الإثنين

1447-10-11

|

2026-3-30

رحلة محمد المهدي السنوسي إلى الكفرة والصدام مع فرنسا؛ رحلة استراتيجية بأهداف نبيلة

بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي

الحلقة السادسة

صفر 1441 ه/ أكتوبر 2019

كانت خطة التوسع عند الحركة السنوسية تستدعي من زعيمها محمد المهدي الانتقال نحو الجنوب وفق خطوات مرسومة، ومراحل معلومة لدى قادة الحركة، وتقرر لدى محمد المهدي الانتقال من الجغبوب إلى الكفرة، وشرع في تنفيذ القرار الاستراتيجي بسرعة البرق، فجُمعت الإبل الكافية للنقل، وخبراء الطرق، والأمتعة الضرورية، وعين الإمام السنوسي رفقاءه في سفره إلى العاصمة الجديدة، وفي يوم (22 شوال سنة 1312 هـ) جمع الإمام السنوسي جميع سكان الجغبوب للوداع، وألقى فيهم نصائحه الغالية، وانتقل بعد ذلك من الجغبوب والأفئدة تتقطع لهول الفراق، والأعين وراءه شاخصة، فنزل بموقع قريب من الجغبوب يقال له: حطيئة «الزربي»، وبهذا المكان كان وداع المشيعين وفي طليعتهم كبار الإخوان، كالسيد أحمد الريفي، ومحمد عابد السنوسي، وأبي سيف مقرب، ومحمد المدني، وأحمد بن إدريس، وعمران السكوري، وهنا يظهر جلال الموقف وشدة الفراق، ونلمس ذلك في القصائد التي ألقيت يوم ذاك.
يقول الأديب الحشائشي: ولما أفاق أبو يوسف مقرب من غشيته التي أصابته من مفارقة الشيخ المهدي؛ صعد فوق هضاب عال ومعه جماعة من الإخوان، وتوجه إلى الركب بنظره، وطفق ينشد ارتجالاً من شعره العذب ما يلين به الجلمود، ويورق به العود؛ حيث قال:
همو هيجوا يوم النوى أشجاني وحاديهم لما ترنم أشجاني
وهم سلبوا لبي وألبس بينهم رداء الردى جسمين وأثواب أحزاني
وهم غادروا جسمي لظىً بعد مهجة جرى ذويها من بحر مدمعي القاني
فوالله لا أنسى عشية ودعوا فأودعتهم صبري وأودعت سلواني
وضاعف أحزاني مواقف جَمَّةٌ وَبَرَّحَ بي فقدانهن وأضناني
يسائلني مولاي تسال رحمة يحل بها شأني ويبئس الشاني
ومن أعجب الأشياء رحلة معشر غدت محشراً أوهت قوى كل إنسان
تبلد من جرائها كل سوقة وطأطأ إجلالاً لها كل سلطان
وزُلْزِلَتِ الدنيا ومَاجَت بأهلها وعادت عوادٍ بين ترك وعربان
لك الله من ركب تيمم كفرة تتاخم كيوار المتاخم سودان
غدا طاوياً نشر البسيطة باسطاً لأعلام عز تنجد الضارع العاني
ومنتقياً عزماً يفل بحده قواطع اراء من أهل وجيران
ولم يثنه عما نوى ألم النوى وَأَنَّةَ مُحزونٍ وَرنَّةُ صبيان
وحَثُّوا مطاياهم ببيض قبابهم فلاحت نجوم دونها نجم كيوان
سروا والدياجي حالِكٌ صُبْحُ لَونِهَا يؤمون أحقافاً تُرى ذات ألوان
وخلوا بجغبوب المقدسة عليةً يعلون بعداً النهل طلاب عرفان
وقصراً مشيداً كان مطمح أنفس ومطلع مطعام ومطعن مطعان
ربعاً عهدنا بهوه وهو اهل بإنجاب أشبال واساد خفان
وكانت لهم فيه مواقف جمة أناب لها فخراً على كل إيوان
وحلت بواديه بوادٍ فأصبحوا نشاوى بإنشاد وذكر وقران
وكانت بمغناه علوماً يبثها مشايخ أعلام، وأعلام فتيان
رووا متنها عن حافظ أي حافظ أسانيده تعلو بضبط وإتقان
هو «ابن السنوسي» الذي شاع ذكره بكل بلاد بين سوس وإيران
