مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاتُه:
بقلم: د. علي محمد الصلابي
الحلقة الأخيرة (١٢٦)
١١ سبتمبر ٢٠١٩
إنَّ الأرواح الشَّفافة الصَّافية القويَّة لتدرك بعض ما يكون مخبوءاً وراء حُجُب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطَّاهرة المطمئنة لتحدِّث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزَّمان، والعقول الذَّكيَّة المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات، وتلميحات، ولنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم من هذه الصِّفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحلِّ الأرفع؛ الذي لا يُسامَى، ولا يُطاوَل.
ولقد جاءت بعض الآيات القرآنيَّة مؤكِّدةً على حقيقة بشرية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وأنَّه كغيره من البشر سوف يذوق الموت، ويعاني سكراته، كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء، ولقد فهم صلى الله عليه وسلم من بعض الآيات اقترابَ أجله، وقد أشار صلى الله عليه وسلم في طائفة من الأحاديث الصَّحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ما هو صريح الدَّلالة على الوفاة، ومنها ما ليس كذلك، حيث لم يشعر ذلك منها إلا الاحاد من كبار الصَّحابة الأجلاَّء؛ كأبي بكرٍ، والعباس، ومعاذٍ رضي الله عنهم.
أولاً: الآيات والأحاديث الَّتي أشارت إلى وفاته صلى الله عليه وسلم :
1 - الآيات:
أ - قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]. قال القرطبيُّ: فأعْلَمَ اللهُ تعالى في هذه الآية: أنَّ الرسل ليست بباقيةٍ في قومها أبداً، وأنه يجب التَّمسُّك بما أتت به الرُّسل؛ وإن فُقِدَ الرَّسولُ بموتٍ، أو قَتْلٍ.
ب - قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 30].
قال ابن كثير: هذه الآية من الآيات الَّتي استشهد بها الصِّدِّيق رضي الله عنه عند موت الرَّسول صلى الله عليه وسلم حتَّى تحقَّق النَّاس موته.
ج - قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾ [الأنبياء: 34]، ثـمَّ أعقب ذلـك ببيان: أنَّ الموت حتـمٌ لازمٌ، وقـدرٌ سـابق، فقال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]، فهذه الآيات صريحةٌ، ونصَّت على وفاته صلى الله عليه وسلم.
وهناك بعض الآيات أشارت إلى ذلك وإن لم تصرِّح؛ منها:
- قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ [الضحى: 4 5].
- قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26 27].
- قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88].
فهذه الآيات تبيِّن: أنَّ جميع أهل الأرض ستمضي فيهم سنَّة الله في موت خلقه، لن يتخلَّف منهم أحدٌ أبداً.
- قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3].
وقد بكى عمر بن الخطَّاب حين نزلت الآية، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: إنَّه ليس بعد الكمال إلا النُّقصان!! وكأنه استشعر وفاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .
- قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 1 - 3].
فقد سأل عمر رضي الله عنه ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، فقال: أَجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعَلَمَهُ إيَّاه، فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم [البخاري (4430)].
في روايـة الطَّبراني: قال ابن عبَّاس: نُعِيَتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسُه حين نزلت، فأخـذ بأشـدِّ ما كان قـطُّ اجتهـاداً في أمر الآخرة. [الطبراني في الكبير (2676)، ومجمع الزوائد (9/26 - 27)، وابن الجوزي في الموضوعات (1/295 - 301)].
2 - أمَّا الأحاديث الَّتي أشارت إلى ذلك:
أ - قالت عائشة رضي الله عنها: إنَّا كنَّا أزواجَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عنده جميعاً لم تُغادِر منَّا واحدةٌ، فأقبلت فاطمة عليها السَّلام، ولا والله ما تخفَى مشيتُها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا راها؛ رحَّبَ؛ قال: «مرحباً بابنتي». فأقعدها يمينه - أو شماله - ثمَّ سارَّها فبكت، ثمَّ سارَّها، فضحكت، فقلت لها: خصَّك رسول الله بالسِّرار، وأنت تبكين؟! فلـمَّا أن قامت قلت لها: أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحقِّ لما أخبرتيني، قالت: أمَّا الان؛ فنعم، قالت: سارَّني في الأوَّل، قال لي: «إنَّ جبريل كان يعارضني في القرآن كلَّ سنةٍ مرَّةً، وقد عارضني في هذا العام مرَّتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله، واصبري، فنعم السَّلف أنا لك!» فبكيت، ثمَّ سارَّني، فقال: «أما ترضين أن تكوني سيِّدة نساء المؤمنين، أو سيِّدة نساء هذه الأمَّة؟» فضحكتُ. [البخاري (6285 و6286)، ومسلم (2450/ 98 - 99)].
وفي هذا الحديث دليلٌ قاطعٌ، وإشارةٌ واضحةٌ إلى اقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ ساعة الفراق قد باتت قريبةً إلا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد اختصَّ ابنته فاطمة رضي الله عنها بعلم ذلك، ولم يعلم به المسلمون إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ب - قال جابر رضي الله عنه: رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النَّحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم؛ فإنِّي لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعد حجَّتي هذه!». [سبق تخريجه].
