الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئة (124)
أهمُّ الأحداث ما بين غزوة تبوك وحجَّة الوداع (2)
خامساً: عام الوفود (9 هـ):
لـمَّا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، وبايعت، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد أربعة أشهرٍ لقبائل العرب المشركين، لكي يقرِّروا مصيرهم بأنفسهم قبل أن تتَّخذ الدَّولة الإسلاميَّة منهم موقفاً معيَّناً، ضربت إليه وفود العرب اباط الإبل من كلِّ وجهٍ معلنةً إيمانها، وولاءها، وقد اختلف العلماء في تاريخ مَقْدَمِ الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عددها، حيث أشارت المصادر الحديثيَّة، والتَّاريخيَّة إلى قدوم بعض الوفود إلى المدينة في تاريخٍ مبكرٍ عن السَّنة التَّاسعة، ولعلَّ ذلك ممَّا أدى إلى الاختلاف في تحديد عدد الوفود بين ما يزيد على ستين وفداً عند البعض، ويرتفع فيبلغ أكثر من مئة وفدٍ عند آخرين، ولعلَّ البعض قد اقتصر على ذكر المشهور منهم، فقد أورد محمَّد بن إسحاق: أنَّه: لـمَّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة المكرَّمة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، وبايعت؛ ضربت إليه وفود العرب من كلِّ وجه.
وقد استقصى ابن سعدٍ في جمع المعلومات عن الوفود، كما فصَّل كثيراً، وقدَّم ترجماتٍ وافيةً عن رجال الوفود، ومن كانت له صحبةٌ منهم، وما ورد عن طريقهم من اثار، ولا تخلو أسانيد ابن سعدٍ - أحياناً - من المطاعن، كما أنَّ فيها أسانيد من الثِّقات أيضاً، ولاشكَّ في أنَّ الأخبار الَّتي أوردها المؤرِّخون ليست ثابتةً بالنَّقل الصَّحيح المعتمد وفق أساليب المحدِّثين، برغم أنَّ عدداً كبيراً من المرويَّات عن تلك الوفود ثابتةٌ، وصحيحةٌ؛ فقد أورد البخاريُّ معلوماتٍ عن وفد قبيلة تميم، وقدومه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ، ووفود أخرى مثل: عبد القيس، وبني حنيفة، ووفد نجران، ووفد الأشعريين، وأهل اليمن، ووفد دَوْسٍ [البخاري (4365 و4368، و4372 و4392)]، وتعزَّزت أخبار هذه الوفود بمعلوماتٍ إضافيَّةٍ، وردت في مصادر تاريخيَّةٍ إلى جانب ما ورد عنها في كتب السِّيَر والمغازي، وقد أورد مسلم أخباراً عن أغلب الوفود المذكورة انفاً، كما أوردت بقيَّة الكتب السِّتَّة معلوماتٍ أوسع، شملت عدداً كبيراً من الوفود.
إنَّ قصص الوفود، وأخبارها، وكيفيَّة تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم معها من الأهميَّة بالمكان الكبير، وتبقى مسألة الحاجة الماسَّة إلى نقدٍ تاريخيٍّ لمتون الأخبار المفصَّلة الَّتي وصلتنا عن الوفود، فلقد تركت لنا تلك الأخبار، والقصص منهجاً نبويّاً كريماً في تعامله صلى الله عليه وسلم مع الوفود، يمكننا الاستفادة من هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع النَّفسيَّة البشريَّة، وتربيته، ودقَّته، وتنظيمه، ففيها ثروةٌ هائلةٌ من الفقه الَّذي يدخل في دوائر التَّعليم والتَّربية، والتَّثقيف وبُعْد النَّظر وجمع القلوب على الغاية، وربط أفرادٍ بأعيانهم بالمركز بحيث تبقى في كلِّ الظُّروف، والأحوال مرتكزاتٌ قويَّةٌ إلى الإسلام، إلى غير ذلك من مظاهر العظمة للعاملين في كلِّ الحقول نفسيّاً، واجتماعيّاً، واقتصاديّاً، وإداريّاً وسياسيّاً، وعسكريّاً، تعطي لكلِّ عاملٍ في جانب من هذه الجوانب دروساً تكفيه، وتغنيه.