إمام همام كان للحق قبلة تيممها القاصي من الخلق و الداني
وشهرته تغني عن إطراء مدحه كما اشتهر «المهدي» بالعالم الثاني
سقى الله أرضاً زارها صَوْبُ قطره وساق لذاك القطر عارض نسيان
على أنها تغني بعذب نواله ومدراره عن كل أوطن هتان
متى تستشفي نفسي بقرب لقائه ويستن طرف الطرف في روض إحسان
متى يأتي مولاي الشريف مصاحباً كتائب كتاب ببيض ومران
فإني من رجعاكم لست ايساً ولا يأس من روح ورحمة رحمن
وإني مقيم سادتي برحابكم على عهدكم حتى أُلفَّ بأكفان
وإني لأرجو نظرة من مقامكم تسلي عن الدنيا وزخرفها الفاني
عليكم سلام الله ما هبت الصبا تحية صب خافض القلب هيمان
لقد كان قرار انتقال الإمام المهدي إلى الكَفْرة مفاجأة لأهالي ليبية، واهتزت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وترك أثراً حزيناً أليماً في النفوس، ووصفه أحد الشعراء باللغة الشعبية فقال:
رحل سيدي وارعب لوطان عظيم الشان حركاته بإذن الرحمن
رحل سيدي وارعب لسلام لها صارت شدا أو نكد
وصارت بعد الضي ظلام عليك ضيقاً في شدائد
وكان الإخوان الذين رافقوا الإمام المهدي السنوسي في رحلته كل من: أحمد البسكري، أحمد التواتي، أحمد الجراولي، أحمد الثني الغدامسي، محمد السني، وغيرهم من كبار الإخوان.
ولما بلغ الشيخ واحة (الكَفْرة) تلقته قبيلة (زوية) من كبار قبائل العرب في الصحراء، ومن جاورها من القبائل، وكانوا في غاية الفرح والسرور، وكان في استقباله خارج منطقة الجواف أكثر من ثلاثة الاف رجل؛ يتقدمهم رئيس زاوية الجوف ومشايخ وأعيان قبيلة زوية ومن معهم من المجابرة، وابتهجت واحة الكفرة بقدوم زعيم الحركة السنوسية، وتبارت الخيول، وأطلق الرصاص، وبهذه المناسبة قتل يونس الرويعي رجلاً من قبيلة الزوية بإصابة خطأ، فنادى شيوخ الزوية أعيانهم في قومهم بأن لا يترك الاحتفال من أجل موت أحدنا، وأن القاتل في مأمن إكراماً للإمام السنوسي، وبعد انتهاء الاحتفال اجتمع شيوخ وأعيان القبيلة وتقاسموا الدية الشرعية للمقتول، ودفعوها إلى أهله فوراً، وتسامحوا مع القاتل، كل ذلك تم في يومه، قرر جميع أعيان وشيوخ زوية أن يتقدموا بهدية إلى زعيم الحركة السنوسية بمناسبة تشريفه إياهم بقدومه، وكانت الهدية هي التسامح فيما بين أفراد وقبائل زوية من الأحقاد، والتنازل عن حقوقهم التي يطلبها أحد أفراد القبيلة من الاخر، وتطلبها عائلة من أخرى مهما عظمت تلك الحقوق التي قد تؤدي إلى شقاق وفساد، وتنازلوا عن ثلث ممتلكاتهم وقفاً لأعمال الحركة السنوسية من نخيل وبساتين وأراضٍ، كل ذلك عن طيب خاطر وقربة لله، ودعماً للحركة الإسلامية التي تبنت دعوة الإسلام في الصحراء الكبرى، وأدغال إفريقية، وتبرع جميع أغنياء القبيلة ومن معهم من تجار المجابرة بإطعام جميع الفقراء وكسوتهم، واستمر الفرح والاحتفال شهراً بعد وصول زعيم الحركة السنوسية الثاني الإمام المهدي، وشرع الإمام المهدي في بناء زاوية التاج التي اختطها محمد البسكري، حسب توجيهات زعيم الحركة، فأبدع في تخطيطها، وجعلها على قمة ربوة عالية تبعد عن زاوية الجوف بما لا يقل عن ميل ونصف تقريباً.