قال النَّوويُّ: فيه إشارةٌ إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم ، وحثِّهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلُّم أمور الدِّين، وبهذا سمِّيت حجَّة الوداع.
وقال ابن رجب: وما زال صلى الله عليه وسلم يُعرِّض باقتراب أجله في اخر عمره، فإنَّه لما خطب في حجَّة الوداع قال للنَّاس: «خذوا عنِّي مناسككم، فلعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا! فطفق يودِّع النَّاس، فقالوا: هذه حجَّة الوداع.
ج - قال أبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم للنَّاس، وقال: «إنَّ الله خيَّر عبداً بين الدُّنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله». قال: فبكى أبو بكرٍ رضي الله عنه، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبدٍ خُيِّر ! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكرٍ أعلمَنا. [البخاري (466)، ومسلم (2382)].
قال الحافظ ابن حجر: وكأنَّ أبا بكر رضي الله عنه فهم الرَّمز الَّذي أشار به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه: أنَّه أراد نفسه، فلذلك بكى.
د - قال العبَّاس بن عبد المطلب رضي الله عنه: رأيت في المنام كأنَّ الأرض تنزع إلى السَّماء بأشطانٍ شدادٍ، فقصصت ذلك على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ذاك وفاة ابن أخيك» [البزار (844)، ومجمع الزوائد (9/23 - 24)].
وفي هذا الحديث إخبار النَّبي صلى الله عليه وسلم بقرب وفاته، وفيه صدق رؤيا المؤمن، واستشعار بعض الصَّحابة وفاته صلى الله عليه وسلم .
ه- وعن معاذٍ: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لـمَّا بعثه إلى اليمن؛ خرج راكباً؛ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فقال: «يا معاذ! إنَّك عَسَى ألا تلقاني بعد عامي هذا، فتمرَّ بقبري، ومسجدي» فبكى معاذٌ لفراقه صلى الله عليه وسلم ، فقال: «لا تبك يا معاذ! فإنَّ البكاء من الشَّيطان» [أحمد (5/235)، والطبراني في الكبير (20/121)، وابن حبان (647)، ومجمع الزوائد (9/22)]. وفي الحديث إخبار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل باقتراب أجله، وأنَّه يمكن ألا يلقاه بعد عامه هذا، وفيه شدَّة محبَّة الصَّحابة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبكائهم؛ إذا ذكروا فراقه.
ثانياً: مرض الرَّسول صلى الله عليه وسلم
بـدء الشَّكوى:
رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجَّة الوداع في ذي الحجَّة، فأقام بالمدينة بقيَّته، والمحرَّم، وصفراً، من العام العاشر، فبدأ بتجهيز جيش أسامة، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجَّه نحو البلقاء، وفلسطين، فتجهَّز النَّاس، وفيهم المهاجرون، والأنصار، وكان منهم أبو بكر، وعمر، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلَّم البعض في تأميره ، وهو مولىً، وصغيرُ السِّنِّ على كبار المهاجرين، والأنصار، فلم يقبل الرَّسول صلى الله عليه وسلم طعنهم في إمارة أسامة، فقال( صلى الله عليه وسلم ) : «إن يطعنوا في إمارته؛ فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايمُ الله! إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحبِّ النَّاس إليَّ، وإنَّ ابنه هذا لمن أحبِّ النَّاس إليَّ بعده». [البخاري (3730)، ومسلم (2426)].
وبينما النَّاس يستعدُّون للجهاد في جيش أسامة؛ ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجعه الَّذي قبضه الله فيه، وقد حدثت حوادثُ ما بين مرضه، ووفاته؛ منها:
أ - النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في البقيع وزيارته قتلى أحدٍ، وصلاتُه عليهم:
عن أبي مُوَيْهِبَةَ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في جَوف اللَّيل، فقال: «يا أبا مُوَيْهبَة! إنِّي قد أُمِرْت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي». فانطلقت معه، فلـمَّا وقف بين أظهرهم؛ قال: «السَّلام عليكم يا أهل المقابر! ليَهْنَ لكم ما أصبحتم فيه ممَّا أصبح النَّاس فيه، أقبلت الفتن كقطع اللَّيل المظلم، يتبع اخرُها أوَّلها، والآخرة شرٌّ من الأولى». ثمَّ أقبل عليَّ، فقال: «يا أبا مُوَيْهِبَة! إنِّي قد أوتيت مفاتيح خزائن الدُّنيا، والخلد فيها، ثمَّ الجنَّة، فخيِّرت بين ذلك، وبين لقاء ربِّي، والجنَّة». قال: فقلت: بأبي أنت وأمِّي! خذ مفاتيح خزائن الدُّنيا، والخُلد فيها، ثمَّ الجنَّة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنَّة». ثمَّ استغفر لأهل البقيع، ثمَّ انصرف، فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه؛ الَّذي قبضه الله فيه. [أحمد (3/489)، والطبراني في الكبير (22/346 - 347)، والدارمي (79)، والحاكم (3/56)، والهيثمي في مجمع الزوائد (9/24)].