هذا وقد تميَّز العام التاسع بتوافد العرب إلى المدينة، وقد استعدَّت الدَّولة الإسلاميَّة لاستقبالهم، وتهيئة المناخ التَّربويِّ لهم، وقد تمثَّل هذا الاستقبال بتهيئة مكان إقامة لهم، وكانت هناك دارٌ للضِّيافة، ينزل فيها الوافدون، وهناك مسجدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الَّذي كان ساحةً للاستقبال، ثمَّ كان هناك تطوُّعٌ، أو تكليف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصَّحابة باستضافة بعض القادمين.
واهتمَّ صلى الله عليه وسلم بتلك الوفود، وحرَص على تعليمها، وتربيتها، وقـد كانت تلك الوفود حريصةً على فهم الإسلام، وتعلُّم شرائعه، وأحكامه، وادابه، ونظمه في الحياة، وتطبيق ما عُلِّموه تطبيقاً عمليّاً، جعلهم نماذج حيّة لفضائله، وقد كان لكثيرٍ منهم سؤالاتٌ عن أشياء كانت شائعةً بينهم؛ ابتغاء معرفة حلالها، وحرامها، وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حريصاً أشدَّ الحرص على تفقيههم في الدِّين، وبيان ما سألوه عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يُدني منهم مَنْ يعلم منه زيادة حِرْصٍ على القرآن العظيم، وحفظ آياته تفقُّهاً فيه، ويقول لأصحابه: «فقِّهوا إخوانكم».
وكان( صلى الله عليه وسلم ) يسأل عمَّن يُعْرَف مِنْ شرفائهم، فإذا رغبوا في الرَّحيل إلى بلادهم أوصاهم بلزوم الحقِّ، وحثَّهم على الاعتصام بالصَّبر، ثمَّ يجزيهم بالجوائز الحسان، ويسوِّي بينهم، فإذا رجعوا إلى أقوامهم؛ رجعوا هُداةً دعاةً، مشرقةً قلوبهم بنور الإيمان، يعلِّمونهم ممَّا عُلِّموا، ويحدِّثونهم بما سمعوا، ويذكرون لهم مكارم النَّبيِّ، وبرَّه، وبِشْرَه، واستنارة وجهه سروراً بمقدمهم عليه، ويذكرون لهم ما شاهدوه من حال أصحابه في تاخيهم، وتحاببهم، ومواساة بعضهم بعضاً؛ ليثيروا في أنفسهم الشَّوق إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقاء أصحابه، ويحبِّبوا إليهم التأسِّي بهم في سلوكهم، ومكارم أخلاقهم، واختارت بعض الوفود البقاء على نصرانيَّتها؛ كوفد نصارى نجران، ووافقت على دفع الجزية، ونحاول أن نتحدَّث عن بعض الوفود؛ لما في ذلك من الفقه، والدُّروس، والعبر؛ كوفد عبد قيس، وبني سعد بن بكر، ووفد نصارى نجران:
أ - وفد عبد القيس:
وقد تحدَّث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن قدومهم، فقال: إنَّ وفد عبد القيس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَن الوفد؟ - أو: مَنِ القوم؟» قالوا: ربيعـة قال: «مرحباً بالقوم - أو: بالوفـد - غير خزايـا، ولا نَـدَامَى». قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شُقَّةٍ بعيدةٍ، وإنَّ بيننا وبينك هذا الحيُّ من كفَّار مضر، وإنَّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهرٍ حرام، فمرنا بأمرٍ فصلٍ نخبر به مَنْ وراءنا، ندخل به الجنَّة، وسألوه عن الأشربة. قال: فأمرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربعٍ، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسولُه أعلم.
قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدُّوا خمساً من المغنم»، ونهاهم عن الدُّباء، والحنتم، والمُزَفَّتِ، وربما قـال: النَّقير، أو المُقَـيَّر وقال: «احفظوهنَّ، وأخبروا بهنَّ مَنْ وراءكم» [البخاري (53)، ومسلم (17)].
وفي رواية: أنَّ الأشجَّ بن عبد قيسٍ تخلَّف في الرِّكاب حتَّى أناخها، وجمع متاع القوم، ثمَّ جاء يمشي حتَّى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبَّلها، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله ورسولُه» فقال: جَبْلٌ جُبِلْتُ عليه، أم تَخَلُّقَاً منِّي؟ قال: «بل جَبْلٌ» [ابن ماجه (4187)] قال: الحمد لله الَّذي جَبَلَنِي على ما يحبُّ اللهُ ورسولُه. [أحمد (4/206)، والبخاري في الأدب المفرد (584)].
