الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئة (123)

أهمُّ الأحداث ما بين غزوة تبوك وحجَّة الوداع (1)

أولاً: وفد ثقيفٍ وإسلامُهم:

لـمَّا انصرف الرَّسول صلى الله عليه وسلم عن الطَّائف اتَّبع أثره عروة بن مسعود الثَّقفي حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم، ورجع إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، فرموه بالنَّبل، فأصابه سهم فقتله، ثمَّ إنَّهم رأوا: أنَّه لا طاقة لهم بحرب مَنْ حولهم من العرب الَّذين أسلموا، فأجمعوا على أن يرسلوا رجالاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم عليه ستَّةٌ منهم، في رمضان بعد رجوعه من تبوك سنة تِسْعٍ.

وكان الوفد يتكوَّن من ستَّةٍ من كبار بني مالك، والأحلاف، ثلاثةٌ لكلٍّ منهما، وعلى رأسهم جميعاً عبدُ يَالَيْلَ بـن عمرو، وتكوين هذا الوفـد على هذا النَّحو يدلُّ على فكرٍ سياسيٍّ عميق؛ ذلك لأنَّ ثقيف تأمل في أن يتدخل المهاجرون من بني أميَّة للتوسُّط في إقرار الصُّلح مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم بسبب علاقة بني أميَّة التَّاريخيَّة بالأحلاف.

كان الصَّحابة يعرفون اهتمام الرَّسول صلى الله عليه وسلم بإسلام ثقيفٍ، ولذلك ما إن ظهر وفد ثقيف قرب المدينة؛ حتَّى تنافس كلٌّ من أبي بكرٍ، والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وتنازل المغيرةُ لأبي بكرٍ.

واستقبل الرَّسول صلى الله عليه وسلم الوفد راضيـاً، وبنى لهم خياماً لكي يسمعوا القرآن، ويروا النَّاس إذا صلَّوا، وكانت ضيافتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا يفدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ يومٍ، ويخلِّفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم، فكان عثمان كلما رجعوا، وقالُوا بالهاجرة، عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدِّين، واستقرأه القرآن، حتى فقه في الدِّين، وعلم، وكان إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً عمد إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك عن أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعجب منه، وأحبَّه ومكث الوفد أياماً يختلفون إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام، فقال له عبد يَالَيْلَ: هل أنت مقاضينا حتَّى نرجع إلى أهلنا، وقومنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام؛ قاضيتكم، وإلا فلا قضيَّة، ولا صلح بيني وبينكم».

قال عبدُ يَالَيْلَ: أرأيت الزِّنى؟ فإنَّا قوم عُزَّاب بغَرْبٍ لابدَّ لنا منه، ولا يصبر أحدنا على العُزْبة، قال: «هو ممَّا حرَّم الله على المسلمين، يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 32]». قال: أرأيت الرِّبا؟ قال: «الرِّبا حرام!» قال: فإنَّ أموالنا كلَّها رباً، قال: «لكم رؤوس أموالكم، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 278]». قال: أفرأيت الخمر؟ فإنَّها عصيرُ أعنابنا، لابدَّ لنا منها. قال: «فإنَّ الله قد حرَّمها!» ثمَّ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90]. فارتفع القوم، وخلا بعضهم ببعض، فقال عبدُ يَالَيْلَ: ويحكم! نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثَّلاث! والله لا تصبر ثقيفٌ عن الخمر أبداً، ولا عن الزنى أبداً.

قال سفيان بن عبد الله: أيُّها الرَّجل! إنْ يرد الله بها خيراً تصبر عنها! قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا، فصبروا، وتركوا ما كانوا عليه، مع أنَّا نخاف هذا الرجل، قد أوطَأ الأرض غلبةً، ونحن في حصنٍ في ناحية من الأرض، والإسلام حولنا فاشٍ، والله! لو قام على حصننا شهراً لمتنا جوعاً، وما أرى إلا الإسلام، وأنا أخاف يوماً مثل يوم مكَّة.

وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى كتبوا الكتاب، وكان خالد هو الَّذي كتبه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل إليهم الطَّعام، فلا يأكلون منه شيئاً حتَّى يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حتَّى أسلموا.

قالوا: أرأيت الرَّبَّة، ما ترى فيها؟ قال: «هَدْمَها». قالوا: هيهات! لو تعلم الرَّبَّة أنَّا أوضعنا هدمها قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: ويحك يا عبد ياليل! إنَّ الرَّبَّة حجرٌ لا يدري مَنْ عَبَدَهُ ممَّن لا يعبدُه.

قال عبد ياليل: إنَّا لم نأتك يا عمر! فأسلموا، وكمل الصُّلح، وكتب ذلك الكتاب خالد بن سعيد، فلـمَّا كمُل الصُّلح، وكتبوه؛ كلَّموا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يدع الرَّبَّة ثلاث سنين، لا يهدُمها، فأبى، قالوا: سنتين! فأبى، قالوا: سنة! فأبى، قالوا: شهراً واحداً! فأبى أن يوقِّت لهم وقتاً، وإنَّما يريدون بترك الرَّبة لما يخافون من سفهائهم، والنِّساء، والصِّبيان، وكرهوا أن يُروِّعوا قومهم بهدمها، فسألوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من هدمها، فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلبهم ذلك، وسألوا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من الصَّلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا خير في دين لا صلاة فيه» [أحمد (4/218)، وأبو داود (3026)، والطيالسي (939)، والبيهقي في الدلائل (5/299 - 301)].

لقد طلب وفد ثقيف أن يعفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض الفرائض، وأن يحلِّل لهم بعض المحرَّمات، إلا أنَّهم فشلوا في طلباتهم، وخضعوا للأمر الواقع.

وقد أكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وِفَادَتَهُم، وأحسن ضيافتهم في قدومهم، وإقامتهم وعند سفرهم، وأمَّرَ صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص على الطَّائف، فقد كان أحرصَهم على تعلُّم القرآن، والتَّفقُّه في الدِّين، وكان أصغرهم سنّاً. ولقد تأثَّر الوفد من معاملة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومن اختلاطهم بالمسلمين، حتَّى إنَّهم صاموا ما بقي عليهم من شهر، ومكثوا في المدينة خمسة عشر يوماً، ثمَّ رجعوا إلى الطَّائف، وبعد رجوعهم جهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم سريَّةً بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، ومشاركة المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وأبي سفيان بن حرب رضي الله عنه(4) وبعثهم في أثر الوفد.

وبينما نجحت مساعي الوفد في إقناع ثقيف بالدُّخول في الإسلام، وأخبروهم بمصير الَّلات، وإذا بالسَّريَّة قد وصلت إلى الطَّائف، ودخل المغيرة بن شعبة في بضعة عشر رجلاً يهدمون الرَّبَّة، وكان ذلك تحت حراسةٍ مشدَّدةٍ من قومه بني مَعَتِّب الَّذين قاموا دونه؛ خشية أن يُرمى، أو يُصاب كما أصيب عروة بن مسعود، وخرجت ثقيف عن بكرة أبيها؛ رجالها، ونساؤها، وصبيانها حتَّى الأبكار من خدورهنَّ، وكانوا لقرب عهدهم بالشَّرك لا ترى عامَّة ثقيف أنَّها مهدومة، ويظنُّون أنَّها ممتنعة.

وكان المغيرة رجلاً فيه دعابةٌ، وظرفٌ، فقال لأصحابه: والله لأضحكنَّكُم من ثقيف، فضرب بالفأس، ثمَّ سقط يركض، فارتج أهل الطَّائف بصيحةٍ واحدةٍ، وقالوا: أبعد الله المغيرة، فقد قتلته الرَّبَّة، وفرحوا حين رأوه ساقطاً ، وقالوا مخاطبين أفراد السَّريَّة: مَنْ شاء منكم فليقترب، وليجتهد على هدمها، فوالله! لا تستطاع أبداً، فوثب المغيرة بن شعبة، وقال: قبَّحكم الله يا معشر ثقيف! إنَّما هي لُكاع؛ حجارةٌ ومَدَرٌ، فاقبلوا عافية الله واعبدوه.

