ظروف الحرب العالمية الأولى وإقحام أحمد الشريف السنوسي في معامعها...
بقلم: الدكتور علي محمّد الصلابي
الحلقة: الثانية عشر
ربيع الآخر 1441 ه/ نوفمبر 2019
في أول عام (1333 هـ) قامت الحرب العالمية الأولى ما بين ألمانية وحليفاتها: النمسة، وبلغارية، وإيطالية، وما بين: بريطانية وفرنسة، وتبعتهم دول أوروبة الصغيرة ما عدا سويسرة، كما انضمت إليها روسية وأمريكة، وكانت تركية مترددة في الدخول مع هذا أو ذاك، حتى أول عام (1334 هـ) فدخلت الحرب إلى جانب ألمانية وحليفاتها، وفي نفس الوقت قامت إيطالية وخانت حليفتها ألمانية، وانضمت إلى صف الحلفاء فرنسة وبريطانية، وحليفاتهم روسية وأمريكة.
وبدخول تركية الحرب ضد الحلفاء الذين كانوا يتوقعون منها ذلك تكالبوا عليها، وفتحوا عليها عدة جبهات، فكانت روسية تحاربهم بالقفقاس، وفي عموم شواطأى البحر الأوسط، والإنكليز في عموم شواطأى البحر الأحمر، واستطاعت بريطانية أن تفتن أمير مكة الحسين بن علي وتحرضه على الدولة العثمانية، وحدثت معارك أضعفت الدولة العثمانية بسبب تلك الأمور.
لقد خدعت بريطانية الحسين بن علي، وأعطته وعوداً وأملاً، ومنَّتْه بإقامة دولة عربية تشمل كامل جزيرة العرب، تحت تاجه، وبذلك أعلن ثورته على الحكومة العثمانية، وتابعته قبائل العرب في الحجاز، وشرق الأردن، وأطراف نجد، وبادية العراق، وسورية وفلسطين، وثاروا على تركية لثورته، فعمت البلوى.
ولم يكتفِ الحلفاء بهذا كله، فجمعوا قواتهم الجوية، وأساطيلهم الحربية في البحر الأبيض، وفتحوا جبهة الدردنيل، وكانت هذه الجبهة هي أشد الجبهات على تركية وأخطرها، ولذلك كرست ما لديها من المجهود لدفع هذه الجبهة، واستمرت معركة الاستماتة زهاء ستة أشهر، استشهد خلالها ما ينوف عن مئتي ألف جندي للأتراك، لكنهم دفعوا العدو إلى البحر.
كانت بريطانية حريصة على استمالة أحمد الشريف إليها قبيل الحرب العالمية الأولى، وزاد حرصها بعد اندلاع الحرب الكونية، ويحفظ لها التاريخ بعض الرسائل من القادة الإنكليز في مصر مرسلة إلى أحمد الشريف؛ فهذه رسالة أرسلها اللورد كتشنر بوساطة بعض عملائهم:
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله المتوكل على الله سبحانه وتعالى اللورد كتشنر المعتمد السياسي لجلالة جورج الخامس ملك بريطانية العظمى بالقطر المصري.
إلى مهبط أسرار الحضرة الربانية، ومصدر صفوة الإرشادات اللدنية، صاحب التجليات الأسنية، والنفحات القدسية، قطب دائرة أهل الفضل والكمال، وخلاصة أرباب الحجا والجلال، المتحلِّي بروحانية أسلافه الطيبين الطاهرين، والمتجمِّل بصفات أهل الجمال واليقين، والمتخلي عن أوضار الأغيار في مهيع عبادة رب العالمين، دوحة الشجرة الهاشمية، وبضعة السلالة العلوية، خليفة صاحب ذلك النور القدوسي؛ سيدي أحمد الشريف السنوسي رضي الله عنه، وأيده بروح منه.