وقد انشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدَمِهم وأخَّر صلاة السُّنَّة البَعْدِيَّة بعد الظهر وصلاَّها بعد العصر.
ب - وفد ضِمَام بن ثعلبة عن قومه بني سعد بن بكرٍ:
قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: بينما نحن جلوسٌ مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجلٌ على جملٍ، فأناخه في المسجد ثمَّ عقله، ثمَّ قال لهم: أيُّكم محمَّدٌ؟ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم متكىءٌ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرَّجل الأبيض المتَّكىء، فقال له الرَّجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم : «قد أجبتك»، فقال الرَّجل للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : إنِّي سَائِلُكَ فمشدِّدٌ عليك في المسألة؛ فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك، فقال: سل عمَّا بدا لك، فقال: أسألك بربِّك وربِّ مَنْ قبلك! الله أرسلك إلى النَّاس كلِّهم؟ فقال: «اللَّهُمَّ نعم!».
قال: أَنْشدُكَ بالله! الله أمرك أن تصلِّيَ الصَّلوات الخمس في اليوم والَّليلة؟ قال: «اللَّهمَّ نعم!».
قال: أنشدك بالله! الله أمرك أن نصوم هذا الشَّهر من السَّنة؟ قال: «اللَّهُمَّ نعم!».
قال: أنشدك بالله! الله أمرك أن تأخذ هذه الصَّدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : «اللَّهم نعم!».
فقال الرَّجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول مَنْ ورائي مِنْ قومي، وأنا ضِمَامُ بن ثَعْلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر. [البخاري (63)، وأبو داود (486)، وابن ماجه (1402)، وأحمد (3/168)، والنسائي (4/122)].
وفي رواية ابن عبَّاسٍ: ... حتَّى إذا فرغ؛ قال: فإنِّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، ثمَّ لا أزيد، ولا أنقص.
قال: ثمَّ انصرف راجعاً إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولَّى: «إنْ يصدق ذو الْعَقِيصَتَـيْنِ؛ يدخل الجنَّة». قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عِقَاله ثمَّ خرج حتَّى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوَّل ما تكلَّم به أن قال: بئست اللاَّتُ، والعزَّى! قالوا: صه يا ضِمَام! اتَّق البَرَص، والجُذام! اتَّق الجنون! قال: ويلكم! إنَّهما والله! لا يضرَّان، ولا ينفعان، إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به ممَّا كنتم فيه، وإنِّي أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وإنِّي قد جئتكم من عنده بما أمركم به، ونهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجلٌ، ولا امرأةٌ إلا مسلماً، قال: يقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما: فما سمعنا بوافد قومٍ كان أفضل مِنْ ضِمَامِ بن ثعلبة. [أحمد (1/264 - 265)، وأبو داود (487)، والدارمي (656)].
وتدل قصَّة إسلامه على مدى انتشار تعاليم الإسلام في وسط القبائل العربيَّة، حتَّى جاء ضِمَام لا ليسأل عنها، ولكن جاء ليستوثق منها، معدِّداً لها الواحدة تلو الأخرى، ممَّا يدلُّ على استيعابه لها قبل مجيئه إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم .
ج - وفد نصارى نجران:
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران كتاباً قال فيه: «أمَّا بعد، فإنِّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم؛ فالجزية، فإن أبيتم؛ اذنتكم بحربٍ، والسَّلام».