أكمل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ومن معه هدم الطَّاغية حتَّى سوَّوها بالأرض، وكان سادنها واقفاً على أحرِّ من الجمر؛ ينتظر نقمة الرَّبَّة، وغضبها على هؤلاء العُصاة، فما إن وصلوا إلى أساسها حتَّى صاح قائلاً: سترون إذا انتهى أساسها، يغضب الأساس غضباً يخسف بهم، فلـمَّا سمع المغيرة رضي الله عنه بذلك السُّخف قال لقائد السَّريَّة: دعني أحفر أساسها، فحفره حتَّى أخرجوا ترابها، وانتزعوا حُلِيَّها، وأخذوا ثيابها، فَبهِتَتْ ثقيفٌ، وأدركت الواقع الذي كانت تحجبه غشاوةٌ على أعينهم.

وأقبل الوفد حتَّى دخلـوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليِّها، وكسوتها، فـقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، وحمدوا الله على نصرة نبيِّه، وإعزاز دينه.

وتمَّ القضاء على ثاني أكبر طواغيت الشِّرك في الجزيرة العربيَّة، وحلَّ محلَّها بيتٌ من بيوت الله - عزَّ وجل - يوحَّد فيه الرَّبُّ الَّذي لا إله إلا هو، وذلك بتوجيهٍ كريمٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه عامله على الطَّائف حيث أمره «بأن يجعل مسجد الطَّائف حيث كان طاغيتهم» [أبو داود (450)، وابن ماجه (743)].

ثانياً: وفاة زعيم المنافقين (عبد الله بن أُبيِّ بن سلول):

مرض عبد الله بن أبيِّ بن سلول، رأسُ المنافقين، في ليالٍ بَقِين من شوَّال، ومات في ذي القعدة من السَّنة التاسعة.

قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيٍّ في مرضه نعوده، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : قد كنت أنهاك عن حبِّ يهود، فقال عبد الله: فقد أبغضهُم سعد بن زرارة، فمات.

ولـمَّا توفي عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه يُكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثمَّ سأله أن يصلِّيَ عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلِّي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله! تصلِّي عليه، وقد نهاك ربُّك أن تُصلي عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّما خيَّرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 80]، وسأزيده على السَّبعين، قال: إنَّه منافق، قال: فصلَّى عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - آية: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84].

وإنَّما صلَّى عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إجراءً له على حكم الظَّاهر، وهو الإسلام، ولما فيه من إكرام ولده عبد الله - وكان من خيار الصَّحابة، وفضلائهم - وهو الذي عرض على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يقتل أباه لـمَّا قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق، كما بيَّنَّا، ولما فيه من مصلحةٍ شرعيَّة، وهو تأليف قلوب قومه، وتابعيه، فقد كان يدين له بالولاء فئةٌ كبيرةٌ من المنافقين، فعسى أن يتأثَّروا، ويرجعوا عن نفاقهم، ويعتبروا، ويخلصوا لله، ولرسوله، ولو لم يُجِبْ ابنه، وترك الصَّلاة عليه قبل ورود النَّهي الصَّريح، لكان سُبَّةً، وعاراً على ابنه، وقومه، فالرَّسول الكريم  صلى الله عليه وسلم اتَّبع أحسن الأمرين في السِّياسة، إلى أن نُهيَ فانتهى.

وأمَّا إعطاؤه صلى الله عليه وسلم القميص؛ فلأنَّ الضَّنَّ به يُخِلُّ بالكرم، وقد كان مِنْ خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ يرد طالبَ حاجةٍ قطُّ، على أنه كان مكافأة له على إعطائه العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم قميصه لما جيء به أسيراً يوم بدر، وكان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وال بيته ردُّ الجميل بخير منه.

وبموت عبد الله بن سلول تراجعت حركة النِّفاق في المدينة، حتَّى إنَّنا لم نجد لهم حضوراً بارزاً في العام العاشر للهجرة، ولم يبقَ إلا العدد غير المعروف إلا لصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حُذيفة بن اليمان، وكان عمر فيما بعد لا يصلِّي على جنازة مَنْ جَهِل حالَه حتَّى يصلِّي عليه حذيفة بن اليمان؛ لأنَّه كان يعلم أعيان المنافقين، وقد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم.

