّه كان قادماً من مكة، فهذه الصُّورة تبيِّن لنا مثلاً من سلوك المتَّقين الَّذين تمرُّ عليهم لحظات ضعفٍ، يعودون بعدها أقوى إيماناً ممَّا كانوا عليه، إذا تذكَّروا وراجعوا أنفسهم، وفي بيان ذلك يقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201].

وقد تذكَّر سريعاً، وخرج لعلَّه يدرك ما فاته، وظلَّ يشعر بالذَّنب، حتَّى وصل إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تبوك، وحصل على رضاه، وسرورِه.

2 - معرفة الرَّسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وبمعادنهم:

إنَّ قول الرَّسول صلى الله عليه وسلم حينما قال له أصحابه: هذا راكبٌ على الطَّريق مقبلٌ: «كن أبا خيثمة» فلـمَّا اقترب، وعرفوه، قالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة! يدلُّ على معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وأنَّه أعرفُهم بمعادن رجاله، يعرف المستجيب من غيره، ويعرف التَّائب النَّائب إلى ربِّه إذا زل قدمُه بسرعة رجوعه، ومعرفةُ خصال الرِّجال ومعادِنهم تدلُّ على معرفةٍ واسعةٍ، وخبرةٍ مستوعبةٍ فاحصةٍ، نتيجة التَّعامل، والاحتكاك في ميادين الحياة المختلفة، فقد كان يخالط الجميع يسمع منهم، ويُسمعهم، ويسيرون معه، ويُجاهدون تحت رايته.

3 - حزم أبي خيثمة، وصبره، ونفاذ عزيمته:

تأمَّل هذا القرار الَّذي اتخذه أبو خيثمة رضي الله عنه أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وحدَه، في هذه الرِّحلة المُضْنِيَة، في هذه الصَّحراء قليلة الماء ذات الحرِّ اللافح، لقد اتَّخذ هذا القرار الحازم، ونفَّذه بدقَّةٍ، فدلَّ على قوَّة عزيمته، وعنفوان إرادته، وعلى جلده، وصبره.

4 - عِتَابُ القائد للجنديِّ له أثره:

وصل أبو خيثمة معترفاً بذنبه، يطرح السَّلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعاتبه صلى الله عليه وسلم معاتبةً تحمل في طيَّاتها اللَّوم، والتَّأنيب، والتَّهديد؛ إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أولى لك يـا أبـا خيثمة!» فهي كلمـةٌ فيها معنى التَّهديد، ومعناها: دنوتَ من الهلكة. إنَّه ممَّا لاشكَّ فيه: أنَّ هذا الكلام كان له وقعه في نفس الجنديِّ؛ إذ أوقفه على حقيقة ما ارتكب من الذَّنب.

وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ في تعليم القادة عدم السُّكوت على أخطاء الجنود؛ لأنَّ ذلك يضرُّهم، ويُلحِق الضَّرر بغيرهم، بل عليهم أن يسعوا إلى تصويب الخطأ، ومحاسبة مرتكبه، وتقويمه، وبذلك يكونون معلِّمين، ومرشدين، ومربِّين.

ثالثاً: الوصول إلى تبوك:

عندما وصل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يجد أثراً للحشود الرُّومانية، ولا القبائل العربيَّة، وبالرَّغم من أنَّ الجيش مكث عشرين ليلةً في تبوك، لم تفكِّر القيادة الرُّومانيَّة مطلقاً في الدُّخول مع المسلمين في قتالٍ، حتَّى القبائل العربيَّة المتنصِّرة اثرت السُّكون، أمَّا حكام المدن في أطراف الشَّام، فقد اثروا الصُّلح، ودفع الجزية، فقد أرسل ملك أيلة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هديةً، وهي بغلةٌ بيضاء، وبُرد، فصالحه على الجزية، وأرسل خالدَ بن الوليد رضي الله عنه على رأس سريَّةٍ من الفرسان، بلغ عددها أربعمئةٍ وعشرين فارساً إلى دومة الجندل، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أُكْيدِرَ بن عبد الملك الكنديَّ - ملكَها - وهو في الصَّيْدِ خارجها، فصالحه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على الجزية، وقد تعجَّب المسلمون من قَباء كان أُكَيْدِرُ يلبَسُه، فقال الرَّسول صلى الله عليه وسلم : «أتعجبون من هذا؟ فوالَّذي نفسي بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنَّة أحسن مِنْ هذا». [البخاري (3802)، ومسلم (2468/126)].

