الشيخ أحمد الشيخ السنوسي؛ النشأة وقيادة الحركة السنوسية
بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي
الحلقة الأولى
صفر 1441 ه/ أكتوبر 2019
يتفق معظم المؤرخين على أنه ولد بواحة الجغبوب ليلة الأربعاء بتاريخ (27 شوال سنة 1290 هـ)، الموافق لسنة (1873 م)، وانكبَّ منذ طفولته على القراءة والتحصيل وحفظ القران الكريم في سن مبكرة.
تربَّى رحمه الله في حجر والده العلامة محمد الشريف، وحينما ترعرع وبلغ السادسة من عمره دخل تحت كنف عمه المهدي السنوسي، فاهتمَّ بتربيته وتهذيبه، وأشرف عمه على تعليمه وتحفيظه القران الكريم، ولما أتم حفظ القران الكريم قال له عمه: أنت ما أخذت من القران إلا عني.
ومن أشهر العلماء الذين تعلم وأخذ العلم عليهم: محمد الشريف السنوسي، ومحمد المهدي السنوسي، وأحمد الريفي، ومحمد مصطفى المدني التلمساني، وعمران بن بركة وهو جده من جهة الأم.
ارتحل مع عمه من الجغبوب إلى الكَفْرة عام (1312 هـ)، وأسندت إليه مسؤوليات جسام منذ البلوغ، وكان يشرف على رعاية القافلة المتجهة إلى الكفرة والتي تتكون من (2600) شخص، وكان ينفذ أوامر عمه بدقة وعلى خير ما يرام، فلم يعرف الركون إلى الراحة.
وفي سنة (1317 هـ) ارتحل مع عمه محمد المهدي إلى منطقة قرو بالسودان الأوسط، في مهمة دعوة الناس وتعليمهم الدين الإسلامي، وألف أحمد الشريف كتاباً عن هذه الرحلات أسماه (السراج الوهاج في رحلة السيد المهدي من الجغبوب إلى التاج).
وشارك مع عمه وأتباعه في مجموعة معارك بالسودان وتشاد ضد الفرنسيين في مناطق مختلفة، مثل (واداي، كلك، علالي، وان، جنقة الكبرى، جنقة الصغرى، تبستي، بركو، قرو... إلى اخره) واستمر الصراع السنوسي الفرنسي إلى ما بعد وفاة محمد المهدي.
الشيخ أحمد الشريف يتولى قيادة الحركة
ولما شعر محمد المهدي بدنو أجله، عهد إلى ابن أخيه بالقيادة؛ لما توسم فيه من القدرة على الاضطلاع بأعباء الحركة، والوصاية على الخليفة الشرعي (إدريس)؛ ولما لمس فيه من صفات قيادية، واستعداد فطري، وخبرة اكتسبها في معاركه ضد فرنسة أهَّلتْه لتولي القيادة.
وكان إسناد الزعامة إلى أحمد الشريف قد صادف قبولاً وارتياحاً من جانب جميع الإخوان الذين اجتمعوا بالكفرة يوم (12 ربيع الأول من عام 1220 هـ)، الموافق (ليوم 19 يونيو 1902 م) حيث جرى الاحتفال بانتخاب أحمد الشريف.
استمر أحمد الشريف على نهج زعماء الحركة السنوسية، فواصل الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي، ونشر الدعوة الإسلامية بكل حكمة في إفريقية، واتخذ من الكفرة عاصمة للحركة السنوسية، وأناب عنه محمد السني لإدارة أمور الجهاد، وشرع أحمد الشريف في تشكيل جبهة إسلامية ضد الغزو الفرنسي الزاحف من جنوب تشاد إلى شرقها وشمالها، فقام بالاتصال بسلطان واداي (داود مرة) سنة (1903 م)، وأقنعه بسحب اعتراف واداي بالحماية الفرنسية على كانم، وباقومي، واستجاب السلطان داود لذلك وسحب اعترافه بالحماية الفرنسية، واتصل بالسلطان علي دينار (سلطان دارفور)؛ الذي أعلن توحيد جهود المسلمين ضد الغزو الصليبي الأوروبي. لقد رأى أحمد الشريف أن التوسُّع الفرنسي في الصحراء الإفريقية يعتبر تهديداً مباشراً لحركته الإسلامية الدعوية، ولتجارة القوافل التي كانت تدعم بمردوداتها الاقتصادية نظام زواياه في تلك المناطق.