كان العام التَّاسع حاسماً لحركة النفاق في المجتمع الإسلاميِّ، فقد وصل النَّظام الإسلاميُّ إلى قوَّته، ومن ثمَّ لابدَّ من تحديد إطار التَّعامل مع كلِّ القِوى بوضوح، ولهذا عبَّر الإمام ابن القيِّم عن خطَّة الإسلام أمام المنافقين: «فإنَّه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم، والحجَّـة، وأُمِر أن يُعـرض عنهم، ويُغلِـظ عليهم، وأن يبلـغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونُهيَ أن يصلِّي عليهم، وأن يقوم على قبورهم، وأُخبر: أنَّه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم».

وجاءت هذه الخطَّة وفق النُّصوص القرآنيَّة الَّتي احتوتها سورة التَّوبة «براءة» «الفاضحة» حيث يستغرق الحديث عن المنافقين أكثر من نصف السُّورة، فيفضح نواياهم، وأعمالهم، ووصف أحوالهم النَّفسيَّة والقلبيَّة، وموقفهم في غزوة تبوك، وقبلها، وفي أثنائها، وما تلاها، وكشْف حقيقة حيلهم، ومعاذيرهم في التَّخلُّف عن الجهاد، وبثِّ الضعف، والفتنـة، والفرقـة في الصُّفوف، وإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول، والعمل.

ومن أهم الأحكام الَّتي برزت في هذه المرحلة ضدَّ المنافقين:

1 - عدم الصَّلاة على مَنْ مات منهم، ودمغُهم بالكفر:

﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ *  وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 84 - 85].

2 - تهديم مسجدهم الَّذي بنوه للإضرار بين المسلمين:

وهو مسجد الضِّرار، وقد تحدَّثت عنه فيما مضى بنوعٍ من التفصيل.

3 - إصدار الأمر بمجاهدة المنافقين كمجاهدة الكافرين:

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التحريم: 9]، وسواءٌ أكان الجهاد بالقتال، أم في المعاملة، والمواجهة، والكشف، والفضح، فإنَّ طريقة التَّعامل مع المنافقين بعد سورة براءة غير المعاملة قبلها.

4 - الكشف عن صفاتهم وأعمالهم بوضوح:

كما جاء في سورة التَّوبة أيضاً، فهم الَّذين قالوا تثبيطاً للمسلمين: ﴿لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: 81]، وهم الَّذين يلمزون المطَّوِّعين في الصَّدقات، ويؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول، والفعل.....إلخ. هذه معالم المنهج النَّبويِّ في التعامل مع حركة النِّفاق في المجتمع الإسلاميِّ في العام التَّاسع الهجريِّ.

ثالثاً: تخيير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لزوجاته - دروسٌ من بيوتات الرَّسول (ص) -:

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28 - 29].

وقد دلَّت الأحاديث الصَّحيحة على أن نزول هاتين الايتين كان بعد اعتزال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لنسائه، بعد أن أقسم ألاَّ يدخل عليهنَّ شهراً، فاعتزلهن في مَشْرُبَةٍ له، وهي القصَّة المعروفة بقصَّة إيلائه من نسائه، وكان تاريخ نزول هذه الآيات في العام التاسع للهجرة.

وأمَّا سبب نزولها، فهو طلب زوجاته صلى الله عليه وسلم التَّوسعة عليهنَّ في النَّفقة، فقد أخرج مسلمٌ عن جابرٍ رضي الله عنه قال: «دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوساً ببابه، لم يؤذن لأحدٍ منهم، قال: فأُذِن لأبي بكرٍ فدخل، ثمَّ أقبل عمر، فاستأذن، فأُذِن له، فوجد النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً، قال: فقال: لأقولنَّ شيئاً أُضحك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنتَ خارجةَ سألتني النَّفقة فقمتُ إليها، فوجأت عنقَها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هنَّ حولي كما ترى يسألنني النَّفقة». فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يَجَأُ عنقها، كلاهما يقول: أتسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فقلن: والله! لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أبداً ليس عنده، ثمَّ اعتزلهن شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثمَّ نزلت عليه هذه الآية» [مسلم (1478)، وأحمد (3/328)].

