الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئة (125)

حجَّة الوداع (10 هـ)

الحجُّ أحد الأركان الخمسة، وقد فُرض في العام العاشر، وهذا ما ذهب إليه ابن القيِّم، واستدلَّ بأدلةٍ قويَّةٍ، وهو الَّلائق بهديه صلى الله عليه وسلم في عدم تأخير ما هو فرض، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97]، وقد نزلت عام الوفود، أواخر سنة تِسْعٍ.

لم يحجَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من المدينة غير حجَّته الَّتي كانت في العام العاشر، وعرفت هذه الحجَّة بحجَّة البلاغ، وحجَّة الإسلام، وحجَّة الوداع؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم ودَّع النَّاس فيها ولم يحجَّ بعدها، وحجَّة البلاغ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم بلَّغ النَّاس شرع الله في الحجِّ قولاً، وعملاً، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام، وقواعده شيءٌ إلا وقد بيَّنه، فلـمَّا بيَّن لهم شريعة الحجِّ، ووضَّحه، وشرحه، أنزل الله عليه، وهو واقفٌ بعرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3]. [البخاري (4407)، ومسلم (3017)].

ولـمَّا نزلت هذه الآية؛ بكى بعض الصَّحابة - ومنهم عمر بن الخَّطاب رضي الله عنه - وكأنَّهم فهموا منها الإشـارة إلى قرب أجل الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ولـمَّا قيل لسيِّدنا عمر: ما يبكيك؟ قال: إنَّه ليس بعد الكمال إلا النُّقصان، وكان عدد الَّذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة ألفٍ.

أولاً: كيف حجَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ؟

[البخاري (1557)، ومسلم (1218)]

عـزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجِّ، وأعلم النَّاس: أنَّـه حاجٌّ، فتجهَّزوا - وذلـك في شهر ذي القعدة سنة عشر - للخروج معه، وسمع بذلك مَنْ حول المدينة، فقدموا يريدون الحجَّ مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ووافاه في الطَّريق خلائق لا يحصون، فكانوا مِنْ بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله مدَّ البصر، وخرج من المدينة نهاراً بعد الظُّهر لخمسٍ بَقِينَ من ذي القعدة يوم السَّبت، بعد أن صلَّى الظُّهر بها أربعاً.

وخطبهم قبل ذلك خطبةً علَّمهم فيها الإحرامَ، وواجباتِه، وسننه، ثمَّ سار وهو يلبِّي، ويقول: «لبيك اللَّهُمَّ لبيك، لبَّيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد، والنِّعمة لك، والملك، لا شريك لك» والنَّاس معه يزيدون، وينقصون، وهو يقرُّهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته، ثمَّ مضى حتَّى نزل بـ (العرج) ثمَّ سار حتَّى أتى (الأبواء) فوادي (عسفان) في (سَرِف) ثمَّ نهض إلى أن نزل بـ (ذي طوى)، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجَّة، وصلَّى بها الصُّبح، ثمَّ اغتسل من يومه، ونهض إلى مكَّة فدخلها نهاراً من أعلاها، ثمَّ سار، حتَّى دخل المسجد، وذلك ضحىً، فاستلم الرُّكن صلى الله عليه وسلم ، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثمَّ نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السَّلام. فقرأ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: 125].

فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الرَّكعتين: ثمَّ رجع إلى الرُّكن ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ * ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، ثمَّ خرج من الباب إلى الصَّفا، فلـمَّا دنا من الصَّفا؛ قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 158].

وبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتَّى إذا رأى البيت؛ استقبل القبلة، فوحَّد الله، وكبَّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثمَّ دعا بين ذلك، قال مثل هذه ثلاث مرَّاتٍ، ثمَّ نزل إلى المروة، حتَّى إذا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي؛ سعى، حتَّى إذا صَعِدَتَا؛ مشى، أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصَّفا، حتَّى إذا كان اخر طوافه على المروة؛ قال: «لو أنِّي استقبلتُ من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عُمْرَةً، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ؛ فليحلَّ، وليجعلها عُمْرةً».

فقام سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، فقال: يا رسول الله! أَلِعَامِنَا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدةً في الأخرى، وقال: «دخلتِ العمرةُ في الحجِّ» مرَّتين، «لا بل لأبدٍ أَبَدٍ».