فلـمَّا أتى الأسقفَ الكتابُ؛ جمع النَّاس، وقرأه عليهم، وسألهم عن الرَّأي فيه، فقرَّروا أن يرسلوا إليه وفداً يتكوَّن من أربعة عشرَ من أشرافهم، وقيل: ستِّين راكباً منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب - وهو أميرهم، وصاحب مشورتهم، والَّذي يصدُرون عن رأيه - والسَّيد - وهو صاحب رحلتهم - وأبو الحارث - أسقفُهم، وحبرُهم وصاحب مدراسهم - فقدموا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحَبِرة، وأرديةٌ مكفوفةٌ بالحرير، وفي أيديهم خواتيم الذَّهب، فقاموا يصلُّون في المسجد نحو المشرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم، ثمَّ أتوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عنهم، ولم يكلِّمهم، فقال لهم عثمان: من أجل زِيِّكُمْ هذا، فانصرفوا يومهم هذا، ثمَّ غدَوا عليه بِـزِيِّ الرُّهبان فسلَّموا عليه، فردَّ عليهم، ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا، وقالوا: كنَّا مسلمين قبلكم، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «يمنعكم من الإسلام ثلاثٌ: عبادتكم الصَّليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أنَّ للهِ ولداً»، وكثر الجدال والحجاج بينه، وبينهم، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم القرآن، ويقرع باطلهم بالحجَّة، وكان ممَّا قالوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك تشتم صاحبنا، وتقول: إنَّه عبد الله ؟! فقال: «أجل، إنَّه عبد الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذراء البتول» فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أبٍ، فإن كنت صادقاً، فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الردِّ عليهم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [آل عمران: 59 60].
فكانت حجَّةً دامغةً، شُبِّه فيها الغريب بما هو أغرب منه. فلـمَّا لم تُجْدِ معهم المجادلة بالحكمة، والموعظة الحسنة، دعاهم إلى المباهلة، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ [آل عمران: 61].
وخرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ومعه عليٌّ، والحسن، والحسين، وفاطمة، وقال: «وإذا أنا دعوت فأمِّنوا». فائتمرُوا فيما بينهم، فخافوا الهلاك؛ لعلمهم: أنَّه نبيٌّ حقاً، وأنَّه ما بَاهَلَ قومٌ نبيّاً إلا هلكوا، فأبوا أن يلاعنوه، وقالوا: احكم علينا بما أحببت، فصالحهم على ألفي حُلَّةٍ، ألف في رجب، وألف في صفر، ولـمَّا عزموا على الرُّجوع إلى بلادهم، قالوا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : ابعث معنا رجلاً أميناً ليقبض منا مال الصُّلح، فقال لهم: «لأبعثنَّ معكم رجلاً أميناً حقَّ أمين»، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجرَّاح!» فلـمَّا قام؛ قال: «هذا أمين هذه الأمة». [البخاري (4382)، وأحمد (3/184)، والترمذي (3791)، وابن ماجه (154 و155)].
سادساً: بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعليم مبادئ الإسلام، وترتيب أمور الإدارة والمال:
كانت الوفود تسعى إلى المدينة لتعلن إسلامها، وتنضوي تحت سيادة الدَّولة الإسلاميَّة، ويتعلَّموا ما شاء الله أن يتعلَّموه في المدينة قبل رجوعهم إلى موطنهم، وكان صلى الله عليه وسلم يرسل معهم مَنْ يعلِّمهم دينهم، وشرع صلى الله عليه وسلم يبعث دعاته في شتَّى الجهات، واهتمَّ بجنوب الجزيرة حيث قبائل اليمن؛ لتعليمها مبادئ الإسلام، وأحكامه، فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة، ومختلف أطرافها، وأصبحت الحاجة داعيةً إلى معلِّمين، ودعاة، ومرشدين، يشرحون للنَّاس حقائق الإسلام؛ لكي تتطهَّر قلوبهم، وتشفى صدورهم من أمراض الجاهليَّة، وأدرانها الخبيثة، وامتنعت قبيلة بني الحارث بن كعب عن الدُّخول في الإسلام، فأرسل إليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالداً في سريَّةٍ دعويَّةٍ جهاديَّةٍ.
أ - بَعْثُ خالد إلى بني الحارث بن كعب (10 هـ):
كان بنو الحارث بن كعب يسكنون بنجران، ولم يقبَل منهم أحدٌ الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جُمادَى سنَة عشْرٍ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا؛ قَبِلَ منهم، وإن لم يفعلوا؛ قاتلهم، فخرج خالد حتَّى قدم عليهم، فبعث الرُّكبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام، فأسلم النَّاس، ودخلوا فيما دُعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلِّمهم الإسلام، وكتاب الله، وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ كتب خالدٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعْلِمه بإسلامهم، وأنَّه مقيمٌ فيهم، حتَّى يكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يُقْبِل إلى المدينة؛ ومعه وفدٌ منهم، ففعل، فلما قدموا أمَّر عليهم قيس بن الحُصَيْن، وبعث إليهم بعد ذلك عمرو بن حزم، ليفقههم في الدِّين، ويعلِّمهم السُّنَّة، ومعالم الإسلام.