أما بعد: فإن الفرصة التي دعتني الان لمكاتبة السيد الجليل أحسبها من أشرف الفرص، وإن كانت القصة الداعية إليها ليست من أحسن القصص، على أن السيد الجليل والشريف النبيل خليفة ذلك الإمام المهدي العظيم، وولي الله الكريم، قد يسره أن ترفع إليه الظلامات ليحقق امال رافعيها، وأن تصل إليه أصوات الضراعات ليكون ملجأ ضارعيها، ولهذا يسرني أن أكون الواسطة لديكم لرفع مظالم قد ارتكبها من لم تخالط هدايتكم قلوبهم، ولم تستأصل إرشاداتكم العالية من نفوسهم الخاطئة ذنوبهم، ولذلك أكتب لمقامكم الكريم ما يلي:
قد ورد لي من سعادة حاكم السودان العام: أن جماعة من عربان الكبابيش التابعين لحكومة السودان ويبلغ عددهم تسعة وعشرين رجلاً، قصدوا بير النظرون التابع لمديرية دنقلا، وبينما كانوا عند البئر إذ انقض عليهم عدد عظيم من العربان، بينهم نحو مئة من أهل فزان أتباع الطريقة السنوسية الشريفة، والباقون من أهل زغاوة والبديات، واعتدوا عليهم شر اعتداء، وكان دافعهم إلى هذا الشر وداعيهم إليه قبل كل أحد زعيم الفزانين، واسمه الشيخ محمد أبو دوشي الفزاني، أحد الخاضعين لسلطانكم والمستظلين بظل حمايتكم وإحسانكم؛ إذ ذهب برجاله إلى عربان غزاوة والبديات، وطلب منهم الانضمام إليه لمقاتلة الكبابيش، وحرَّضهم على ذلك حتى انصاع إليه جمع منهم، فبلغ ذلك عدد عصابته التي أغار بها على ذلك النفر القلائل، ولم يخف سطوة الله عز وجل، ولم يذكر أن عمله المنكر فضلاً عن دونه يغضب الله وملائكته سيجلب عليه سخطكم وغضبكم الذي هو من سخط الله وغضبه، وكأنه لم يكفه أن يكون عدده كثيراً كالجيش الجرار، بإزاء جماعة الكبابيش الذين كانوا عند البئر، بل أخذهم غدراً وفاجأهم على غرة منهم، فبينما كانوا امنين لا يحسبون للشر حساباً؛ إذ أطلق عليهم رجاله من بنادقهم ناراً حامية، كادت أن تحصدهم حصداً، فلما راهم قد وقفوا أمامهم برهة من الزمن؛ حملوا عليهم بسيوفهم ورماحهم، فطعنوا في صدورهم، أنكى الطعنات، وقتلوا بذلك ثمانية، وجرحوا ثلاثة، وأسروا اثنين، وسلبوا ما كان معهم من سلاح ومتاع، ثم استاقوا جمالهم وعددها مئة وواحد وأربعون، بما عليها من الأحمال، غير مبالين بأن يعدوا في شريعة الإسلام من العاثين في الأرض فساداً، وأن جزاءهم فيها إذا وجدوا قضاة عدولاً: {...} إلخ. الاية {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المَائدة: 33]
فيرى السيد حفظه الله ووفقه لإجراء عدله على حكم الله وسنة رسوله الأمين، أن جماعة الفزانين الذين ينسبون أنفسهم لطريقتكم الشريفة، ويعتزون بطول البلاد وعرضها بعزها، قد خانوا الله وخانوا محجة رسول الله البيضاء، وخانوا عهد طريقتكم السمحاء، ولم يبالوا بغضب الله ولا بغضبكم، ولم يذكروا اليوم الاخر وحسابه، وبطش الله وعقابه، وهذا غريب جداً أيها السيد الكريم، مع ما يعلم القاصي والداني من خضوع هؤلاء الأقوام لسطوتكم وائتمارهم بأوامركم، ومع ما سارت الركبان والأمثال من أخبار عدلكم المشهور، وشدة بأسكم على أهل البغي والعناد، وما تحلى به