كانت الحياة المعيشية في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجري على وتيرةٍ واحدةٍ، بالرَّغم من إمكانية التَّوسُّع في بعض الأحيان، ونساء الرَّسول صلى الله عليه وسلم من البشر، يرغبن ما يرغب فيه النَّاس، ويشتهين ما يشتهيه النَّاس، فقد كانت مساكنهنَّ متواضعةً بسيطةً غاية البساطة، فقد وصفها الدُّكتور أبو شهبة فقال: إنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم بنى حُجَراً حول مسجده الشَّريف؛ لتكون مساكن له، ولأهله، ولم تكن الحُجَرُ كبيوت الملوك، والأكاسرة، والقياصرة، بل كانت بيوت مَنْ ترفَّع عن الدُّنيا، وزخرفها، وابتغى الدَّار الآخرة، فقد كانت كمسجده مبنيةً من اللَّبِن، والطِّين، وبعض الحجارة، وسقوفها من جذوع النَّخل والجريد، قريبة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده.

قال الحسن البصريُّ - وكان غلاماً مع أمِّه خيرة مولاة أمِّ سلمة -: قد كنت أنالُ أطولَ سقف في حُجَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بيدي، وكان لكلِّ حُجْرَةٍ بابان: خارجيٌّ، وداخليٌّ من المسجد؛ ليسهلَ دخولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه.

وأمَّا الإضاءة: فلم يكن هناك مصباحٌ يستضاء به، يدل على ذلك ما رواه البخاريُّ عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد؛ غمزني، فقبضت رجليَّ، فإذا قام؛ بسطتُهما، قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح. [البخاري (382)، ومسلم (512/272)].

أمَّا الفراش - الَّذي يأوي إليه هذا النَّبيُّ عليه أفضل الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم - فهو عبارة عن رُمالِ حصيرٍ، ليس بينه وبينـه فراشٌ، قد أثر الرُّمال بجنبه، متكئ على وسادةٍ مِنْ أَدَمٍ، حشوها ليفٌ. [البخاري (6456)، ومسلم (2082)]. فقد كانت معيشته صلى الله عليه وسلم تدلُّ على الشـدَّة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما أعلم النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى رغيفاً مرقَّقاً حتَّى لحق بالله، ولا رأى شاةً سميطاً بعينه قطُّ. [البخاري (6457)].

وعن عائشة؛ قالت: إنْ كنا لننظر إلى الهلال، ثلاثة أهلَّةٍ في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ، فقال لها عروة بن الزُّبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التَّمر، والماء. [البخاري (6459)].

هذا؛ وقد فتح الله على المسلمين بعد خيبر، وفتح مكَّة، وغزوة تبوك، وقد قرأت زوجات النَّبي صلى الله عليه وسلم آيات في كتاب الله تبيح التَّمتُّع بنعم الله دون إسراف، فرغبن أن ينالهنّ حظٌّ من ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

وحضَّ على أكل الطَّيبات من الرِّزق، قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 32].

ودعا إلى التوسُّط في الإنفاق، والاعتدال فيه، فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]، إلا أنَّ هناك جانباً اخر يتعلَّق به صلى الله عليه وسلم ، ونمطاً من المعيشة اختاره بتوجيهٍ من ربِّه عزَّ وجلَّ، فلم يلتفت لشيءٍ من هذا، كما أدَّبه ربه - سبحانه وتعالى - بقوله: ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88].

وقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131].