لقد كان تجار القوافل التابعين للحركة السنوسية من أعمدة الحركة الاقتصادية، ولنضرب مثلاً على ذلك بالحاج أحمد الثني الغدامسي الذي كانت له تجارة عظيمة مع أهل برنو وواداي وغات ومصر وطرابلس وتونس، وكان جميع ما يأتي إلى جغبوب يأتي على يديه وهو الذي يجلبه إلى هناك بأثمان متهاونة، رفقاً بالإخوان، ولذلك كان من المقرَّبين من الشيخ محمد المهدي.
إن الحركة السنوسية في بداية أمرها لم تكن لها سلطة الحكام الذين يدبرون الشؤون العامة، كالعزل، والتولية، وإقامة الحدود، وجباية الأموال، وتنفيذ الأحكام، بل كان بداية أمرها الاهتمام بالدعوة إلى الله، وإرشاد العباد إلى العمل بما يأمر به دينهم الحنيف ويسعون لإصلاح ذات البين، ويتبادلون النصح للحاكم والمحكوم، ويرشدونهم إلى تعاليم كتاب الله، وتعاليم سنة رسوله، ويحرضونهم على بناء المساجد لإقامة الشعائر الإسلامية فيها، ويقومون هم وأتباعهم بعمارة هذه المساجد بتعليم كتاب الله، والصلوات فيها، ويبذلون الجهد لفضِّ المنازعات ما بين القبائل والمتخاصمين، ويعلمونهم كيفية إخراج زكاة أموالهم، وكيفية عقد أنكحتهم، ويحرِّضونهم على نبذ العادات المخالفة للشرع، وبدأ جهادهم المنظم لحكومة فرنسة التي بدأت بالاعتداء على دعوتهم وحركتهم، وقاوموا فرنسة غيرة على الدين الإسلامي الذي نشرته الحركة ودعاتها في مجاهل إفريقية.
لقد قام الفرنسيون بعدما دانت لهم تشاد عام (1909 م) بهدم مراكز الإصلاح والإرشاد التابعة للحركة السنوسية، وإلغائها، واستطاع أحمد الشريف أن يقنع العثمانيين بضرورة دعمه، والوقوف مع حركته، وأسفرت مفاوضاته مع العثمانيين عن إرسال جند من النظاميين إلى برقو والتبستي، وتأسيس قائم مقام في الكفرة، عين بها الشيخ كيلاني الأطيوش من قبيلة المغاربة الرعيضات، وهو والد المجاهد الكبير الذي دوخ إيطالية صالح باش الأطيوش، ورفعت الراية العثمانية في (وان) بالقرب من عين كلك، وكان المشرف على حركة الجهاد الشيخ الجليل محمد السني الذي أرسله المهدي إلى (أبشة) عاصمة واداي عقب انتقاله من الجغبوب إلى الكفرة، وهكذا ظلت المناوشات دائرة بين السنوسيين والفرنسيين، واستطاع (الكولونيل لارجو) في ديسمبر عام (1913 م) أن يلحق بالمجاهدين هزيمة كبيرة في (قرو)؛ حيث جُرح ولدا السيد المهدي السني نفسه (عبد الله وعبد العال) ووقعا في الأسر.
إن الفرنسيين كانوا يشعرون بالخطر العظيم من قبل الحركة السنوسية، وكذلك الدول الأوروبية، وقد نشرت جريدة (دي كولوني) الألمانية كلاماً عن عالم ألماني خبير بأحوال إفريقية عامة والسنوسيين خاصة؛ زعم فيه أن عددهم يبلغ تسعة ملايين، وأن في وسعهم إنفاذ جيش إلى مصر والسودان مؤلف من خمسمئة ألف مقاتل، وذكر مجملاً من تاريخهم عرَّبته جريدة (المؤيد) عن جريدة (الميموريال)، وهو:
«إن طريقة السنوسية مهمة جداً من حيث انتشارها السياسي في إفريقية، ومن حيث الكفاح القائم بين الديانتين الإسلامية والمسيحية في هذه القارة، وقد أنشئت هذه الطريقة منذ خمسين عاماً تقريباً، أي: في عام (1855 م) بواحة الجغبوب، وواضع أساسها هو الشيخ محمد بن علي السنوسي... ثم خلفه ابنه المهدي، وكان وقتئذٍ فتى فتيّاً، وهو إلى اليوم رئيس المذهب الذي أصبح على عهده واسع النطاق، منتشراً في الافاق، وإشارة منه تكفي الان لإزالة الشحناء والخصومة من بين سلطانين من سلاطين إفريقية إذا قام بينهما الشقاق واستحكم الخلاف لأمر من الأمور، ومن الأمور التي لا ريب ولا خلاف فيها: أنه إذا جاء يوم أمر فيه بالجهاد وأشار بالحرب الدينية؛ اهتزَّت لصوته أركان العالم الإسلامي التي تترامى حدوده في إفريقية إلى مصر شرقاً والكونغو جنوباً حتى بحيرة تشاد ومراكش غرباً، وعليه يكون حزب السنوسي قد صار قوة من القوى السياسية التي ينبغي على كل دولة من دول أوروبة أن تعمل لها حساباً، وقد اشتهر سيدي المهدي محمد بالتناهي في التقوى والصلاح ورعاية أمور الدين، والتقشف في المعيشة، وهو دائب السعي على توفير أسباب الوئام والاتفاق بين الأقوام والشعوب الإفريقية...».