ومن حديث عقبة بن عامر الجهنيِّ رضي الله عنه، قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى على قتلى أحدٍ بعد ثماني سنين كالمودِّع للأحياء، والأموات، ثمَّ طلع المنبر، فقال: «إني بين أيديكم فَرَطٌ، وأنا عليكم شهيدٌ، وإنَّ موعدكم الحوض، وإنِّي لأنظر إليه؛ وأنا في مقامي هذا، وإنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدُّنيا أن تنافسوها». فقال عقبة: فكانت اخر نظرةٍ نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . [البخاري (1344)، ومسلم (2296)].
ب – استئذانه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يُمرَّض في بيت عائشة، وشدَّة المرض الَّذي نزل به:
قالت عائشة رضي الله عنها: لـمَّا ثَـقُلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتدَّ به وجعُه؛ استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين، تخطُّ رجلاه في الأرض، بين عبَّاسٍ ورجلٍ اخر، ولـمَّا دخل بيتي؛ اشتدَّ وجعه. قال: «أهريقوا عليَّ من سبع قربٍ لم تُحْلَلْ أوكيتُهنَّ، لعلِّي أعهد إلى النَّاس» فأجلسناه في مِخْضَبٍ لحفصة، ثمَّ طفقنا نصبُّ عليه من تلك القرب، حتَّى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتُنَّ، ثمَّ خرج إلى النَّاس فصلَّى بهم، وخطبهم [البخاري (1198)]، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رجلاً أشدَّ عليه الوَجَعُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم . [البخاري (5646)، ومسلم (2571)].
وقال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَكُ فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله! إنك لَـتُوعَكُ وعْكاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أَجَلْ؛ إنِّي أُوعَكُ كما يوعك رجلان منكم». قال: فقلت: ذلك أنَّ لك أجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أجلْ!»، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصيبه أذىً من مرضٍ فما سواه إلا حَطَّ الله به سيئاتِه، كما تَحُطُّ الشَّجرةُ ورقَها». [البخاري (5647)، ومسلم (2570)].
ثالثاً: من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيَّامه الأخيرة:
1 - وصيته صلى الله عليه وسلم بالأنصار:
مرَّ العبَّاس رضي الله عنه بقومٍ من الأنصار يبكون حين اشتدَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعُه، فقال لهم: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل العبَّاس عليه صلى الله عليه وسلم ، فأخبره، فعُصِّب بعصابةٍ دسماء، أو قال: بحاشية بُرد، وخرج، وصعِد المنبر - ولم يصعد بعد ذلك اليوم -، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمَّ قال: «أوصيكم بالأنصار فإنَّهم كَرشي، وعَيْـبَتي، وقد قَضوا الَّذي عليهم، وبقي الَّذي لهم، فاقبلوا من مُحسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم». [البخاري (3799)، ومسلم (2510)]. وفي الحديث شدَّة محبَّة الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبكاؤهم لمرضه، وحرمانهم من مجلسه.
2 - إخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد:
لقد ازدادت شدَّة المرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحيث كان يُغْمَى عليه في اليوم الواحد مرَّاتٍ عديدةً، ومع ذلك كلِّه أحَبَّ صلى الله عليه وسلم أن يفارق الدُّنيا وهو مطمئنٌّ على أمَّته أن تضلَّ من بعده، فأراد أن يكتب لهم كتاباً مفصَّلاً؛ ليجتمعوا عليه، ولا يتنازعوا، فلـمَّا اختلفوا عنده صلى الله عليه وسلم عدل عن كتابة ذلك الكتاب، وأوصاهم بأمورٍ ثلاثةٍ، ذكر الرَّاوي منها اثنين:
ـ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.
ـ وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به. [البخاري (3053)، ومسلم (1637)].
3 - النَّهي عن اتِّخاذ قبره مسجداً:
كان من اخر ما تكلَّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «قاتل الله اليهود والنَّصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». [البخاري (437)، ومسلم (530)].
4 - إحسان الظَّنِّ بالله:
قال جابر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظَّنَّ بالله، عزَّ وجلَّ». [أحمد (3/293)، ومسلم (2877/81)، وأبو داود (3113)، وابن ماجه (4167)].
5 - الوصية بالصَّلاة، وما ملكت أيمانكم:
قال أنس رضي الله عنه: كانت وصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: «الصَّلاة وما ملكت أيمانُكم!» حتَّى جعل يغرغر بها في صدره، ولا يفيض بها لسانُه. [أحمد (3/117)، وابن ماجه (2697)، وابن حبان (5/66)].
6 - لم يبقَ مِنْ مبشِّرات النُّبوَّة إلا الرُّؤيا:
قال عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: كَشَفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم السِّتْـرَ، وهو مَعْصُوبٌ في مرضه؛ الَّذي مات فيه، فقال: «اللَّهُمَّ! هل بَلَّغْتُ؟ - ثلاث مرَّات - إنَّه لم يبقَ من مُبَشِّرات النُّبوة إلا الرُّؤيا، يراها العبد الصَّالح، أو ترى له. ألا وإنِّي قد نهيت عن القراءة في الرُّكوع، والسُّجود، فإذا ركعتم؛ فعظِّموا الله، وإذا سجدتم؛ فاجتهدوا في الدُّعاء، فإنَّه قَمِنٌ أن يستجاب لكم». [أحمد (1/219)، ومسلم (479)، وأبو داود (876)، والنسائي (2/189)، وابن ماجه (3899)].