وقد ورد أنَّ غنائم خالد من أُكَيْدِرَ كانت ثمانمئةٍ من السَّبي، وألفَ بعيرٍ، وأربعمئة درعٍ، وأربعمئة رمحٍ، وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهي بغلةٌ بيضاء، وبرد، فصالحه على الجزية.

وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهداتٍ لكلٍّ من أهل جرباء، وأذرح، ولأهل مقنا، يؤدِّي بموجبها هؤلاء النَّاس من نصارى العرب الجزية كلَّ عامٍ، وتخضع لسلطان المسلمين، لقد انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإمارات الواقعة في شمال الجزيرة، وعقد معها معاهداتٍ، وبذلك أمن حدود الدَّولة الإسلاميَّة الشَّمالية.

وبهذه المعاهدات قصَّ صلى الله عليه وسلم أجنحة الرُّوم، فقد كانت هذه القبائل تابعةً للرُّوم، ودخلوا في النَّصرانية، فإقدام من أقدم منها على مصالحة رسول الله، والتزامها بالجزية يعتبر قصَّاً لهذه الأجنحة، وبتراً لحبال تبعيَّتهم للرُّوم، وتحريراً لها من هذه التَّبعيَّة؛ الَّتي كانت تذلُّهم، وتخضعهم لسلطان الرُّوم لينالوا مِنْ تساقط فتاتهم شيئاً يعيشون به، وخوفاً من ظلمهم لقوَّتهم الباطشة، وقد وَفَوا بعهد الصُّلح، والتزموا أداء الجزية، فأعطوها عن يد وهم صاغرون.

وهذه سياسةٌ نبويَّةٌ حكيمةٌ اختطَّها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بناء الدَّولة، ودعوة النَّاس لدين الله، فقد استطاع أن يفصل بين المسلمين وبين الرُّوم بإماراتٍ تدين للرَّسول صلى الله عليه وسلم بالطَّاعة، وتخضع لحكم المسلمين، وأصبحت في زمن الخلفاء الرَّاشدين نقاط ارتكـازٍ، سهَّلت مهمة الفتح الإسلاميِّ في عهدهم، فمنها انطلقت قوَّات المسلمين إلى الشَّمال، وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم.

رابعاً: وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيش عند مروره بحِجْر ثمود:

قال أبو كبشة الأنصاريُّ رضي الله عنه: لـمَّا كان في غزوة تبوك تسارع النَّاس إلى أهل الحِجْرِ يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في النَّاس: «الصلاة جامعة». قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسكٌ بعيره، وهو يقول: «ما تدخلون على قومٍ غضب الله عليهم» فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله! قال: «أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسدِّدوا، فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لا يعبأ بعذابكم شيئاً، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئاً» [أحمد (4/231)، والهيثمي في مجمع الزوائد (6/194)].

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنَّ النَّاس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمودٍ الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبلَ العجينَ، وأمرهم أن يستقوا من البئر الَّتي كانت تردها النَّاقة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا مساكن الَّذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين؛ حذراً أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم» ثمَّ زجر، فأسرع حتَّى خلَّفها. [البخاري (3380)، ومسلم (2980/39)].

وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ في توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكَّروا بها غضبَ الله على الَّذين كذَّبوا رسوله، وألا يغفُلوا عن مواطن العظة برسومها الدَّارسة، وأطلالها القديمة، ونهاهم عن الانتفاع بشيءٍ ممَّا في ربوعها، حتَّى الماء؛ لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة، بل أمرهم بالبكاء، والتَّباكي، تحقيقاً للتأثُّر بعذاب الله، ولو أنَّهم مرُّو بها كما نمرُّ نحن باثار السَّابقين؛ لتعرَّضوا لسخط الله، فإن الغابرين شهدوا المعجزات، ودلائل النُّبوَّات، وعاينوا العجائب، لكن قست قلوبُهم، فاستهانوا بها، وحقَّ عليهم العذاب، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون من نقمة الله وغضبه.