وأقام بمكَّة أربعة أيام: يوم الأحد، والإثنين، والثَّلاثاء، والأربعاء، فلـمَّا كان يوم الخميس ضُحىً؛ توجَّه بمن معه من المسلمين إلى منىً، ونزل بها، وصلَّى بها الظُّهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ومكث قليلاً حتَّى طلعت الشَّمس، وأمر بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضْرَبُ له بِنَمِرَةَ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تَشُكُّ قريشٌ إلا أنَّه واقفٌ عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهليَّة، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أتى عرفةَ، فوجد القُبَّةَ قد ضُرِبت له بنَمِرَة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشَّمسُ؛ أمَرَ بالقصواء، فرُحِلَتْ له، فأتى بطن الوادي، فخطب النَّاس، وقال: «إنَّ دماءكم، وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلُّ شيءٍ من أمر الجاهليَّة تحت قدميَّ موضوعٌ، ودماءُ الجاهليَّة موضوعةٌ، وإنَّ أوَّل دَمٍ أضع من دمائنا دمُ ابنِ ربيعةَ بن الحارثِ، كان مُسْتَـرْضَعاً في بني سعدٍ، فقتلتْه هذيلٌ، وربا الجاهليَّة موضوعٌ، وأوَّل رباً أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطَّلب، فإنَّه موضوع كلُّه.

فاتَّقوا الله في النِّساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، ولكن عليهنَّ ألاَّ يوطئن فرشَكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنَّ ضرباً غير مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكم رزقُهن، وكسوتُهنَّ بالمعروف؛ وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تُسْأَلُونَ عنِّي، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنَّك بلغت، وأدَّيت، ونصحت، فقال بإصبعه السَّبَّابة، يرفعها إلى السَّماء، وينكتها إلى النَّاس: «اللَّهمَّ اشهد! اللَّهُمَّ اشهد!» ثلاث مرَّات.

ثمَّ أذَّن، ثم أقام، فصلَّى الظُّهر، ثمَّ أقام، فصلَّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثمَّ ركب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، حتَّى أتى الموقف، فجعل بطنَ ناقتهِ القصواءِ إلى الصَّخَرَاتِ وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتَّى غربت الشمس، وذهبت الصُّفْرَةُ قليلاً حتى غاب القُرْصُ.

وذكر أبو الحسن النَّدويُّ: لـمَّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، والتَّضرُّع، والابتهال إلى غروب الشَّمس، وكان في دعائه رافعاً يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، يقول فيه: «اللَّهُمَّ! إنَّك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سرِّي، وعلانيتي، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوَجِل المِشفِق، المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذَّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضَّرير، مَنْ خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذلَّ جسده، وَرَغِم أنفهُ لك، اللَّهُمَّ! لا تجعلني بدعائك ربِّ شقيّاً، وكن بي رؤوفاً رحيماً، يا خير المسؤولين! ويا خير المعطين»

وهناك أنزلت عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3]، فلـمَّا غربت الشَّمس؛ أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شَنَقَ للقصواءِ الزِّمَامَ، حتَّى إنَّ رأسها ليُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وهو يقول: «أيُّها النَّاس! عليكم السَّكينة».

وكان يلبِّي في مسيره ذلك، لا يقطع التَّلبية حتَّى أتى المزدلفة، وأمر المؤذِّن بالأذان فأذَّن، ثمَّ أقام، فصلَّى المغرب قبل حطِّ الرِّحال، وتبريك الجمال، فلـمَّا حطُّوا رحالهم؛ أمر، فأقيمت الصَّلاة، ثمَّ صلَّى العشاء، ثمَّ نام، حتَّى أصبح، فلـمَّا طلع الفجر صلاَّها في أول الوقت، ثمَّ ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدُّعاء والتَّضرُّع، والتَّكبير، والتَّهليل، والذكر، حتى أَسْفَرَ جِدّاً، وذلك قبل طلوع الشَّمس.

ثمَّ سار من مزدلفة، مردِفاً للفضل بن عباس، وهو يلبِّي في مسيره، وأمر ابن عبَّاسٍ أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصياتٍ، فلـمَّا أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ؛ حرَّك ناقته، وأسرع السَّير، فإنَّ هنالك أصاب أصحابَ الفيل العذابُ، حتَّى أتى منىً، فأتى جمرة العقبة، فرماها راكباً بعد طلوع الشَّمس، وقطع التلبية.