وفي روايةٍ: أنَّه صلى الله عليه وسلم أرسل عليّاً بدلاً من خالدٍ، وعندما وصل إلى قبائل همدان؛ قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلمت همدان جميعاً، فكتب عليٌّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، فلـمَّا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب؛ خرَّ ساجداً، ثمَّ رفع رأسه فقال: «السَّلام على همدان، السَّلام على همدان» [البيهقي في الدلائل: (5/396)].
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على الجبهة الجنوبيَّة للدَّولة، وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام، وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة الَّتي حقَّقتها الدَّعوة، في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كلِّ أطراف اليمن متَّجهةً إلى المدينة، ممَّا يدل على أنَّ نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متَّصلاً، وبعيد المدى، وكانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم تساند هذا النَّشاط الدَّعويَّ السِّلميَّ، حيث بعث خالد بن الوليد، ثمَّ علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنهما في هذا السِّياق.
إنَّ الوثائق الَّتي عقدها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مع قبائل اليمن، وحضرموت قد بلغت عدداً كبيراً، ضمَّنهـا محمَّد حميـد الله - رحمـه الله - في كتابـه: «مجموعـة الوثائـق السِّياسيَّة».
إنَّ التَّركيز على مفاصل القوى، ومراكز التَّأثير في المجتمعات، وبناء الدُّول، منهج نبويٌّ كريمٌ، حرص النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على ممارسته في حياته.
ب - بَعْثُ معاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن:
1 - بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل الأنصاريَّ - أعلمَ الصَّحابة في علم الحلال والحرام - إلى اليمن؛ قاضياً، ومفقِّهاً، وأميراً، ومصدِّقاً، وجعله على أحد مِخْلافَيْها، وهو الأعلى. ولـمَّا خرج معاذٌ قاصداً اليمن؛ خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يودِّعه، ويوصيه، ومعاذ راكبٌ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فأوصاه بوصايا كثيرةٍ، ورسم له منهجاً دعويّاً عظيماً، حيث قال له: «إنك ستأتي قوماً من أهل كتاب، فإذا جئتهم؛ فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم: أنَّ الله فرض عليهم خمس صلواتٍ كلَّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم: أنَّ الله فرض عليهم صدقةً، تؤخذ من أغنيائهم، فتردُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإيَّاك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوة المظلوم، فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب». [البخاري (1458)، ومسلم (19)].
وفي هذا الحديث إرشادٌ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للدُّعاة إلى الله بالتَّدرُّج، والبدء بالأهمِّ، فالأهمِّ، فالدَّعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى، ورسوله إيماناً يثبت في القلوب، ويهيمن على الأفكار، والسُّلوك، ثمَّ تكون الدَّعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العمليَّة الَّتي ترسِّخ هذا الإيمان، وتنمِّيه، ثمَّ يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات، والنَّهي عن المحرَّمات، فيتقبَّل النَّاسُ تكاليف الإسلام الَّتي قد تكون مخالفةً لهوى النفس؛ لأنَّ قلوبهم قد عمرت بالإيمان، واليقين قبل ذلك.
وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ رسمه( صلى الله عليه وسلم ) لمعاذ ولمن يريد أن يسير على هدي الصَّحابة الكرام، وما أحوج الذين نذروا أنفسهم للدَّعوة إلى الله إلى الوقوف أمام هذا الهدي النَّبويِّ يترسَّمون خطاه، ويستوعبونه فهماً، ووعياً، وتطبيقاً! وحينئذٍ تكون خطاهم في الطَّريق الصَّحيح. ولـمَّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصاياه لمعاذ قال له: «يا معاذُ! إنَّك عسى ألاَّ تلقاني بعد عامي هذا، ولعلَّك أن تمرَّ بمسجدي هذا، وقبري»، فبكى معاذ خَشَعاً لفراق الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وكذلك وقع الأمر كما أشار الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، فقد أقام معاذ باليمن، ولم يقدم إلا بعد وفاة الرَّسول صلى الله عليه وسلم .