إن الله - عزَّ وجلَّ - ما قصَّ علينا من أنباء الأمم الخالية إلا لكي نأخذ منها العظة والاعتبار، فإذا شهدنا بأعيننا ديارهم، الَّتي نزل فيها سخط المولى - عزَّ وجلَّ - وعذابه الأليم؛ وجب أن تكون الموعظة أشدَّ، والاعتبار أعمقَ، والخوف من سخط المولى - سبحانه - أبلغَ ؛ ولهذا تسجَّى النَّبيُّ - صلوات الله وسلامُـه عليه - بثوبه لـمَّا مر بالدِّيار الملعونة المسخوطة، واستحث خطا راحلته، وقال لأصحابه: «لا تدخلوا بيـوت الَّذين ظلمـوا أنفسهم إلا وأنتم باكون ؛ خوفـاً أن يصيبكم ما أصابهم». [سبق تخريجه].

خامساً: وفاة الصحابي عبد الله (ذو البجادين) رضي الله عنه:

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قمت من جوف اللَّيل، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلةً من نارٍ في ناحية العسكر، قال: فاتَّبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المُزنيُّ قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حضرته، وأبو بكر، وعمر يُدَلِّيانه إليه، وهو يقول: «أدْنِيَا إليَّ أخاكما»، فدلَّياه إليه، فلـمَّا هيَّأه لِشِقِّه، قال: «اللَّهمَّ ! إنِّي أمسيت راضياً عنه، فارض عنه» قال: (الرَّاوي عن ابن مسعود) قال عبدُ الله بن مسعودٍ: يا ليتني كنت صاحب الحفرة. [البزار (2736)، وأبو نعيم في الدلائل (2/524 - 526)، ومجمع الزوائد (9/369)].

قال ابن هشام: وإنما سُمِّي ذا البجَادين؛ لأنَّه كان ينازع إلى الإسلام، فيمنعه قومه من ذلك، ويضيِّقون عليه، حتَّى تركوه في بِجَادٍ، ليس عليه غيره فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا كان قريباً منه، شقَّ بجاده باثنين، فاتَّزر بواحدٍ، واشتمل بالآخر، ثمَّ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البِجادَين لذلك.

وفي هذه القصَّة دروسٌ، وحكمٌ، وفوائد؛ منها:

1 - تكريم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لجنوده أحياء وأمواتاً:

فهذا الفعل مع ذي البجادين يدل على حرص النَّبي صلى الله عليه وسلم على تكريم أصحابه حتى في حالة الوفاة؛ لأنَّهم قدَّموا أنفسهم للجهاد في سبيل الله، تاركين وراءهم أعزَّ ما يملكون، فكانت تلك الرِّعاية مظهراً من مظاهر تكريمهم في الدُّنيا، حيث لم يترك جثثهم تتناوشها الذِّئاب وغيرها من دوابِّ الأرض، لكي يكون هذا التَّكريم من الأسباب الَّتي تدفع غيرهم إلى الاستبسال، والإقدام في ميادين الجهاد.

ومن الجدير بالذِّكر: أنَّ هذا المبدأ لم يجد مَنْ يدعو إلى تطبيقه إلاَّ في العصر الحديث، وبهذا يمكن أن يقال: إنَّ رعاية القائد المسلم لشؤون جنده تعدُّ سبقاً عسكرياً لم تعرفه النُّظم والدَّساتير الوضعيَّة إلا بعد قرونٍ طويلةٍ مِنْ بزوغ الإسلام.

فهذه صورة من البرِّ، والتَّكريم فريدةٌ يتيمةٌ، لن تجد في تاريخ الملوك والحكَّام من يبرُّ، ويتواضع إلى هذا المستوى، إلى حيث يوسِّد الحاكم فرداً من رعيته بيده في مثواه الأخير، ثمَّ يلتمس له المرضاة من ربِّ العالمين، أمَّا هو فقد أعلن: أنَّه أمسى راضياً عنه.

2 - جواز الدفن في اللَّيل، والغبطة مشروعةٌ في الخير:

فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا البجادين ليـلاً، والسُّنَّـةُ أن يُعَجَّل في دفن الميت، كما أنَّ الغبطة مشروعةٌ في الخير، وهي أن تتمنَّى حصول الخير لك، كما حصل لغيرك من إخوانك، وهذا عكس الحسد؛ إذ الحسد؛ تمنِّي زوال النِّعمة عن غيرك، والحسد كلُّه شرٌّ كما ترى، أمَّا الغبطة؛ فلا تكون إلا في الخير، تأمَّل قول عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه حينما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حق ذي البجادين: «اللَّهُمَّ إنِّي أمسيت عنه راضياً، فارضَ عنه» فقال ابن مسعود رضي الله عنه: يا ليتني كنت صاحب اللَّحد. [سبق تخريجه]! إنَّها كلمةُ كلِّ مؤمنٍ آمن بالله، واليوم الآخر، ووقف موقفه ذاك؛ فقد عرفوا أين تكون ميادين التَّنافس.