شخصكم الكريم من صفات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي انتهت إليكم تراثاً عن أسلافكم العظماء الأكابر ذوي البأس الشديد، والتاريخ المجيد، فكيف مع هذا يجرؤ قوم أشداء كثيرو العدد من أتباع طريقتكم الشريفة على الاعتداء على قوم مستضعفين قليلي النفر، فيقتلون منهم الأنفس، ويسلبون الأموال والمتاع، وهم مع هذا يرون أنهم من أتباعكم خليقون بحمايتكم، وحسن رعايتكم، لقد كان في وسع حكومة جلالة الملك أن تتخذ في مثل هذا الحادث إجراءات أخرى عظيمة التأثير والأثر، على أمثال أولئك الطغاة البغاة، وتضرب بهم الأمثال للناس، وهي لا تعدم الوسيلة لذلك، ولكن بما أعرفه عن سيادتكم من حب العدل والإنصاف، والغيرة على إقامة معالم الشريعة الغراء في البلاد والجهات التي يصل لها نفوذكم، وتمتد إليها سطوتكم، قد فضلت أن أراجع مقامكم السامي في هذه النازلة، لرفعها طبق ما يقتضيه العدل الإسلامي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فإذا شاء السيد حفظه الله تحقيق امالي في عدله وإنصافه؛ فما أسهل على حضرته أن يأمر تابعيه بكفِّ الأذى عن جيرانهم، وإخوانهم في الدين، وأن يكلف أولئك المعتدين بردِّ الجمال والأحمال التي سلبوها، مع دفع التعويضات كما يراها السيد بالحق الدية للمقتول، والتعويض للمجروح، ظلماً وعدواناً، ولست أظن أنه يوجد من الموانع ما يحول دون توقيع هذه الجزاءات على مستحقيها عند فضيلة السيد، ولكن إذا كان هناك مانع لا أعرفه فإنني أرجو من حضرتكم الكريمة أن تشرفني بإفادتي عن الطريقة التي يحسن اتباعها للوصول إلى تلك الغاية من غير أن يمس كرامتكم التي أودّ أن أحافظ عليها دائماً، وأطلب من الله المزيد فيها، وقد أرفقت بكتابي هذا بياناً مشتملاً على أسماء الأشخاص المعتدى عليهم من عرب الكبابيش، ومن قتل ومن جرح منهم، لتكونوا على بينة من الأمر، ولتجروا العدل فيهم، كما أمر الله، جعلكم الله ملاذاً أعلى لتحقيق عدله بين خلقه، وأمدكم بروح منه، ما دامت إحساناته إليكم متواصلة، وعنايته بكم شاملة، ونفعنا الله ببركاتكم على الدوام امين.
(اللورد كتشنر باشا)
بغض النظر عن حقيقة هذه القصة التي في الرسالة، إلا أننا نجد فيها أموراً مهمة منها: اهتمام الإنكليز بشخصية أحمد الشريف واحترامها، ومحاولة كسبها واستمالتها، ونجد أيضاً استعانة الإنكليز بالعرب الأدباء ليكتبوا لهم ما أرادوا توجيهه لسيادة أحمد الشريف رحمه الله ـ، وهذا أسلوب إنكليزي معروف، فيحاولون إيجاد ثغرات ومنافذ في كيان الأمة، والسعي الدؤوب في تضعيفها، وتمزيقها، فقد نجحوا مع أمير مكة الحسين بن علي، وهم الان يحاولون مع أحمد الشريف، كانت بريطانية حريصة على جذب السيد أحمد الشريف إلى معسكرها، أو تحييده، وكانت حريصة على أن تكسب الشعوب الإسلامية، وأنها تعمل على مساندة حركة المجاهدين المسلمين في ليبية، فتخدر بذلك مشاعر المسلمين في مصر والهند، وغيرها، وأظهرت تعاطفها مع أحمد الشريف للضغط على إيطالية، وتضعيف تحالفها مع ألمانية في حربها المنتظرة.