2 - وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعريَّ اليمنيَّ إلى مخلاف اليمن الآخر، وهو الأسفل، قاضياً، ومفقِّهاً، وأميراً، ومصدِّقاً، وأوصاه، ومعاذاً، فقال:ءَ «يسِّرا، ولا تعسِّرا، وبشِّرا، ولا تنفِّرا، وتطاوعا، ولا تختلفا». [البخاري (4342)، ومسلم (1733)].
وهذا منهجٌ نبويٌّ كريمٌ أرشد إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم معاذاً، وأبا موسى بأن يأخذوا بالتَّيسير على النَّاس، ونهاهما عن التَّعسير عليهم، وأمرهما بالتَّبشير، ونهاهما عن التَّنفير.
ج - ترتيب أمور الإدارة والمال:
إن النِّظام جزءٌ من هذا الدِّين، وداخلٌ في كل أموره؛ لأنَّ النِّظام يجمع الأشتات، وتُحقَّق به الأهداف، والغايات، فالنِّظام سمةٌ يتميَّز بها الإسلام منذ اللَّحظة الأولى؛ حيث يدخل في جميع جوانب الإسلام التَّصوريَّة، والشَّعائريَّة، والتُعبُّديَّة، وفي الشَّرائع الحياتيَّة كلِّها، فكان صلى الله عليه وسلم يضع من يدير المدينة في حالة غيبته عنها، وكلَّما فتح منطقةً، وضع عليها أميراً، وكانت الوفود تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُعيِّن عليها أميراً مِنْ قِبَلِه، ثمَّ يترك لهم مَنْ يعلِّمهم دينهم، ويرسل إليهم مَنْ يجمع صدقاتهم.
وكان يختار عمَّاله من الصَّالحين، وأولي العلم، والدِّين، ومن المنظور إليهم من العرب، وذوي الشَّخصيَّات المؤثِّرة في قبائلهم، فقد كان عامله على مكَّة عتَّاب بن أَسِيْدٍ، وعلى الطَّائف عثمان بن العاص، وبعث عليّاً، وأبا موسى إلى اليمن، وأقرَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات الأمراء، والملوك الَّذين أسلموا، أو قُبِلت الجزية منهم، ومنهم: باذان بن سامان ولد بهرام الَّذي أقرَّه الرَّسول صلى الله عليه وسلم على اليمن بعد إسلامه، ولما بلغه موته قسم عمله على جماعةٍ من الصَّحابة، فولَّى على صنعاء شمر بن باذان، وعلى مأرب أبا موسى الأشعريَّ، وعلى الجند يعلى بن أميَّة، وعلى همذان عامر بن شمر الهمداني، وعلى ما بين نجران، وزمع، وزبيد خالد بن سعيد بن العاص، وعلى نجران عمرو بن حزام، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي، وعلى السَّكاسك والسُّكون عكَّاشة بن ثور.
وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمَّال، يحاسبهم على المستخرج، والمصروف، وحدَّد صلى الله عليه وسلم لبعض عمَّاله رواتب، منهم عَتَّاب بن أَسِيْدٍ والي مكَّة، درهماً كلَّ يوم، ولـمَّا استعمل صلى الله عليه وسلم قيس بن مالكٍ على قومه همدان خصَّص له قطعةً من الأرض يأخذ خراجها، وكانت رواتب عمَّاله تتغيَّر بتغير أحوال المعيشة، فهي ليست ثابتةً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ ولي لنا ولايةً، ولم يكن له بيتٌ؛ فليتَّخذ بيتاً، أو لم تكن له زوجةٌ؛ فليتَّخذ زوجةً، أو لم تكن له دابَّةٌ، فليتَّخذ دابةً» [أحمد (4/229)، وأبو داود (2945)، وابن خزيمة (2370)].
وهذه هي الحاجات الرَّئيسية لوليِّ الأمر في ذلك الوقت؛ منعاً لأخذ الرَّشوة، وهذه قاعدةٌ قانونيَّة جاء بها الإسلام قبل أن تثبتها القوانين الوضعية الحديثة في بنودها، وهي أنَّ الهدية للحاكم رشوةٌ صريحةٌ.
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث
على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