إن أعداء الإسلام يحاولون أن يرصدوا أي تحرُّك مفيد للدعوة والمسلمين، ويعملون ليلاً ونهاراً، وسراً وإعلاناً على التحذير منه، وتشويهه ووضع العوائق في طريقه مهما كلفهم الثمن، يدفعهم إلى ذلك حقدهم الدفين على الإسلام والمسلمين.
يقول إدرو ساليفو استناداً إلى الوثائق الفرنسية: «.... من المهم أن نوضِّح أن السنوسية لم تكن مجرد حركة متذمرة ومتعصبة، فهي طريقة إصلاحية تهدف إلى إحياء الدين الإسلامي وإرجاعه إلى أصوله السلفية، كما تهدف إلى تحرير العالم الإسلامي من التبعية الاستعمارية التي سقط فيها، وإلى جانب ذلك الهدف الديني فإن السنوسية لها هدف اخر سياسي في غاية الأهمية، وهو توحيد إفريقية الإسلامية أولاً، وتوحيد العالم الإسلامي بعد ذلك في إمبراطورية إسلامية جديدة، تتمتع بالأبهة والمجد والعظمة، وخالية من الشوائب التي لحقت بها خلال القرون التي ابتعد فيها العالم الإسلامي عن السنة النبوية الصحيحة مما أضعفه نتيجة لذلك، وبالإضافة إلى الهدف الديني والهدف السياسي هناك أيضاً الهدف الاقتصادي؛ حيث كان الإخوان يتنافسون بينهم على أعمال الزراعة والصناعة الخفيفة والتجارة من أي مكان تمد فيه الزوايا السنوسية أعمالها ونشاطها».
لقد كان الصراع بين فرنسة والحركة السنوسية في إفريقية على أشده، وتميز السنوسيون في جهادهم بقدرتهم على الكر والفر، وكانت قبائل الصحراء والقبائل الليبية تتمحور حول قيادة الحركة السنوسية، وبدأت قبائل توارق النيجر تتجه شرقاً للالتحاق بحركة الجهاد، ولم تقع في النيجر أي حوادث تذكر حتى بداية عام (1903 م) عندما بدأ الفرنسيون يزحفون نحو الشمال، واندلعت المعارك الطاحنة التي كان خلفها أتباع الحركة السنوسية.
مراجع البحث:
1.علي محمد محمد الصلابي، مِنْ أَعْلَامِ التَّصَوُّفِ السُّنِّيِّ: 7سيرة الزعيم أحمد الشريف السنوسي،دار الروضة،اسطنبول،1438ه،2017م
2.عبد القادر بن علي، الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية، مطبعة دار الجزائر العربية، دمشق، 1956م،(2/15 إلى 22)
3. محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، دار الفكر، 1948، ص(100)
4.محمد سعيد القشاط، جهاد الليبيين ضد فرنسا في الصحراء الكبرى 1854-1986،دار الملتقي للطباعة والنشر،1998، ص(115)
5.محمد بن عثمان الحشائشي التونسي. رحلة الحشائشي إلى ليبيا سنة 1895(جلاء الكرب عن طرابلس الغرب)، تحقيق،علي مصطفى المصراتي،دار لبنان للطباعة والنشر،بيروت.1385ه، 1965م. ص (171).