أصبحت الكفرة عاصمة الحركة السنوسية لوجود زعيمها فيها، ففتحت المدارس لتعليم القران الكريم، وتصدر مجالس التدريس كبار العلماء، وتقدمت سوقها التجارية تقدماً باهراً، إذ أصبحت تردها بضائع السودان، وتصدر إليه عنها، وهكذا الحال بينها وبين برقة من جهة، وبينها وبين مرص من جهة أخرى، وتحسنت زراعتها إلى حد بعيد، وجلبت إليها أشجار الفاكهة من واحة سيوة ودرنة، وغيرها، وعمرت بالسكان الذين هاجروا إليها من المجابرة والتبو والسودانيين، فضلاً عن سكانها المعروفين من قبائل الزوية، حتى أصبحت ذات أهمية كبرى في وقت قصير، وأصبحت قبيلة الزوية بمثابة الحرس الخاص لزعيم الحركة السنوسي.
تولى المهدي السنوسي تصريف أمور الحركة من الكفر، فعجت بالحركة، وأصبح أتباع الحركة يقدمون إليها من كل حدب وصوب، حتى ضاقت بهم مساكنها، وفي إحدى رسائل المهدي إلى محمد علي المحجوب في زاوية الطيلمون بليبية يطلب المهدي إرسال خيام؛ لأن وفوداً كثيرة جاءت للتسليم عليه، وهو خجل لعدم وجود بيوت تؤويهم.
وقام الإمام السنوسي بإرسال رسله إلى مختلف الجهات، فأرسل مرتضى فركاش بن أبي خريص بكتاب إلى سلطان واداي ومعه رجلان، وأرسل رسالة لوالي بنغازي، وانتظمت الرسائل بينه وبين الزوايا، ونظم حياة الأهالي في الكفرة، وفرض النظام، ومنع الاعتداءات، ونشر السلام بين قبيلتي زوية والتبو اللتين تسكنان تلك المنطقة، ووجه الأتباع نحو العمل المثمر، سواء في تعمير الزوايا، والدعوة إلى الله، أو في التجارة، وقد زاد تبعاً لذلك عدد سكان الكفرة، وانتعشت حياة الأهالي، وعم الرخاء، واهتم بحفر الابار المتتابعة على طول خطوط القوافل، فكان يرسل البعثات لإتمام ذلك، وأصبحت الكفرة ملتقى القوافل ما بين السودان الغربي «تشاد» والسودان الشرقي وسواحل برقة.
ومن البعثات الاستكشافية التي أرسلها الإمام السنوسي التي اكتشفت حطية العوينات والحطايا التي تكتنفها ولم تكن معروفة قبل ذلك، كما يقول الأشهب، وخفّ إلى تلك الحطايا عدد من رجال قبيلة زوية، وكانت تلك القبيلة صادقة في وعدها لإمام الحركة السنوسية، فقامت بأعمال كبيرة لصالح الدعوة الإسلامية، ويبدو أن ابن السنوسي المؤسس عرف قدراتها، فاهتم بها، ويظهر هذا جليّاً في حواره مع عقيلة الزوي عند بناء الجغبوب؛ حيث حدثه عن رغبته في بناء زاوية في الكفرة، وقال له: «مرادنا في كونكم تتولون أمرها»، فكان أن أسس زاوية الجوف التي عرفت نسبة إلى ابن السنوسي باسم زاوية الأستاذ.
وأنشئت في فترة الإمام المهدي عدة زوايا في منطقة الكفرة؛ منها: (التاج) كما ذكرنا، وربيانة، وتازربو، وامتد نشاط الحركة نحو الجنوب، فوصلت إلى مواطن جديدة في السودان الإفريقي، بوساطة الدعاة، وقوافل التجارة، فوصلت دعوة الإسلام إلى بشر جدد، وقبائل وثنية متعطشة إلى دين الفطرة، وهذا التوغل
المحمود، والانطلاق الجميل بدعوة الله، كان ابن السنوسي المؤسس قد خطط له منذ عهده الباكر في الدعوة إلى الله، فقد قال: «... إذ إن الشعوب المجاورة في السودان والصحراء من إفريقية الغربية لا تزال تعبد الأوثان...».