رابعاً: أبو بكر يصلِّي بالمسلمين:
ولـمَّا اشتدَّ المرض بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وحضرت الصَّلاة، فأذَّن بلالٌ، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ» فقيل: إنَّ أبا بكر رجلٌ أَسِيفٌ، إذا قام مقامك؛ لم يستطع أن يُصلِّي بالنَّاس. وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثَّالثة، فقال: «إنكنَّ صواحبُ يوسف، مُروا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس!» فخرج أبو بكرٍ، فوجد النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في نفسه خفَّةً، فخرج يهادى بين رجلين، كأنِّي أنظر إلى رجليه تَخُطَّانِ من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخَّر فأومأ إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : أنْ مكانك، ثمَّ أُتي به حتَّى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي، وأبو بكر يصلِّي بصلاته، والنَّاس يصلُّون بصلاة أبي بكرٍ ؟ فقال برأسه: نعم. [البخاري (664)، ومسلم (418/95)].
خامساً: السَّاعات الأخيرة من حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم :
1 - كان أبو بكرٍ يصلِّي بالمسلمين؛ حتَّى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوفٌ في صلاة الفجر، كشف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم سِتْرَ الحجرة، ينظر إلى المسلمين، وهم وقوفٌ أمام ربِّهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته، وجهاده، وكيف نشأت أمَّةٌ تحافظ على الصَّلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيِّها وغيبته، وقد قرَّت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النَّجاح الَّذي لم يُقَدَّر لنبيٍّ، أو داعٍ قبله، واطمأنَّ أنَّ صلة هذه الأمَّة بهذا الدِّين، وعبادة الله تعالى صلةٌ دائمةٌ، لا تقطعها وفاة نبيِّها، فملئ من السُّرور ما الله به عليم، واستنار وجهه؛ وهو منيرٌ.
يقول الصَّحابة رضي الله عنهم: كشف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم سِتْرَ حجرة عائشة ينظر إلينا؛ وهو قائمٌ، كأنَّ وجهه ورقةُ مصحفٍ، ثمَّ تبسَّم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظنَّنا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خارجٌ إلى الصَّلاة، فأشار إلينا أن أتمُّوا صلاتكم، ودخل الحجرة، وأرخى السِّتْر. [البخاري (4448)]. وانصرف بعض الصَّحابة إلى أعمالهم، ودخل أبو بكرٍ على ابنته عائشة، وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة - إحدى زوجتيه، وكانت تسكن بالسُّنح - فركب على فرسه، وذهب إلى منزله.
2 - في الرَّفيق الأعلى:
واشتدَّت سكرات الموت بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ودخل عليه أسامة بن زيد؛ وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السَّماء، ثم يضعها على أسامة، فعرف أنَّه يدعو له، وأخذت السَّيدة عائشة رسول الله، وأوسدته إلى صدرها بين سَحْرها، ونحرها، فدخل عبد الرَّحمن بن أبي بكر، وبيده سواكٌ، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقالت عائشة: اخذه لك؟ فأشار برأسه: أنْ نعم، فأخذته من أخيها، ثمَّ مضغته، وليَّنته، وناولته إيَّاه، فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك، وكلُّ ذلك وهو لا ينفكُّ عن قوله: «في الرَّفيق الأعلى» [البخاري (4437)، ومسلم (2444/87)].
وكان صلى الله عليه وسلم يُدخل يده في رَكوة ماءٍ، أو علبةٍ فيها ماءٌ، فيمسح بها وجهه، ويقول: «لا إله إلا الله، إنَّ للموت سكراتٍ!» ثمَّ نصب يده، فجعل يقول: «في الرَّفيق الأعلى» حتَّى قُبِضَ، ومالت يده. [البخاري (4449].
وفي لفظ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللّهُمَّ! أعنِّي على سكرات الموت». [أحمد (6/64)، والترمذي (978)، وابن ماجه (1623)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (1093)].
وفي روايةٍ: أنَّ عائشة رضي الله عنها سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وأصغت إليه قبل أن يموت؛ وهو مُسْنِدٌ إلى ظَهْره يقول: «اللّهُمَّ! اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى!». [البخاري (4440)، ومسلم (2444/85)].
وقد ورد: أنَّ فاطمة رضي الله عنها قالت: واكرب أباه! فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» فلـمَّا مات؛ قالت: يا أبتاه! أجاب ربّاً دعاه. يا أبتاه! من جنَّة الفردوس مأواه. يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه. فلـمَّا دُفِن صلى الله عليه وسلم قالت لأنسٍ: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التُّراب؟! [البخاري (4462)].