إقحام أحمد الشريف في الحرب
بعد دخول تركية الحرب العالمية الأولى بجانب ألمانية، رأت الحكومتان التركية والألمانية الاستفادة من جهود السنوسيين لتشتيت القوات الإنكليزية وفق خطة لاحتلال قناة السويس، وتطهير مصر من الوجود الإنكليزي، ولتحقيق هذه الغاية بعث أنور باشا إلى أحمد الشريف يبلغه أن السلطان العثماني قرر منحه النيابة عنه في إفريقية، ويخوله ما له من نفوذ مطلق مدنيّاً، وعسكريَّاً، مثل حق إعطاء الرتب، والنياشين، والعفو عن المحكومين، والتولية، والعزل، دون الرجوع إلى الباب العالي بإستانبول، ثم وصل إلى برقة الضابط العثماني أخو أنور باشا (نوري باشا)، ومعه الأوسمة الرفيعة والنياشين، وقابل أحمد الشريف قرب السلوم، وسلمه رسالة أخيه أنور التي كانت تحمل نبأ إعلان الحرب، وتعيين السلطان له نائباً عنه في إفريقية الشمالية، وفي نفس الفترة وصل برقة الضابط الألماني مانسمان الذي كان معه كتاب خاص من إمبراطور ألمانية إلى أحمد الشريف، ويحمل نيشاناً رفيعاً منحه الإمبراطور إليه، كما وصلها أيضاً جعفر العسكري.
وكان هؤلاء الضباط مستائين من سياسة أحمد الشريف تجاه الإنكليز، لأن ذلك يخالف أغراضهم التي جاؤوا من أجلها، وبذل نوري باشا ورفقاؤه جهوداً مضنية للتأثير على أحمد الشريف كي يهاجم الإنكليز، فأخفقوا أمام إصرار أحمد الشريف عن الامتناع، ووصلت عدة كتابات من أنور باشا يبين فيها للسيد أحمد الشريف فوائد الصدام مع الإنكليز، والاصطدام بهم، ورد عليه أحمد الشريف بتقرير بتاريخ (29 صفر سنة 1335 هـ)؛ جاء فيه: «.... حرب يأتيك يقصد به حرب الطليان وحرب تأتيه يقصد بها حرب الإنكليز فالحرب الذي يأتيك يجب عليك مدافعته بأي حالة كانت، والحرب الذي تأتيه يجب عليك الاستعداد له».
ويوضح تقرير أحمد الشريف أنه مهتم بأمر حرب الطليان الذين جاؤوا إلى أرضه، وأنه يجب عليه أن يركز جهوده عليها من أجل تحرير بلاده، وفي نفس الوقت فهو غير مستعدٍّ لإعلان حرب جديدة لا قدرة له عليها، ولا تسمح له ظروفه الحربية والسياسية، والاقتصادية القيام بها.
وهناك سؤال يطرح نفسه في نص تقرير أحمد الشريف؛ وهو: ماذا يقصد بعبارة «يجب عليك الاستعداد له»؟ إن أحمد الشريف يؤكد لأنور وزير الحربية من خلال هذا التقرير أنه يجب الاستعداد لهذه الحرب، إن أحمد الشريف كان لا يريد الدخول في حرب إلا مع أعدائه الإيطاليين المحتلين للأراضي الليبية، وخصوصاً أنه يريد أن يحافظ على علاقته الجيدة مع الإنكليز الذين كانوا قد تركوا السنوسيين وشأنهم ولم يعتدوا عليهم، «وكان حيادهم على جانب عظيم من الأهمية بالنسبة لحركة الجهاد؛ لأن جميع ذخائر المجاهدين في الجبهة الشرقية كانت تأتي من مصر؛ حيث كانوا يتمتعون بعطف الشعب كله»، وقد ترك الإنكليز المجاهدين يبيعون الأسلاب التي غنموها من الطليان في ميناء السلوم، وحرصوا على أن تكون العلاقة بينهم وبين السنوسيين جيدة، فكانوا يبعثون الهدايا والكتب، ومعها رسائل الاحترام والتقدير لشخصه وبلاده، كما أن أحمد الشريف نفسه كان يجامل المسؤولين الإنكليز لتأمين حدود بلاده وسلامتها أولاً، ثم لقضاء حاجياته من مصر، فقد كانت تصنع فيها ألبسة رجال جيشه، وكان بعض العتاد والذخائر يصل إليها منها.