ولذلك جاءت آيات التَّخيير، فوقفت زوجاتُه صلى الله عليه وسلم من قضيَّة التَّخيير موقفاً حاسماً لا تردَّد فيه، فإنَّهنَّ اخترن الله ورسولَه، والدَّار الآخرة، فقد كنَّ يطلبن منه صلى الله عليه وسلم التَّوسعة في النَّفقة، وكن يدافعن عن ذلك ما استطعن، فلـمَّا وصل الأمر إلى وضعهنَّ أمام خيارين: الحياة الدُّنيا، وزينتها، أو الله، ورسوله، والدَّار الآخرة؛ لم يتردَّدن لحظـةً واحدةً في سلوك الخيار الثَّاني بل قلن جميعهنَّ بصـوتٍ واحد: نريد الله، ورسولَه والدَّار الآخرة.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لـمَّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه؛ بدأ بي، فقال: «إنِّي ذاكرٌ لكِ أمراً، فلا عليك ألاَّ تعجلي حتَّى تستأمري أبويك»، قالت: وقد علم أنَّ أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثمَّ قال: «إنَّ الله جلَّ ثناؤه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28 - 29] قالت: فقلت: ففي أيِّ هذا أستأمر أبويَّ؟ فإنِّي أريد الله ورسولَه والدَّار الآخرة، قالت: ثمَّ فعل أزواجُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلَ ما فعلتُ. [البخاري (4786)، ومسلم (1457)].

وهكذا تتجلَّى في موقفهنَّ رضي الله عنهنَّ صورةٌ ناصعةٌ لقوَّة الإيمان، واختبارٌ حقيقيٌّ للإخلاص، والصِّدق مع الله تعالى، فإنَّ قوله تعالى في الآية الأولى من ايتي التَّخيير: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ﴾، كالوعد بحصولهن على مبتغاهنَّ في الحياة الدُّنيا وزينتها - إن اخترن ذلك - ولكنَّهنَّ رفضن هذا، واخترن الله، ورسولَه، والدَّار الآخرة. وفي قوله تعالى في الآية الثانية: إشارةٌ إلى أنَّ ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ يَنَلْنَه من الأجر سببه كونهنَّ محسناتٍ، ومن ذلك اختيارهنَّ الله، ورسوله، والدَّار الآخرة؛ إذ لا يكفي لحصولهنَّ على هذا الأجر كونهنَّ زوجاتٍ للرَّسول صلى الله عليه وسلم  .

وتنكير الأجر، ثمَّ وَصْفُه بأنه عظيم فيه ترغيبٌ لهنَّ بالكفِّ عن التطلُّع إلى الحياة الدُّنيا وزينتها، فهذا الأجر لا يقدِّر قدره إلا الله، وهو شاملٌ لخيري الدُّنيا والآخرة.

ولقد اعتبر الخلفاء الرَّاشدون قصَّة التَّخيير تلك مَعْلَماً من معالم الإسلام، ومنهجاً نبويّاً كريماً ينبغي أن يسلكه بيت القيادة في الأمَّة.

وإنَّ النَّظرة الفاحصة في التاريخ لَـتُـبَـيِّنُ: أنَّ هذا الجانب يعدُّ معياراً دقيقاً به يُعرف القرب من الاستقامة، أو البعدُ عنها، وقد فهم قادة الأمَّة المؤمنون - حينما وُجدوا - على امتداد تاريخ الإسلام، أهمِّية هذا الجانب، فرعَوْه حقَّ رعايته، وإنَّ الأمثلة العمليَّة من تاريخ الخلافة الرَّاشدة هي من الوفرة، والكثرة بمكانٍ، بحيث لا تُتْعِبُ الباحث في التَّفتيش عنها.

إنَّ قيادة الأمَّة تكليفٌ، ومَغْرمٌ، وليست مغنماً، ولابدَّ لِلَّذين يتولَّونها أن يحسبوا أهمية التَّعالي على حطام الدُّنيا، والشَّوق إلى الله، والدَّار الآخرة.