ثمَّ رجع إلى مِنىً، فخطب الناس خطبةً بليغةً، أعلمهم فيها بحرمة يوم النَّحر، وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكَّة على جميع البلاد، وأمر بالسَّمع، والطَّاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر النَّاس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفاراً، يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتَّبليغ عنه.

وقد جاء في هذه الخطبة: «أتدرون أيُّ يومٍ هذا؟» قلنا: اللهُ ورسولُه أعلم، فَسكَتَ؛ حتَّى ظننَّا أن سيسمِّيه بغير اسمه، فقال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا: بلى! قال: «أي بلدٍ هذا؟» قلنا: الله ورسولُه أعلم، فَسَكَتَ؛ حتَّى ظننَّا: أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: «أليست بالبلدة الحرام؟» قلنا: بلى! قال: «فإنَّ دماءكم، وأموالكم - وفي رواية: وأعراضكم - عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللَّهُمَّ اشهد! فليبلغ الشَّاهد الغائب، فَرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامعٍ، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ».

ثمَّ انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثاً وستين بدنةً بيده، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنين عمره، ثمَّ أمسك وأمر عليّاً أن ينحر ما بقي من المئة، فلـمَّا أكمل صلى الله عليه وسلم نحره استدعى الحلاق، فحلق رأسه، وقسم شعره بين مَنْ يليه، ثمَّ أفاض إلى مكَّة راكباً، وطاف طواف الإفاضة، فصلَّى بمكَّة الظهر، فأتى بني عبدِ المطلب يَسْقُون على زمزم، فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم النَّاس على سِقَايتكم؛ لنزِعتُ معكم»، فناولوه دلواً، فشرب منه.

ثمَّ رجع إلى منىً من يومه ذلك، فبات بها، فلـمَّا أصبح؛ انتظر زوال الشَّمس، فلـمَّا زالت مشى من رحله إلى الجمار، فبدأ بالجمرة الأولى، ثمَّ الوسطى، ثمَّ الجمرة الثَّالثة - وهي جمرة العقبة - وخطب الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النَّحر، وخطبة ثانية في ثاني يوم النَّحر، وهو يوم النفر الأول، وهي تأكيد لبعض ما جاء في خطبتي عرفة، ويوم النَّحر بمنى.

والواقع أن تكرار الخطب في حَجَّة الوداع كان أمراً لابدَّ منه لحاجة المسلمين، فهي الحجَّة الوحيدة الَّتي حجَّها الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وقد عزَّ فيها الإسلام والمسلمون، وأصبحت كلمتهم هي النَّافذة في الجزيرة كلِّها، كما كانت الوداع الأخير، فما أشدَّ حاجةَ المسلمين في هذا المشهد العظيم إلى التَّذكير، والنُّصح، والتَّوصية، وإلى تكرار القول، والتَّأكيد عليه حتَّى يعوه، ويحفظوه، ولا ينسوه، وإلى تقريرهم بإبلاغ الرِّسالة، وأداء الأمانة!.

هذا، وقد تأخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أكمل رمي أيام التَّشريق الثَّلاثة، ثمَّ نهض إلى مكَّة، فطاف للوداع ليلاً سحراً، وأمر النَّاس بالرَّحيل، وتوجَّه إلى المدينة. وفي طريق العودة من حجَّة الوداع خطب الرَّسول صلى الله عليه وسلم النَّاس في غدير خُمٍّ قريباً من الجحفة في اليوم الثَّامن عشر من ذي الحجَّة، وقد جاء في هذه الخطبة: «أمَّا بعد: ألا أيُّها النَّاس! فإنَّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْنِ، أوَّلهما كتابُ الله فيه الهدى والنُّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به»، فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه، ثمَّ قال: «وأهلُ بيتي، أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي، أذكِّركُم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي» [أحمد (3/14 و17)، ومسلم (2408/36 و37)].

وفي روايةٍ: ... أخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه وقال: «من كنتُ وليُّه، فهذا وليُّه، اللَّهُمَّ والِ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه». [أحمد (1/118)]، وفي روايةٍ: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» [أحمد (4/368)، والترمذي (3713)].