إن انتقال الإمام المهدي إلى الكفرة ينسجم مع خطة الحركة السنوسية التي استهدفت قبائل الصحراء، وإفريقية الوسطى بدعوة الإسلام، ولذلك تحرك زعيم الحركة لاختيار مركز متوسط يعينه على تبليغ رسالته وأداء واجبه، أما قول من قال: إنما قام بذلك خوفاً من الأوروبيين الذين أرادوا القبض عليه فباطل؛ لأنه جاء للسودان الغربي ليقود حركة الجهاد ضد أطماع فرنسة خصوصاً، والأوروبيين عموماً، وأما قول بعض المؤرخين: إنما اندفع نحو الجنوب خوفاً من السلطات العثمانية(2) فهذا مردود، لأن علاقة الحركة بالدول كانت قوية، بل إن السنوسية أصبحت من الركائز المهمة في فكرة الجامعة الإسلامية.
إن الإمام السنوسي حرص على أن يتوسَّط ميداناً يقود به حركة الإسلام في إفريقية الوسطى، ولذلك اندفع جنوباً، كما أنه حدثت أحداث مهمة جعلته يحرص على القرب منها، من ذلك توغل فرنسة في القارة الإفريقية، ومحاولة بسط نفوذها على الإمارات الإسلامية في إفريقية الغربية(2). كانت الوسائل الأمنية لدى الحركة السنوسية تقوم بجمع المعلومات عن تحركات جواسيس فرنسة التي تحاول معرفة حقيقة قوة الحركة السنوسية، وكان الحدث الاخر الذي يشكل خطراً على الحركة السنوسية في تشاد؛ قيام سلطنة رابح في السودان الغربي، فقام الإمام السنوسي بحركته الاستراتيجية، فانتقل إلى الكفرة كخطوة أولى، وعمل على توطيد العلاقات بينه وبين واداي، التي كانت علاقتها بالحركة السنوسية قوية منذ عهد ابن السنوسي الذي كان على صلة بسلطانها: «ثم ازدادت الروابط بين المهدي وسلطان واداي في المدة التالية، حتى طلب يوسف (سلطان واداي) أن يوفد المهدي إلى أبشه أحد كبار الشيوخ السنوسيين مندوباً خاصاً في عاصمته، فأرسل إليه سيدي محمد بن عبد الله السني... فوطد نفوذ السنوسية في واداي».
ولابد من بيان العمل الجليل التي قامت به قبيلة زوية في مساندة الدعوة والوقوف معها ودعم زعيمها، وقد مدح الشاعر أبو مقرب سيف هذه القبيلة:
زاوية أهل الفخر إن جئت حيهم ترى العز في نادي زوية باديا
وأهل الفتى أمضى من السيف عزمه وإن كان للضيفان بالبِشْر باديا
إذا ما دعوا يوماً إلى شن غارة رأيت المنايا الحمر تعلو المذاكيا
فكم من جريح قد أباحوا وأجحفوا بمال غني لا يخافون عاديا
فأرشدهم مرشد من حل بينهم فلا زال مهديّاً ولا زال هاديا

مراجع البحث:
1. علي محمد محمد الصلابي، مِنْ أَعْلَامِ التَّصَوُّفِ السُّنِّيِّ:6سيرة الزعيم محمد المهدي السنوسي،دار الروضة،اسطنبول،1438ه،2017م ص (65:58).
2. محمد الطيب الاشهب، برقة العربية بين الأمس واليوم،دار الهواري:القاهرة،1364ه،1945م، ص (217).
3. حمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، دار الفكر:1376ه،1948م،ص(580).
4. محمد بن عثمان الحشائشي التونسي. رحلة الحشائشي إلى ليبيا سنة 1895(جلاء الكرب عن طرابلس الغرب)، تحقيق،علي مصطفى المصراتي،دار لبنان للطباعة والنشر،بيروت.1385ه، 1965م. ص (169، 170).


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022