3 - كيف فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدُّنيا؟
فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدُّنيا وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبُه ملوك الدُّنيا، ويَفْديه أصحابُه بنفوسهم، وأولادهم، وأموالهم، وما ترك عند موته ديناراً، ولا درهماً، ولا عبداً، ولا أمةً، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقةً. [البخاري (4461)]. وتُوفِّي صلى الله عليه وسلم ؛ ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ بثلاثين صاعاً من شعير.
وكان ذلك يوم الإثنين 12 ربيع الأوَّل سنة 11 للهجرة بعد الزَّوال، وله صلى الله عليه وسلم ثلاثٌ وستون سنَّة [البخاري (3902 و3903)، ومسلم (2351)]، وكان أشدَّ الأيام سواداً، ووحشةً، ومصاباً على المسلمين، ومحنةً كبرى للبشريَّة، كما كان يومُ ولادَته أسعدَ يومٍ طلعت فيه الشَّمْس.
يقول أنسٌ رضي الله عنه: كان اليوم الَّذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كلُّ شيءٍ،فلـمَّا كان اليوم الَّذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيءٍ. [أحمد (3/221)، والترمذي (3618)، وابن ماجه (1631)]، وبكت أمُّ أيمن فقيل لها: ما يبكيك على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: إنِّي قد علمت: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيموت، ولكنْ إنَّما أبكي على الوحي الَّذي رُفِع عنَّا. [مسلم (2454)، وابن ماجه (1635)].
4 - هول الفاجعة، وموقف أبي بكرٍ منها:
قال ابن رجب: ولـمَّا تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهِشَ، فخولط، ومنهم مَنْ أُقْعِد فلم يُطق القيام، ومنهم من اعتُقل لسانُه، فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موتـه بالكلِّيَّة.
قال القرطبيُّ مبيِّناً عظم هذه المصيبة، وما ترتَّب عليها من أمور:
من أعظم المصائب: المصيبةُ في الدِّين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ؛ فليذكر مصابه بي، فإنَّها أعظم المصائب» [الطبراني في الكبير (6718)، والبيهقي في شُعَب الإيمان (10152)، والهيثمي في مجمع الزوائد (3/2)].
وصدق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّ المصيبة به أعظمُ من كلِّ مصيبةٍ يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي، وماتت النُّبوَّة، وكان أوَّل ظهور الشَّرِّ بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أوَّل انقطاع الخير، وأول نقصانه.
لقد أذهل نبـأُ الوفاة عمرَ رضي الله عنه، فصار يتوعَّـد، وينـذر مَنْ يزعُم: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مات، ويقول: ما مات، ولكنَّه ذهب إلى ربِّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلةً، ثمَّ رجع إليهم. والله! ليرجعنَّ رسولُ الله كما رجع موسى، فليقطِّعنَّ أيدي رجالٍ، وأرجلهم زعموا: أنه مات.
ولـمَّا سمع أبو بكرٍ الخبر؛ أقبل على فرسٍ من مسكنه بالسُّنْح؛ حتَّى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلِّم النَّاس، حتَّى دخل على عائشة فتيمَّم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو مُغشَّى بثوبٍ حَبرةٍ، فكشف عن وجهـه، ثمَّ أكبَّ عليه، فقبَّله، وبكى، ثمَّ قال: بأبي أنت وأمي! والله! لا يجمع الله عليك موتتين، أمَّا الموتة الَّتي عليك فقد متَّها. [البخاري (4452، 4453)]. وخرج أبو بكرٍ؛ وعمر يتكلَّم، فقال: اجلسْ يا عمر! وهو ماضٍ في كلامه، وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في النَّاس خطيباً بعد أن حمِد الله، وأثنى عليه، قال:أمَّا بعد: فإنَّ مَنْ كان يعبد محمَّداً؛ فإنَّ محمَّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].
قال عمر: فو الله! ما إن سمعت أبا بكر تلاها، فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي، وعلمتُ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. [البخاري (4454)].
قال القرطبيُّ: هذه الآية أدلُّ دليلٍ على شجاعة الصِّدِّيق، وجراءته؛ فإنَّ الشَّجاعة، والجرأة حدُّهما: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فظهرت عنده شجاعتُه، وعلمه، قال النَّاس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم عمر، وخرِسَ عثمان، واستخفى عليٌّ، واضطرب الأمر، فكشفه الصِّدِّيق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنْح.
فرحم الله الصِّدِّيق الأكبر! كم من مصيبةٍ درأها عن الأمَّة! وكم من فتنةٍ كان المخرج على يديه! وكم من مشكلةٍ، ومعضلةٍ كشفها بشهب الأدلَّة من القرآن، والسُّنَّة، التي خفيت على مثل عمر رضي الله عنه! فاعرِفوا للصِّدِّيق حقه، واقدروا له قدره، وأحبُّوا حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبُّه إيمانٌ، وبغضه نفاقٌ.
5 - بيعة أبي بكر بالخلافة:
وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة بني ساعدة، حتَّى لا يجد الشَّيطان سبيلاً إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم، ولا تلعب الأهواء بقلوبهم، وليفارق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذه الدُّنيا؛ وكلمة المسلمين واحدةٌ، وشملُهم منتظمٌ، وعليهم أميرٌ يتولَّى أمورهم، ومنها تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنه.