كان أحمد الشريف مشفقاً من التورط في أمور هو في غنى عنها في ذلك الوقت بالذات، ولذلك فقد طلب من الشيخ محمد سوف المحمودي الذي وصل من تركية أن يسافر برجاله إلى طرابلس، وأن يقيم معسكراً بمجرد وصوله إلى هناك لمواصلة حرب الإيطاليين، وقد منحه أحمد الشريف رتبة (بكباشي شرف) تقديراً لشخصه وجهاده، وأطاع الشيخ سوف الأمر، وسافر برجاله إلى طرابلس، وذلك في أوائل شهر يناير سنة (1915 م).
إلا أن منظمة (تشكيلات مخصوصة)، وهي تابعة للمخابرات العسكرية العثمانية يعرِّفها البعض: «بأنها منظمة عثمانية سرية غامضة، مهمتها الأساسية الأمن الخارجي للإمبراطورية العثمانية، ومكافحة التجسس الأجنبي عليها، وكان لمعظم المنتسبين إليها الصفة العسكرية»، حاولت هذه المنظمة أن تجعل من أحمد الشريف أداة طبيعية تستغلها حسبما تمليه مصالح الإمبراطورية العثمانية، وليس حسبما تقتضيه مصالح ليبية والمتمثلة في تحريرها من الاستعمار الإيطالي، وكانت الحكومة التركية قد أرسلت بعض أنصارها الذين هم من ولاية طرابلس الغرب، وكانوا قد هاجروا إلى تركية بعد فشل المجاهدين في معركة جندوية سنة (1913 م)، وكان من هؤلاء الشيخ سليمان الباروني، عضو مجلس المبعوثان، وزعيم الجهاد الطرابلسي في الفترة الأولى (11/1913 م)، وكان الشيخ الباروني: «عثماني الميول، وهو على علم بالمخطط التركي لغزو مصر، وإعداد حملتين لها شرقية وغربية، وإخراج الإنكليز منها، ثم تحرير طرابلس بعد إخراج الطليان منها...» وقد عبَّر عن هذا عند وصوله إلى برقة، وسأله هلال محمد الشريف السنوسي وهما بالسلوم عن شعر رأسه الطويل، وهو رجل متقدم في السن وصاحب منزلة كبيرة: ما هذا الشعر يا باشا؟ فردَّ الباروني: سأجيبك بقصيدة من شعري؛ لأنه أجمل من شَعْري.. وكان مما قال:
هذا هو الشَّعْر الذي شهد الحروب الهائلات
وعليه أمطرت القنا بِلُ كالصواعق نازلات
خاض المعامع لا يهاب على الجياد الصافنات
حبَّاً بتطهير المواطن من بني الإيطاليات
اليت أن يبقى إلى أن يعبر الجند القناة
لنرى الغزاة على ضِفا ف النيل تفتك بالبغاة
ونرى طرابلس العزيزة في ليال باهرات
تختال في برد الهنا بالانتصار على الطغاة
وتسود أعلام الخليفة في البلاد الضائعات
ونرى الهلال متوجاً جزر المحيط الخالدات
إذ ذاك يحلق بين أفواج الأعاظم والغزاة
ما بين تهليل وتكـ بير وتقديم الصلات
فيكون عنوان الفتوح مدى العصور الدائرات
أو هكذا يبقى إذا لم ننتصر حتى الممات
يا من وعدت المسلمين النصر امنن بالحياة