وكان عليٌّ قد أقبل من اليمن، وشهد حجَّة الوداع، وقد اشتكى بعض الجند عليّاً، وأنَّه اشتدَّ في معاملتهم، وكان قد استرجع منهم حللاً وزَّعها عليهم نائبه، فأوضح لهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في غدير خُمٍّ مكانةَ عليٍّ، ونبَّه على فضله لينتهوا عن الشَّكوى، فقد كان الحقُّ مع عليٍّ في إرجاع ما أعطاهم نائبه في غيبته؛ لأنَّها أموال صدقاتٍ، وخمس.

ولما أتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذا الحليفة، بات بها، فلـمَّا رأى المدينة؛ كبَّر ثلاث مرَّاتٍ، وقال:

«لا إله إلا الله وحدَه، لا شريك له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، ايبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربِّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحدَه»، ثمَّ دخلها نهاراً. [البخاري (1797)، ومسلم (1344)].

ثانياً: الدُّروس، والعبر، والفوائد:

1 - مرحلة النُّضج الَّتي وصلت إليها الأمَّة:

وصلت الأمَّة الإسلاميَّة في السَّنة العاشرة مرحلةً من النُّضج متقدِّمةً، وكان ذلك يقتضي لمساتٍ أخيرةً، فوسَّع صلى الله عليه وسلم في العام التَّاسع، والعاشر من الهجرة دائرة التَّلقِّي المباشر، من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحجِّ، فأوجد قاعدةً عريضةً تحمل دعوته، وقد تلقَّت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رَحَى الإسلام دائرةً، وإلى الأبد، ففي حجَّة الوداع كانت اللَّمسات الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

2 - تربية الأفراد على قطع الصِّلة بالجاهليَّة، والابتعاد عن الذُّنوب:

أ - فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أهمِّيَّة قطع المسلم علاقته بالجاهليَّة: أوثانها، وثاراتها، ورِباها، وغير ذلك، ولم يكن حديثُه صلى الله عليه وسلم مجرَّد توصيةٍ، بل كان قراراً؛ أعلن عنه للملأ كلِّه؛ لأولئك الَّذين كانوا مِنْ حوله، والأمم الَّتي ستأتي مِنْ بعده، وهذه هي صيغة القرار: «ألا إنَّ كلَّ شيءٍ من أمر الجاهليَّة تحت قدمي موضوعٌ، دماءُ الجاهليَّة موضوعةٌ... وربا الجاهليَّة موضوعٌ» لأنَّ الحياة الجديدة الَّتي يحياها المسلم بعد إسلامه حياةٌ لا صلة لها بِرِجْسِ الماضي، وأدرانه.

ب - وقد حذَّر صلى الله عليه وسلم من الذُّنوب، والخطايا، والاثام، ما ظهر منها، وما بطن؛ لأنَّ الذُّنوب، والخطايا تفعل بالفرد ما لا يفعله العدوُّ بعدوِّه، فهي سبب مصائبه في الدُّنيا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30] فـتُـرْدِيه في نار جهنَّم في الآخرة، وتفعل في المجتمعات ما لا يفعله السَّيف.

وأعلن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : أنَّه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام؛ لأن العقول الَّتي تفتَّحت على التَّوحيد ترفض أن تعود إلى الشِّرك الظاهر، ولكنَّ الشَّيطان لا ييئس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا، والذُّنوب، حتَّى تُرْدِي صاحبها في المهاوي.

3 - تربية المجتمع على مبادئ أساسيَّة:

أ - الأخوَّة في الله هي العُروة الوُثقى الَّتي تربط بين جميع المسلمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «أيُّها النَّاس! اسمعوا قولي، واعقلوه، تَعَلَّمُنَّ: أنَّ كلَّ مسلمٍ أخٌ للمسلم، وأنَّ المسلمين إخوةٌ؛ فلا يحلُّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسٍ منه، فلا تَظْلِمُنَّ أنفسكم». وقال: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، حتَّى تلقَوا ربَّكم فيسألَكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلاَّلاً يضرب بعضُكم رقاب بعض». [سبق تخريجه].

