ما يستفاد من سيرة ابن السنوسي؛الخلاصات والإستنتاجات
بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي
الحلقة الثالثة و العشرون والأخيرة
صفر1441ه/ أكتوبر 2019
ظل ابن السنوسي خمس سنين ينشئ الزوايا وينظمها، ويرسم مناهج الدعوة ومبادئها ، ويبث دعوته الاصلاحية عن طريق الزوايا.
عاد بعد هذه السنوات الخمس الى الحجاز، المركز الأول لدعوته، ومنذ ذلك الوقت كانت للدعوة مركزان رئيسيان؛ شرقي في الحجاز وغربي في برقة، وعن هذين المركزين أخذت الدعوة السنوسية تنتشر بواسطة الزوايا هنا وهناك.
طالت مدة غياب ابن السنوسي في الحجاز واشتد القلق في لييا لطول غيبته، وسافر الى الحجاز أكثر من وفد ليبي ليلتمس منه ان يعود وكانوا يسافرون غالباً في موسم الحج.
رجع ابن السنوسي الى ليبيا واختار الجغبوب كمقر لقيادة الحركة السنوسية.
استطاع ابن السنوسي أن يختار من بين المسلمين مجموعة خيرة من العلماء، والفقهاء، والدعاة ممن اتصفوا ، بالتميز الايماني، والتفوق الروحي، والرصيد العلمي، والزاد الثقافي، ورجاحة العقل ، وقوة الحجة، ورحابة الصدر، وسماحة النفس، واصبحوا من أعمدة الحركة السنوسية أثناء حياته وبعد وفاته.
قام عدد كبير بنصرة وتأييد الحركة السنوسية من العلماء والفقهاء والقادة والشيوخ ومن أشهر هؤلاء الاخوان الذين ساندوا ووقفوا مع ابن السنوسي في حركته الواسعة؛ محمد عبدالله التواتي ، احمد ابوالقاسم التواتي ، علي بن عبد المولى، احمد بن فرج الله، محمد بن الشفيع، احمد المقرحي، وعمران بن بركة الفيتوري وغيرهم كثير .
استطاع ابن السنوسي بتوفيق الله تعالى أن يجعل من الاخوان والقبائل في الصحراء الكبرى مجتمعاً متماسكاً، متوحداً في عقيدته وتصوراته ومنهجه، فانعكس ذلك في توادهم وتراحمهم فيما بينعم، وأصبحوا كالجسد الواحد الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة، ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء.
إن الأصول التي تساهم في توحيد المجتمع هي؛ وحدة العقيدة، وتحكيم الكتاب والسنة، وصدق الانتماء الى الاسلام، طلب الحق والتحري في ذلك، وتحقيق الاخوة بين أفراد المجتمع.
يظهر البعد التنظيمي في شخصية ابن السنوسي في بناء الزوايا التي يتربى فيها اتباعه والمنهج التربوي الذي ساروا عليه.
كان نظام الزوايا معروفاً في العالم الاسلامي، والشمال الأفريقي واستطاع ابن السنوسي بعقليته التنظيمية أن يطور مفهوم الزوايا بحيث أصبحت تمثل النواة الأولى لمجتمع تحكمه سلطة وعليه واجبات؛ اجتماعية، واقتصادية ، وسياسية، ودعوية، وجهادية.
انتهج ابن السنوسي منهجاً تربوياً استمده من كتاب الله وسنة رسوله ومن خبرته بالطرق الصوفية التي درس جلها، وانتقد اخطائها، وعمل على طريقة خاصة يسلكها اتباعه.
إن الصوفي الحقيقي في رايه من يتقيد بالكتاب والسنة وقد جعل للمريدين مراتب في السلوك يتدربون عليهاأولهما؛ تصحيح العقيدة بميزان أهل السنة والجماعة، أن يتعلم المريد مايحتاج إليه من المسائل الفقهية المتعلقة بظاهر البدن على مذهب من المذاهب الأربعة، أن يتوجه المريد الى تزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب وتنقية السر...الخ.