سادساً: بعض المعجزات الَّتي حدثت في الغزوة:

ظهرت في غزوة تبوك معجزاتٌ؛ منها:

1 - اللهُ تعالى يرسل السَّحاب لدعاء نبيِّه بالسُّقيا:

لـمَّا جاز النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حِجْرَ ثمود، أصبح النَّاس ولا ماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، واستسقى لمن معـه من المسلمين، فأرسل الله - سبحانه وتعالى - سحابةً، فأمطرت حتَّى ارتوى النَّاس، واحتملوا حاجتهم من الماء، فتحدَّث ابن إسحاق عمَّن قال لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النِّفاق فيهم؟ قال: نعم والله! إن كان الرَّجل ليعرفه من أخيه، ومن أبيه، ومن عمِّه، وفي عشيرته، ثم يَلْبَسُ بعضُهم بعضاً على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجالٌ من قومي، عن رجلٍ من المنافقين معروف نفاقُه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلـمَّا كان من أمر النَّاس بالحِجْرِ ما كان، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا، فأرسل الله السَّحابة، فأمطرت حتى ارتوى النَّاس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شيء! قال: سحابةٌ مارَّةٌ.

2 - خبر ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً في طريقه إلى تبوك ضلَّت ناقتُه، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من أصحابه، يقال له: عُمارة بن حزم، وكان عقبيّاً بدريّاً، وهم عمُّ بني عمرو بن حزمٍ، وكان في رحله زيد بن اللُّصيت القينقاعي، وكان منافقاً.

قال زيد بن اللُّصَيْت؛ وهو في رحل عمارة، وعُمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : أليس محمد يزعم: أنَّه نبيٌّ، ويخبركم عن السَّماء، وهو لا يدري أين ناقتُه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعُمارة عنده: «إنَّ رجلاً قال: هذا محمَّد يخبركم أنَّه نبيٌّ، ويزعم أنَّه يخبركم بأمر السَّماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ وإنِّي والله! ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلَّني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا، وكذا، قد حبستها شجرةٌ بزمامها، فانطلقوا حتَّى تأتوني بها»، فذهبوا، فجاؤوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله! لعجبٌ من شيء حَدَّثناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم انفاً، عن مقالة قائلٍ أخبره الله عنه بكذا، وكذا، للَّذي قال زيد بن اللُّصَيْت. فقال رجلٌ ممَّن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم : زيدٌ والله! قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيدٍ، يجأ في عنقه (يطعنه فيه) ويقول: إليَّ عبادَ الله، إنَّ في رحلي لداهيةً؛ وما أشعر، اخرج، أيْ عدوَّ الله مِنْ رحلي، فلا تصحبني. [الطبري في تاريخه (3/145)، والبلاذري في أنساب الأشراف (1/285)، والبيهقي في الدلائل (5/232)].

قال ابن إسحاق: فزعم بعض النَّاس أنَّ زيداً تاب بعد ذلك، وقال بعض النَّاس: لم يزل مُتَّهماً بشرٍّ حتَّى هلك.

3 - الإخبار بهبوب ريحٍ شديدةٍ، والتَّحذير منها:

أخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في تبوك بأنَّ ريحاً شديدةً ستهبُّ، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم، ودوابِّهم، فلا يخرجوا حتَّى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابَّهم حتَّى لا تؤذى. وتحقَّق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهبتِ الرِّيح الشَّديدة، وحملت من قام فيها إلى مكانٍ بعيدٍ، فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي حُمَيْدٍ، قال: وانطلقنا حتَّى قدمنـا تبـوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ستهبُّ عليكم اللَّيلـة ريحٌ شديدةٌ، فلا يقم أحدٌ منكم، فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عِقَالَه»، فهبَّت ريحٌ شديدةٌ، فقام رجلٌ، فحملته الرِّيح حتَّى ألقته بجبل طيِّئ. [البخاري (1481)، ومسلم (1392/11 و12)].