ب - الوقوف بجانب الضَّعيف، حتَّى لا يكون هذا الضَّعف ثغرةً في البناء الاجتماعيِّ، فأوصى صلى الله عليه وسلم في خطبته بالمرأة والرَّقيق على أنَّهما نموذجان من الضُّعفاء، فقد شدَّد صلى الله عليه وسلم في وصيته بالإحسان إلى الضُّعفاء، وأوصى خيراً بالنِّساء، وأكَّد في كلمةٍ مختصرةٍ جامعةٍ القضاءَ على الظُّلم البائد للمرأة في الجاهليَّة، وتثبيت ضمانات حقوقها، وكرامتها الإنسانيَّة، الَّتي تضمَّنتها أحكام الشَّريعة الإسلاميَّة.

ج - التَّعاون مع الدَّولة الإسلاميَّة على تطبيق أحكام الإسلام، والالتزام بشرع الله، ولو كان الحاكم عبداً حبشيّاً؛ فإنَّ في ذلك الصَّلاحَ، والفلاحَ، والنَّجاةَ في الدُّنيا، والآخرة، فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنَّها تعتمد على السَّمع، والطَّاعة ما دام الرَّئيس يحكم بكتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإذا مال عنهما؛ فلا سمع، ولا طاعة، فالحاكم أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى.

د - المساواة بين البشر: فقد قال صلى الله عليه وسلم : «لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتَّقوى. النَّاس من ادم، وادم من تراب» [رواه أحمد (5/411) عن رجل من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، والبزار (2044) عن أبي سعيد، والطبراني في الكبير (18/12 - 13)، وانظره في مجمع الزوائد (3/272)]؛ حيث حدَّد: أن أساس التَّفاضل لا عبرة فيه لجنسٍ، ولا لون، ولا وطن، ولا قوميَّة، ... إلخ، وإنَّما أساس التَّفاضل قيمةٌ خلقيَّةٌ راقيةٌ ترفع مكانة الإنسان إلى مقاماتٍ رفيعةٍ جدّاً.

ه ـ تحديد مصدر التَّلقِّي: وقد حدَّد صلى الله عليه وسلم مصدر التَّلقِّي والطَّريقة المثلى لحلِّ مشاكل المسلمين، الَّتي قد تعترض طريقهم، في الرُّجوع إلى مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم بعدَ الاعتصام بهما الأمان من كلِّ شقاءٍ، وضلالٍ، وهما: كتاب الله، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنَّك لتجده يتقدَّم بهذا التعهُّد، والضَّمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده؛ ليبيِّن للنَّاس أنَّ صلاحية التَّمسُّك بهذين الدَّليلين ليس وقفاً على عصرٍ دون اخر، وأنَّه لا ينبغي أن يكون لأيِّ تطوُّرٍ حضاريٍّ، أو عُرْف زمنيٍّ أيُّ سلطانٍ، أو تغَلُّبٍ عليهما.

لقد وصف صلى الله عليه وسلم الدَّاء، والدَّواء، ووضع العلاج لكلِّ المشكلات بالالتزام التَّامِّ بما جـاء من أحكامٍ في كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم : «تركت فيكم ما إن تمسَّكتُم به؛ لن تضلُّوا بعدي أبداً كتابَ الله، وسنَّتي». [مالك في الموطأ (2/899)، ومشكاة المصابيح (186)، والسلسلة الصحيحة (1761)].

هذا هو العلاج الدَّائم، وقد كرَّر صلى الله عليه وسلم نداءه للبشريَّة عامَّةً عبر الأزمنة، والأمكنة بوجوب الاهتداء بالكتاب، والسُّنَّة في حلِّ جميع المشكلات الَّتي تواجه البشريَّة؛ فإنَّ الاعتصام بهما يجنِّب النَّاس الضَّلال، ويهديهم إلى الَّتي هي أقوم في الحاضر، والمستقبل، لقد اجتازت تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهديه حدود الجزيرة، واخترقت حواجز الزَّمن، وأسوار القرون، وظلَّ يتردَّد صداها حتَّى يوم النَّاس هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلم يكن يخاطب سامعيه، فيقول لهم: (أيُّها المؤمنون! أيُّها المسلمون! أيُّها الحجَّاج)؛ بل كان يقول لهم: (أيُّها النَّاس!)، وقد كرَّر نداءه إلى النَّاس كافَّةً مرَّاتٍ متعدِّدةً دون أن يخصِّصه بجنسٍ، أو بزمانٍ، أو مكانٍ، أو لونٍ، فقد بعثه الله للنَّاس كافَّةً، وأرسله رحمةً للعالمين.