يظهر البعد السياسي عند ابن السنوسي في تعامله الحكيم مع الدولة العثمانية، حيث رأى في الدولة العثمانية دولة الخلافة، ضرورة لازمة لوحدة الأمة، والدفاع عن كيانها، وأنه لابد من معاضدتها والوقوف بجانبها، ويظهر أيضاً في حملة التوعية التي قام بها ضد الغزو القادم للأمة من قبل الأوروبيين وتنظيمه للزوايا، وتعبئة الأنصار؛ بغرس الثقة في دينهم وعقيدتهم، والثقة بقيادتهم ، وتأخير الصدام مع الأوروبيين حتى يكتمل.
كان أسلوب ابن السنوسي في الدعوة الى الله مستمداً من كتاب الله وسنة رسوله، وقد نجح في ارشاد الطرق الصوفية المنحرفة، وتعامل مع الرقيق من الأفارقة بأسلوب رفيع، فاشتراهم واعتقهم، وعلمهم ثم ارسلهم دعاة الى قبائلهم، واهتم بدعوة القبائل وزعمائها، واستطاع ان يجعل منهم دعاة الى الله تعالى واعتمد في اسلوبه ضرب الأمثال، واستخدم القصة، واستعمل الشدة في محلها.
إن فهم أفكار ابن السنوسي يمكننا الوصول إليها من خلال كتبه، ومن أهمها؛ كتاب المسائل العشر، السلسبيل المعين، إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، رسالة مقدمة موطأ الامام مالك وغيرها...
كانت كتب ابن السنوسي في أكثرها تتناول المباحث الفقهية، والصوفية وفيها كتاباً، أو كتابين يتناولان مواضيع تاريخية ...
إن ابن السنوسي في دراسته الطويلة لم يهمل الجانب التاريخي لقناعته الراسخة، بأهمية هذا العلم في تحقيق الفوائد التربوية، وادراك السنن الربانية، ومعرفة معالم تاريخ الانسانية، ومعرفة تاريخ الأنبياء، ومعرفة سيرة النبي ومعرفة تاريخ الخلفاء الراشدين، وسير العلماء والمجاهدين والدعاة... وكانت ثقافته التاريخية تمتاز بغزارة المعلومات، ويعتز بتاريخ اجداده، ويؤمن بضرورة حصر الامامة في قريش، وكان اسلوبه في كتابة التاريخ على نمط مؤرخي المسلمين ، ويقتصر على سرد الحوادث.
كان ابن السنوسي فقيهاً متصوفاً، اهتم بالعلوم الفقهية، وغاص في معرفة حقائق النفوس البشرية، واستنبط منهجاً تربوياً لعلاج الأمراض النفسية، والرقي بها نحو الكملات الانسانية.
اتصف ابن السنوسي بصفات الدعاة الربانيين؛ من الصدق، والإخلاص، والدعوة على بصيرة، والصبر، والرحمة، والعفو، والعزيمة، والتواضع، والارادة القوية التي تشمل قوة العزيمة ، والهمة العالية، والنظام والدقة، والزهد، والورع، والاستقامة...الخ.
إن هذا المجهود المتواضع قابل للنقد والتوجيه وماهي إلا محاولة جادة لإزاحة الركام عن صفحات مشرقة من تاريخ بلادنا الحبيبة التي كانت ونرجو من الله أن تكون مركزاً لدعوة الاسلام في مشارق الأرض ومغاربها وماذلك على الله بعزيز ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا.
هذه بعض النتائج التي وصلت إليها وقد ملت الى الاختصار الشديد خوفاً من الإطالة والإطناب.
وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يقتبل هذا الجهد المتواضع قبولاً حسناً وأن يبارك فيه وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه. وأختم الجزء الأول من الكتاب السابع بقول الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]
ويقول الشاعر:
أنا الفقير الى رب البريات
أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا المظلوم لنفسي وهي ظالمتي
والخير إن يأتينا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة
ولا عن النفس لي دفع المضرات
والفقر لي وصف ذات لازم أبداً
كما الغني أبداً وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم
للاطلاع على النسخة الأصلية للكتاب راجع الموقع الرسمي للدكتور علي محمد الصلابي