والحديث عن بيعة أبي بكر سنتكلم عنه بالتفصيل عند الدُّخول في عصر الخلفاء الرَّاشدين إن شاء الله تعالى.
6 - غَسْلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكَفنُه، والصَّلاة عليه:
قالت عائشة رضي الله عنها: لـمَّا أرادوا غَسْلَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا: ما ندري: أنجرِّده من ثيابه كما نجرِّد موتانا، أو نغسله؛ وعليه ثيابه؟! فلـمَّا اختلفوا؛ ألقى الله عليهم النَّوم حتَّى ما منهم رجلٌ إلا وذقنه في صدره فكلَّمهم مكلِّمٌ من ناحية البيت، لا يدرون من هو: أن اغسِلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابُه، فغسَّلوه؛ وعليه قميصُه، يصبُّون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم. قالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّله إلا نساؤُه. [أبو داود (3141)، وابن ماجه (1464)، والحاكم (3/59 - 60)].
وكُفِّنَ صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سَحُوليَّةٍ، من ثياب سَحُول - بلدة باليمن - ليس فيها قميصٌ، ولا عمامةٌ. [البخاري (1271) ومسلم (941)] وقد صلَّى عليه المسلمون. قال ابن عباس: لـمَّا مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أُدخل الرِّجال، فصلُّوا عليه بغير إمامٍ أرسالاً، حتَّى فرَغوا، ثمَّ أُدخل النِّساء فصلَّين عليه، ثمَّ أُدخل الصِّبيان فصلُّوا عليه، ثمَّ أدخل العبيد، فصلُّوا عليه أرسالاً، لم يؤمَّهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ. [ابن ماجه (1628)].
قال ابن كثير: وهذا الصَّنيع، وهو صلاتُهم عليه فرادى لم يؤمَّهم أحدٌ عليه أمرٌ مجمعٌ عليه، لا خلاف فيه.
7 - موقع دفنِه، وصفة قبرِه، ومَنْ باشر دفنَه؟ ومتى دُفن؟
اختلف المسلمون في موقع دفنه، فقال بعضهم: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، وقال قائل: في مصلاَّه. [الموطأ (545)، وابن سعد (2/293)]. فجاء أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، فحسم مادَّة هذا الخلاف أيضاً بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة، وابن عباسٍ: لـمَّا قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغُسِّل؛ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: ما نسيتُ ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما قبض الله نبيّاً إلا في الموضع الَّذي يحب أن يدفن فيه»، ادفنوه في موضع فراشه. وهذا الحديث وإن كان هناك خلافٌ في صحَّته إلا أنَّ دفن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في موضعه الَّذي توفِّي فيه أمرٌ مجمعٌ عليه.
وقال ابن كثيرٍ: قد عُلِمَ بالتَّواتر: أنَّه صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة الَّتي كانت تختصُّ بها، شرقيَّ مسجده في الزَّاوية الغربيَّة القبلية من الحجرة، ثمَّ دُفن فيها أبو بكرٍ، ثمَّ عمر رضي الله عنهما.
وقد لُحِدَ قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أجمع العلماء على أن اللَّحد، والشَّق جائزان، لكن إذا كانت الأرض صلبةً لا ينهار ترابُها؛ فاللَّحد أفضل، وإن كانت رِخْوَةً تنهار؛ فالشَّقُّ أفضل.
وقد قال الألبانيُّ - رحمه الله! -: ويجوز في القبر اللَّحد، والشَّقُّ لجريان العمل عليهما في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ولكنَّ الأوَّل أفضل؛ لأنَّ الله تعالى لا يختار لنبيه إلا الأفضل. وأمَّا صفة قبره، فقد كان مُسَنَّماً. [البخاري (1390)]، أي: مرتفعاً.
وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المستحب في بناء القبور هو التَّسنيم، وأنَّه أفضل من التَّسطيح وفي المسألة خلافٌ طويلٌ ليس هذا محلُّه، وقد قرَّب ابن القيِّم رحمه الله بين المذهبين، فقال: وكانت قبور أصحابه لا مشرفةً، ولا لاطئةً، وهكذا كان قبرُه الكريم، وقبر صاحبيه، فقبرُه صلى الله عليه وسلم مُسَنَّم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبنيٌّ ولا مطيَّنٌ، وهكذا قبر صاحبيه، وقد كان قبره صلى الله عليه وسلم مرتفعاً قليلاً عن سطح الأرض.
وأمَّا الذين باشروا دفنه صلى الله عليه وسلم ؛ فقد قال ابن إسحاق: وكان الَّذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليُّ بـن أبي طالبٍ، والفضل بـن عباس، وقُـثَم بن عبَّاس، وشُقرآن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزاد النَّوويُّ، والمقدسيُّ: العباس. قال النَّوويُّ: ويقال: كان أسامة بن زيد، وأوس بن خَوْلِيٍّ معهم. ودفن في اللَّحد، وبُني عليه صلى الله عليه وسلم في لحده اللَّبِن، يقال: إنَّها تسع لَبِنَاتٍ، ثمَّ أهالوا التُّراب. وأمَّا وقت دفنه؛ فقد ذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّه دفن ليلة الأربعاء. قال ابن كثير: والمشهور عن الجمهور ما أسلفنـاه من أنَّـه صلى الله عليه وسلم توفي يـوم الإثنين، ودفن ليلـة الأربعاء.