قال النَّوويُّ في شرحه على صحيح مسلمٍ معقِّباً على هذا الحديث: هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظَّاهرة من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيب، وخوف الضَّرر من القيام وقت الرِّيح.

4 - تكثير ماء عين تبوك والإخبار بما ستكون عليه مِنْ خصبٍ:

قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّكم ستأتون غداً - إن شاء الله - عين تبوك، وإنَّكم لن تأتوها حتَّى يَضْحَى النَّهار، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتَّى اتي»، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشِّراك، تَبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هل مَسَسْتُما من مائها شيئاً؟» قالا: نعم، فسبَّهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثمَّ غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتَّى اجتمع في شيءٍ، وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه، ثمَّ أعاده فيها، فجرت العين بماءٍ منهمرٍ أو غزيرٍ حتَّى استقى النَّاس.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «يوشك يا معاذ! إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهنا قد مُلئ جناناً». [أحمد (5/237 - 238)، ومسلم (706/10)، وأبو داود (1260)، والترمذي (553)، والنسائي (1/285)، وابن ماجه (1070)].

لقد كانت منطقة تبوك والوادي الَّذي كانت فيه العين منطقةً جرداء لقلَّة الماء، ولكن الله - عزَّ وجل - أجرى على يد رسوله صلى الله عليه وسلم بركة تكثير هذا الماء، حتَّى أصبح يسيل بغزارةٍ، ولم يكن هذا اتياً لسدِّ حاجة الجيش، بل أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيستمرُّ، وستكون هناك جنانٌ، وبساتين مملوءةٌ بالأشجار المثمرة، ولقد تحقَّق ما أخبر به الرَّسول صلى الله عليه وسلم بعد فترة قليلةٍ من الزَّمن، ولا زالت تبوك حتى اليوم تمتاز بجنانها، وبساتينها، ونخيلها، وتمورها، تنطق بصدق نبـوَّة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وتشهد بأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم لا يتكلَّم إلا صدقاً، ولا يخبر إلا حقّاً، ولا ينبئ بشيءٍ إلا ويتحقَّق.

5 - تكثير الطَّعام:

قال أبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناسَ مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا، فنحرنا نواضِحنا، فأكلنا، وادَّهَنَّا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «افعلوا» فجاء عمر، فقال: يا رسول الله! إنَّهم إن فعلوا؛ قلَّ الظَّهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثمَّ ادع لهم بالبركة، لعلَّ الله أن يجعل في ذلك! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم : بنطْعٍ، فبسطه، ثمَّ دعاهم بفضل أزوادهم، فجعل الرَّجل يجيء بكفِّ الذُّرة، والآخر بكف التَّمْر، والآخر بالكِسْرَة، حتَّى اجتمع على النِّطع في ذلك شيءٌ يسيرٌ، ثمَّ دعا عليه بالبركة، ثمَّ قال لهم: «خذوا في أوعيتكم»، فأخذوا في أوعيتهم حتَّى ما تركوا من المعسكر وعاءً إلا ملؤوه، وأكلوا حتَّى شبعوا، وفضَلَتْ منه فَضْلَةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ، فتحجب عنه الجنَّة». [أحمد (3/11)، ومسلم (27/45)، والبيهقي في الدلائل (5/229 - 230)، وابن حبان (6530)، وأبو يعلى (1199)].

هذه بعض المعجزات، والكرامات الَّتي أظهرها الله على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، تدلُّ على صدق نبوَّته، ورسالته، وتدلُّ على رفعة منزلته، وتكريمه عند ربِّه.

سابعاً: حديث القرآن الكريم عن مواقف المنافقين في أثناء الغزوة:

أ - قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

قال رجلٌ في غزوة تبوك في مجلسٍ يوماً: ما أرى قرَّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللِّقاء.. فقال رجلٌ في المجلس: كذبت، ولكنَّك منافقٌ، لأخبرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلِّقاً بِحَقْبِ ناقة رسول الله، والحجارة تنكبُه، وهو يقول: يا رسول الله! إنَّما كنَّا نخوض، ونلعب، والرَّسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أبالله، وآياته، ورسوله كنتم تستهزئون؟». [ابن جرير في تفسيره (10/172)، والسيوطي في الدر المنثور (4/230)].