4 - الأساليب التعليمية من خطب حجَّة الوداع:

أ - التَّعليم بمباشرة ما يراد تعليمه:

علَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام مناسك الحجِّ بصورةٍ عمليَّةٍ، بأن قام بها، وباشرها فعلاً، ولم يكتفِ بأن يعلِّمها لهم قولاً، ولذلك قال لهم: «خذوا عنِّي مناسككم» [رواه مسلم (1297)، وأبو داود (1970)، والنسائي (5/270)]، وعلى هذا فيُستحسن من الدُّعاة؛ وهم يعلِّمون الناس معاني الإسلام أن يعلِّموهم هذه المعاني، والمطلوبات الشَّرعية، أو بعضَها في الأقلِّ بصورةٍ عمليَّةٍ كالوضوء، والصَّلاة، وتعليم قراءة القرآن بصورةٍ سليمةٍ.

ب - تكرار الخُطَب:

لاحظنا: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كرر خطبه، فقد خطب في عرفة، وفي منىً مرَّتين، كما كرَّر معاني بعض هذه الخطب، فعلى الدُّعاة أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكرِّروا خطبهم، ويكرِّروا بعض معانيها الَّتي يرون حاجةً لتكرارها؛ حتَّى يستوعبها السَّامعون، ويحفظوها؛ لأنَّ القصد من خُطب الخطيب إفادة السَّامعين بما يقول، فإذا كانت الفائدة لا تحصل، أو لا تتمُّ إلا بتكرار الخُطب من حيث عددها، أو بتكرارها من حيث تكرار معانيها، فليكرِّرها الدَّاعية، ولا يكون حرصه على أن يأتي بجديدٍ في خطبه، ما دام يرى الحاجة في ترسيخ معانٍ معيَّنةٍ في أذهان السَّامعين. إنَّ الدَّاعية همُّه أن يفيد السَّامعين، وليس همُّه أن يُظهر براعته في الخُطَب، وفي تنوُّع معانيها دون نظرٍ، ولا اعتبارٍ إلى ما يحتاج إليه السَّامعون، ودون اعتبارٍ لفهمهم هذه المعاني، واستيعابهم لها.

ج - فَلْيُـبَـلِّغ الشَّاهدُ الغائبَ:

وفي هذا توجيهٌ نبويٌّ كريمٌ لكي تعمَّ الفائدة أكبر عددٍ ممكنٍ من النَّاس، فهذا من باب التعاون على الخير؛ ولأنَّ الغائب قد يكون أوعى للعلم، وأكثر فهماً له من الحاضر الَّذي سمع، وعلى الدُّعاة، والعلماء عندما يُلْقُون درساً أو محاضرةً لإخوانهم أو لعامَّة النَّاس أن يقولوا للحاضرين: «فليبلِّغ الحاضرُ منكم الغائبَ بما سمعه». [البخاري (67)].

د - جلب انتباه الحاضر لما يقوله الخطيب:

ويستفاد من سؤال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الحاضرين عن اسم اليوم الَّذي هم فيه، وكذا عن الشَّهر، والبلد - وهم يعرفونها - ما يجلب انتباههم إلى ما قد عسى أن يريده بطرح هذه الأسئلة، فيصغون إليه إصغاءً تامَّاً، قال القرطبيُّ: سؤال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة: أي: عن اليوم، والشَّهر، والبلد، وسكوته بعد كلِّ سؤالٍ منها؛ كان لاستحضار فهومهم، وليُقبلوا عليه بكلِّيَّتهم وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه... فعلى العلماء، والدُّعاة أن يقدِّموا بين يدي ما يقولونه ما يدعو إلى جلب انتباه السَّامعين، ويشدُّهم إلى كلامهم.

5 - بعض الأحكام الفقهيَّة المستنبطة من حجَّة الوداع:

جاءت حجَّة الوداع حافلةً بالأحكام الشَّرعية، وخاصَّةً ما يتعلَّق بالحجِّ، وبالوصايا، والأحكام الَّتي وردت في خطبة عرفات، لذلك اهتمَّ العلماء بحجَّة الوداع اهتماماً كبيراً، واستنبطوا منها الكثير من أحكام المناسك، وغيرها ممَّا تحفِل به كتبُ الفقه، وكتبُ شروح الحديث، وخصَّص بعضُهم مؤلفاتٍ مستقلَّةً في حجَّة الوداع.