لقد كان لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أثرٌ على الصَّحابة الكرام، فقد قال أنسٌ رضي الله عنه: «وما نفضنا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأيدي - وإنَّا لفي دفنه - حتَّى أَنْكَرْنَا قلوبنا». [الترمذي (3618)، وابن ماجه (1631)].
سادساً: بعض ما قيل من المراثي في وفاة الرَّسول صلى الله عليه وسلم :
1 - ما قاله حسَّانُ رضي الله عنه في موت رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لقد نافح حسَّانُ بن ثابتٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، ودافع عن الإسلام والمسلمين بقصائده الرَّائعة؛ الَّتي هزَّت عرب الجزيرة، وفعلت فيهم الأفاعيل، ولقد تأثَّر بموت حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، فرثاه بقصائدَ مبكيةٍ حزينةٍ، حفظها لنا التَّاريخ، ولم تهمِلْها اللَّيالي، ولم تفصِلْها عنَّا حواجزُ الزَّمن، ولا أسوارُ القرون، فَمِمَّا قاله يبكي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم :
مَا بَالُ عَيْنِكَ لاَ تَنَامُ كَأنَّهَا
كُحِلَتْ ماقيها بكُحْلِ الأَرْمَدِ
جَزَعاً عَلَى المَهْدِيِّ أَصْبَحَ ثَاوِياً
يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئ الحَصَى لا تَبْعُدِ
وَجْهِيْ يَقِيْكَ التُّرْبَ لَهْفِي لَيْتَنِيْ
غُيِّبْتُ قَبْلَكَ فِي بَقِيْعِ الغَرْقَد
بَأَبِي وَأُمِّي مَنْ شَهِدْتُ وَفَاتَهُ
فِي يَوْم الاثْنَيْنِ النَّبِيُّ المُهْتَدِى
فَظَلِلْتُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُتَبَلِّداً
مُتَلَدِّداً يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوْلَدِ
أَأُقيمُ بَعْدَك بالْمَدِيْنَةِ بَـيْنَهُمْ
يَا لَيْتَنِي صُبِّحْتُ سُمَّ الأَسْوَدِ
أَوْ حلَّ أَمْرُ اللهِ فِيْنَا عَاجِلاً
فِي رَوْحَةٍ مِنْ يَوْمِنَا أَوْ فِي غَدِ
فَتَقُوْمُ سَاعَتُنَا فَنَـلْقَى طيِّباً
مَحْضَاً ضَرَائِبُهُ كَرِيْمُ المَحْتِدِ
يَا بِكْرَ آمنةَ المُبَارَكُ بِكْرُها
ولَدَتْهُ مُحْصنَةٌ بِسَعْدِ الأَسْعَدِ
نُوْراً أضَاءَ عَلَى البَرِيَّةِ كُلِّهَا
مَنْ يُهْدَ للنُّورِ المُبَارَكِ يَهْتَدِي
يا رَبُّ فَاجْمَعْنَا مَعاً ونَبِيَّنَا
في جَنَّةٍ تَـثْني عُيُونَ الحُسَّدِ
فِي جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ فَاكْتُبْهَا لَـنَا
يَا ذَا الجَلاَلِ وَذَا العُلاَ والسُّؤْدَدِ
وَاللهِ أسْمَعُ مَا بَقِيْتُ بِهَالِكٍ
إلاَّ بَكَيْتُ عَلَى النَّبيِّ مُحَمَّدِ
يَا وَيْحَ أنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِه
بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَوَاءِ المَلْحَدِ
ضَاقَتْ بِالانْصَارِ البِلاَدُ فَأَصْبَحُوا
سُوداً وجوهُهُمُ كَلَوْنِ الإثْمدِ
وَلَقَدْ وَلَدْنَاهُ وَفِينَا قَبْرُهُ
وَفَضُولُ نِعْمَتِه بنا لَمْ تُجْحَدِ
واللهُ أكْرمَنَا بِهِ وهَدَى بِهِ
أنصَارَهُ في كُلِّ سَاعَةِ مَشْهَدِ
صلَّى الإلهُ وَمَنْ يَحُفُّ بِعَرْشِهِ
وَالطَّيِّبُوْنَ عَلَى المُبَارَكِ أَحْمَدِ
وقال أيضاً:
تَاللهِ مَا حَمَلَتْ أُنْثَى وَلاَ وَضَعَتْ
مِثْلَ الرَّسُوْلِ نَبِيِّ الأُمَّةِ الهَادِي
وَلاَ بَرَى اللهُ خَلْقاً مِنْ بَرِيَّته
أوْفى بذِمَّةِ جَارٍ أَوْ بِمِيْعَادِ