وفي رواية قتادة، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك، وبين يديه أناسٌ من المنافقين، فقالوا: يرجو هذا الرَّجل أن تفتح له قصور الشَّام وحصونُها؟ هيهات! هيهات!! فأطلع الله نبيَّه على ذلك، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : «احبسوا عليَّ هؤلاء الرَّكب». فأتاهم، فقال: قلتُم كذا، وكذا، فحلفوا ما كنَّا إلا نخوض، ونلعب [ابن جرير في تفسيره (10/172)، والسيوطي في الدر المنثور (4/230)]. فأنزل الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ۝ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [التوبة: 64 - 65].

والاستفهام في قوله: استفهامٌ ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾، والمعنى: قل يا محمد! لهؤلاء موبِّخاً، ومنكراً: ألم تجدوا ما تستهزئون به في مزاحكم ولعبكم - كما تزعمون - سوى فرائضِ الله، وأحكامه، وآياته، ورسوله الَّذي جاء لهدايتكم، وإخراجكم من الظُّلمات إلى النُّور؟! ثمَّ بيَّن سبحانه: أنَّ استهزاءهم هذا أدَّى بهم إلى الكفر، فقال: ﴿لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ [التوبة: 66].

ومعنى الآية: أي: لا تذكروا هذا العذر لدفع هذا الجرم؛ لأنَّ الإقدام على الكفر لأجل اللَّعب لا ينبغي أن يكون، فاعتذاركم إقرارٌ بذنبكم، فهو كما يقال: عذرٌ أقبحُ من ذنبٍ.

وقوله: أي: إن نعف عن بعضكم؛ ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾، وإنابتهم إلى ربِّهم - كمُخَشِّن بن حُمَيِّر؛ نعذب بعضاً اخر؛ لإجرامهم، وإصرارهم عليه.

ب - إيذاء الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنين، ومحاولة اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وقد نزل في هؤلاء المنافقين قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخرةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ [التوبة: 74].

وقد قال ابن كثيرٍ: إنَّ الضَّحاك قال: إنَّ نفراً من المنافقين همُّوا بالفتك بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك في بعض اللَّيالي في حال السَّير، وكانوا بضعة عشر رجلاً نزلت فيهم هذه الآية وفي رواية الواحديِّ عن الضَّحَّاك: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ؛ سبُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابَه، وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم رسول الله: «يا أهل النِّفاق! ما هذا الذي بلغني عنكم؟!»، فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك، فأنزل الله هذه الآية إكذاباً لهم.

والمعنى الإجماليُّ للآية: «يحلفون بالله أنهم ما قالوا تلك الكلمة الَّتي نسبت إليهم، والله يكذِّبهم، ويُثبت: أنَّهم قد قالوا كلمة الكفر الَّتي رويت عنهم، ولم يذكر القرآن هذه الكلمة؛ لأنَّه لا ينبغي ذكرها».

أمَّا همُّهم بما لم ينالوا؛ فهو اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان بالعقبة وهو منصرفٌ مِنْ تبوك. قال ابن كثير: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت اخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمَّار يقود النَّاقة، وأنا أسوقُه، وعمَّار يقوده، حتَّى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهـم فولَّوا مدبرين، فقال لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « هل عرفتم القوم؟ » قلنا: لا يا رسول الله؟! قد كانوا ملثَّمين، ولكنَّا قد عرفنا الرِّكابَ. قال: «هؤلاء المنافقون إلي يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟»، قلنا: لا. قال: «أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، فيلقوه منها». [البيهقي في الدلائل (5/260 - 261)، والسيوطي في الدر المنثور (4/244)].

وقوله: . أي: وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وبعثة الرَّسول صلى الله عليه وسلم فيهم شيئاً يقتضي الكراهة، والهمَّ بالانتقام، إلا أن أغناهم الله تعالى، ورسولُه من فضله بالغنائم الَّتي هي عندهم أحبُّ الأشياء لديهم في هذه الحياة.

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: فإنْ يتوبوا من النِّفاق، وما يصدر عنه من مساوئ الأقوال، والأفعال؛ يكن ذلك المتاب خيراً لهم في الدُّنيا، والآخرة.

وقوله: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخرةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾

أي: وإن يُعرضوا عمَّا دُعوا إليه من التَّوبة، وأصروا على النِّفاق وما ينشأ منه من المساوئ الخلقيَّة، والنَّفسيَّة، يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدُّنيا بما يلازم قلوبهم من الخوف والهَلَع.

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

                        على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022