رابعاً: حجُّ أبي بكرٍ رضي الله عنه بالنَّاس:

كانت تربية المجتمع، وبناء الدَّولة في عصر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مستمرَّةً في جميع الأصعدة، والمجالات العقائديَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والسِّياسيَّة، والعسكريَّة، والتَّعبديَّة، وكانت فريضة الحجِّ لم تُمارس في السَّنوات الماضية، فحجَّةٌ عام (8 هـ) بعد الفتح كُلِّف بها عَتَّابُ بن أَسِيْدٍ، ولم تكن قد تميَّزت حجَّة المسلمين عن حجَّة المشركين، فلـمَّا حل موسم الحج أراد صلى الله عليه وسلم الحجَّ، ولكنَّه قال: «إنَّه يحضر البيت عُراةٌ مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحبُّ أن أحجَّ حتَّى لا يكون ذلك»، فأرسل صلى الله عليه وسلم الصِّدِّيق أميراً على الحجِّ سنة تسعٍ، فخرج أبو بكر، ومعه عددٌ كبيرٌ من الصَّحابة، وساقوا معهم الهدي.

فلـمَّا خرج الصِّدِّيق بركب الحجيج؛ نزلت سورة براءة، فدعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً رضي الله عنه، وأمره أن يلحق بأبي بكرٍ الصِّدِّيق، فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء؛ حتَّى أدرك الصِّدِّيق أبا بكرٍ بذي الحليفة، فلـمَّا راه الصِّدِّيق، قال له: أميرٌ أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثمَّ سارا، فأقام أبو بكرٍ للنَّاس الحجَّ على منازلهم؛ الَّتي كانوا عليها في الجاهليَّة، وكان الحجُّ في هذا العام في ذي الحجَّة - كما دلَّت على ذلك الرِّوايات الصَّحيحة - لا في شهر ذي القعدة كما قيل.

وقد خطب الصِّدِّيق قبل التَّروية، ويوم عرفة، ويوم النَّحر، ويوم النفر الأوَّل، فكان يعرِّف النَّاس مناسكهم: في وقوفهم، وإفاضتهم ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات.... إلخ، وعليٌّ يخلفه في كل موقف من هذه المواقف، فيقرأ على النَّاس صدر سورة براءة، ثم ينادي في النَّاس بهذه الأمور الأربعة: لا يدخل الجنَّة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عُرْيان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ فعهده إلى مدَّته، ولا يحجُّ بعد العام مشرك. [أحمد (1/79)، والترمذي (871 و3092)، وأبو يعلى (452)].

وقد أمر الصِّدِّيق أبا هريرة في رهطٍ اخر من الصَّحابة لمساعدة عليِّ بن أبي طالب في إنجاز مهمَّته.

إنَّ نزول صدر سورة براءة يمثِّل مفاصلةً نهائيَّة مع الوثنيَّة، وأتباعها، حيث منعت حجَّهم، وأعلنت الحرب عليهم.

قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: 1 - 3].

وقد أُمْهِلَ المعاهدون لأجلٍ معلومٍ منهم إلى انتهاء مدَّتهم فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 4].

كما أمهل مَنْ لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم، حيث يصبحون بعدها في حالة حربٍ مع المسلمين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 5].

وقد كلَّف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحجِّ، مراعاةً لما تعارف عليه العرب فيما بينهم في عقد العهود، ونقضها ألاَّ يتولَّى ذلك سيِّد القبيلة، أو رجل مِنْ رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاةٌ للإسلام، فلذلك تدارك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الأمر، وأرسل عليّاً بذلك، فهذا هو السَّبب في تكليف عليٍّ بتبليغ صدر سورة براءة، لا ما زعمه بعضُهم من أن ذلك للإشارة إلى أنَّ عليّاً أحقُّ بالخلافة من أبي بكرٍ، وقد علَّق على ذلك الدُّكتور محمد أبو شهبة، فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصِّدِّيق له: أميرٌ أم مأمور؟ وكيف يكون المأمورُ أحقَّ بالخلافة من الأمير؟!

وقد كانت هذه الحجَّة بمثابة التَّوطئة للحجَّة الكبرى، وهي حجَّة الوداع؛ لقد أُعْلِن في حجَّة أبي بكر: أنَّ عهد الأصنام قد انقضى، وأنَّ مرحلةً جديدةً قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الَّذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أنَّ الأمر جَدٌّ، وأنَّ عهد الوثنيَّة قد انقضى فعلاً، فأخذت ترسل وفودها معلنةً إسلامها، ودخولها في التَّوحيد.

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

                        على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022