ونشير إلى بعض هذه الأحكام باختصارٍ شديدٍ، فمن هذه الأحكام:

أ - إفطار الحاجِّ يوم عرفة:

قالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : إنَّ النَّاس شكُّوا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلْتُ إليه بحلابٍ، وهو واقفٌ في الموقف، فشرب منه، والنَّاس ينظرون إليه. [البخاري (1989)، ومسلم (1123/110)].

ب - كيف يفعل بمن تُوفي مُحْرِماً؟

قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: بينما رجلٌ واقفٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة؛ إذْ وقع عن راحلته، فَوَقَصَتْهُ، أو فأَوْقَصَتْهُ، فذُكر ذلك للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: «اغسلوه بماءٍ وسدْرٍ، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يُبْعَثُ يوم القيامة ملبِّياً». [أحمد (1/215)، ومسلم (1206)، والنسائي (5/195)، وابن ماجه (3084)].

ج - هل يجوز الحجُّ عن الغير؟

قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: كان الفضل بنُ العبَّاس رديفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءت امرأةٌ من خثعم، فجعل الفضلُ ينظر إليها، وتنظر إليه، وجعل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشِّقِّ الآخر، فقالت: يا رسول الله! إنَّ فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يَثْبُتُ على الرَّاحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: «نعم». وذلك في حَجَّة الوداع. [البخاري (1513)، ومسلم (1334)].

د - منهج التَّيسير (لا حرج! لا حرج!):

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فطفق ناس يسألونه، فيقول القائل: يا رسول الله! إنِّي لم أكن أشعر: أنَّ الرمي قبل النَّحر، فنحرت قبل الرَّمي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ارم، ولا حرج!» قال: وطفق اخر يقول: إنِّي لم أشعر أنَّ النَّحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، فيقول: «انحر، ولا حرج!» قال: فما سمعته يُسأل يومئذٍ عن أمرٍ ممَّا ينسى المرء ويجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «افعل، ولا حرج!». [البخاري (83)، ومسلم (1306)].

هذه بعض الأحكام المختصرة، ومن أراد المزيد فليراجع ما كتبه الألبانيُّ عن حجَّة الوداع فقد لخص الحَجَّةَ في اثنتين وسبعين مسألة، وكتاب «الوصيَّة النَّبويَّة للأمَّة الإسلاميَّة» للدكتور فاروق حمادة، فقد جمع من المصادر الأدبيَّة، والحديثيَّة، وكتب أهل السِّير ثمانية وثلاثين بنداً، ثمَّ قام بتحليلها، وتخريجها، وتوثيق نصوصها بميزان الجرح والتَّعديل؛ الَّذي اعتمده أئمَّة المسلمين منذ الصَّدر الأول؛ لأنَّ الأمر دينٌ وشرعٌ كما قال، وقد أجاد، وأفاد.

6 - فوائد في تسمية أيام الحجِّ:

كان يقال لليوم السَّابع من ذي الحجة يومُ الزِّينة؛ لأنَّه تُزيَّن فيه البُدن الَّتي تُهدى بالجلال، وغيرها، واليوم الثَّامن يقال له: يوم التَّروية؛ لأنَّهم كانوا يروون فيه إبلهم من الماء، ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف، وما بعده؛ لأنَّ هذه الأماكن لم يكن فيها يومئذٍ ابارٌ، ولا عيونٌ، أمَّا الان ففيها الماء الكثير والحمد لله! واليوم التَّاسع: يوم عرفة؛ للوقوف فيه بها، واليوم العاشر: يوم النَّحر، ويوم الأضحى، ويوم الحجِّ الأكبر. واليوم الحادي عشر: يوم القرِّ؛ لأنَّهم يقرُّون فيه، ويقال له: يوم الرؤوس؛ لأنَّهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، وهو أوَّل أيام التَّشريق، وثاني أيَّام التَّشريق يقال له: يوم النَّفر الأوَّل؛ لجواز الخروج فيه إلى مكَّة لمن يريد التَّعجيل، وثالث أيام التَّشريق يقال له: يوم النَّفر الثَّاني.

قال عـزَّ شأنـه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].

 

يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث

                        على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ

http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/BookC-169.pdf


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022