مِنَ الَّذِي كَانَ فِيْنَا يُسْتَضَاءُ بِهِ
مُبَارَكُ الأمْرِ ذَا عَدْلٍ وَإِرْشَادِ
إلى أنْ قَال:
يَا أَفْضَلَ النَّاسِ إنِّي كُنْتُ فِي نَهَرٍ
أَصْبَحْتُ مِنْه كمثْلِ المُفْرَدِ الصَّادِي
2 - وممَّا قاله أبو بكرٍ الصِّدِّيق يبكي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم :
لـمَّا رَأَيْتُ نَبِيَّنَا مُتَجَنْدِلاً
ضَاقَتْ عَليَّ بِعَرْضِهِنَّ الدُّورُ
فَارْتَاعَ قَلْبِي عِنْدَ ذَاكَ لِمَوْتِهِ
وَالعَظْمُ مِنِّي مَا حَيِيْتُ كَسِيْرُ
أَعتِيْقُ! وَيْحَكَ! إِنَّ خِلَّكَ قَدْ ثَوَى
وَالصَّبْرُ عِنْدَكَ مَا بَقِيْتَ يَسيْرُ
يَا لَيْتَنِي مِنْ قَبْلِ مَهْلِكَ صَاحِبِيْ
غُيِّبْتُ فِي لَحْدٍ عَلَيْهِ صُخُورُ
فلَتَحْدُثَنَّ بَدَائِعٌ مِنْ بَعْدِهِ
تَعْيَا لَهُنَّ جَوَانِحٌ وَصُدُوْرُ
3 - وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب بن هاشم - رضي الله عنه - يبكي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم :
أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لاَ يَزُوْلُ
وَلَيْلُ أَخِي المُصِيْبَةِ فِيْهِ طُوْلُ
وَأَسْعَدَنِي البُكَاءُ وَذَاكَ فِيْمَا
أُصِيْبَ المُسْلِمُوْنَ بِهِ قَلِيْلُ
لَقَدْ عَظُمَتْ مُصِيْبَتُنَا وَجَلَّتْ
عَشِيَّةَ قِيْلَ: قَدْ قُبِضَ الرَّسُولُ
وَأَضْحَتْ أَرْضُنَا مِمَّا عَرَاهَا
تَكَادُ بِنَا جَوَانِبُهَا تَمِيْلُ
فَقَدْنَا الْوَحْيَ والتَّنْزِيْلَ فِيْنَا
يَرُوْحُ بِهِ وَيَغْدُو جِبْرَئِيلُ
وَذَاكَ أَحَقُّ مَا سَالَتْ عَلَيهِ
نُفُوْسُ النَّاسِ أَوْ كَادَتْ تَسِيلُ
نبيٌّ كَانَ يَجْلُو الشَّكَّ عَنَّا
بِمَا يُوَحَى إِلَيْهِ وَمَا يَقُوْلُ
ويَهْدِيْنَا فَلاَ نَخْشَى مَلاَماً
عَلَيْنَا والرَّسُولُ لَنَا دَلِيْلُ
أَفَاطِمُ! إنْ جَزِعْتِ فَذَاكَ عُذْرٌ
وَإِنْ لَمْ تَجْزَعِي فَهُوَ السَّبِيْلُ
فَقَبْرُ أَبِيْكِ سَيِّدُ كلِّ قَبْرٍ
وَفِيْهِ سَيِّدُ النَّاسِ الرَّسُولُ
4 - وقالت صفيَّة بنتُ عبد المطَّلب تبكي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم :
ألاَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ رَجَاءَنا
وَكُنْتَ بِنَا بَرّاً وَلَمْ تَكُ جَافِيَا
وَكُنْتَ رَحِيْماً هَادِياً وَمُعَلِّماً
لِيَبْكِ عَلَيْكَ الْيَوْمَ مَنْ كَانَ بَاكيَا
لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِيَّ لِفَقْدِهِ
وَلَكِنْ لِمَا أَخْشَى مِنَ الْهَرْجِ اتِيَا
كَأَنَّ عَلَى قَلْبِي لِذِكْرِ مُحَمَّدٍ
وَمَا خَفَتْ مِنْ بَعْدِ النّبِيِّ المَكَاوِيَا
أَفَاطِمُ! صَلّى اللهُ ربُّ مُحَمَّدٍ
عَلَى جَدَثٍ أَمْسَى بِيَثْرِبَ ثَاوِيَا
فِدَىً لِرَسُولِ اللهِ أُمِّي وَخَالَتِي
وَعَمِّي وَابَائِي وَنَفْسِي وَمَالِيَا
صَدَقْتَ وَبَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ صَادِقاً
وَمُتَّ صَلِيْبَ العُوْدِ أَبْلَجَ صَافِيَا
فَلَوْ أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَبْقَى نَبِيَّنَا
سَعِدْنَا وَلكِنْ أَمْرُهُ كَانَ مَاضِيَا
عَلَيْكَ مِنَ اللهِ السَّلاَمُ تَحِيَّةً
وَأُدْخِلْتَ جَنَّاتٍ مِنَ العَدْنِ رَاضِيَا
يمكن النظر في كتاب السِّيرة النَّبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث على الموقع الرسمي للدكتور علي محمّد الصّلابيّ