– عزمت المنظمة العثمانية على الزج بقوات أحمد الشريف في حرب لم يكن في حاجة إليها، خاصة في ذلك الوقت، ولما يئست هذه المنظمة من إقناع أحمد الشريف بتلك الحرب، اتجهت نية ضباط (تشكيلات مخصوصة) إلى الخلاص من أحمد الشريف، وأعدت انقلاباً ضده، وتفجير خيمته، ووضع بديل له من العائلة السنوسية، يكون أسهل انقياداً وانصياعاً لمخططات هذه المنظمة، وتم إعداد المؤامرة إلا أنه اكتشف أمرها، وألقي القبض على المتهمين، وأمر أحمد الشريف البقية من مهاجري طرابلس بأن يسافروا إلى بلادهم بسرعة للانضمام إلى الشيخ محمد سوف، وأنذر أحمد الشريف من يخالف أوامره بالإعدام، فنفذت كاملة ، وهدأت الحالة، وكان ذلك في شهر فبراير عام (1915 م).
ووصل الأمر بأن اتُّهم أحمد الشريف بأنه ممالأى للإنكليز سرّاً، وفي مقابلة مع أحمد الشريف قام بها الضابط المصري محمد صالح حرب قبل نشوب الحرب، سأل الأخير أحمد الشريف عن حقيقة موقفه، فأجابه: «... إن الأتراك إنما يريدون أن يورطوه في حرب مع الإنكليز قبل أن يستعد لها، وإنه لا يمالأى الإنكليز محبة فيهم أو تقرباً منهم، ولكن مصر هي الباب الوحيد المفتوح الذي تأتيه منه الأرزاق التي يستطيع بسببها متابعة القتال ضد الطليان، فإذا قفل هذا الباب تحرج موقفه، وإنه لم يستدع الأتراك إلى ليبية إلا ليجلبوا معهم الإمدادات الكافية، والتي يكون فيها الغناء عن ذلك المفتوح، ولكن هؤلاء حضروا وليس معهم أيَّ إمدادات أو أرزاق أو مال، ومع ذلك فهم يطلبون منه كل يوم القيام بحركة، ويلحون في هذا الطلب، مع العلم أن بدء الحركة، قبل أن يحين الوقت الملائم يعود بالشر والوبال على الجميع، وختم السيد أحمد قوله: «وإني أصرح لك بأنه لا سلاح ولا ذخيرة، ولا مال ولا أرزاق كافية لدينا، وأنا ليس في نيتي أن أحارب الإنكليز».
استمر ضباط منظمة (تشكيلات مخصوصة) في مهمتهم الرئيسة لإقحام أحمد الشريف في حرب ضد الإنكليز، وقد اعترف نوري باشا بأنه صار مرغماً بسبب سكوت أحمد الشريف على تدبير المخطط لقصم العلاقات القائمة بينه وبين الإنكليز، وبادر الأتراك سريّاً بمهاجمة المراكز البريطانية، وزوروا أوامر أحمد الشريف إلى ضباط العرب وعساكرهم، ووقع ما وقع، وأرسل الأتراك سعادة إلى مصر يقولون: إن أحمد الشريف يأبى الزحف إلى مصر مداراة للإنكليز، مع أنه حضر من الآستانة لأجل إعداد حملة على مصر وإنقاذها من أيدي الإنكليز، فصارت تتوارد من مصر الرسل إلى أحمد الشريف تعاتبه على موقفه هذا.
وعلى العموم فإن الأمور تلاحقت، وتتابعت الحوادث على الحدود بفعل التأثيرات الشديدة للحرب وضغوطها على الجانبين، فلم يكن بمقدور أحمد الشريف صد تيار الانجراف، فحدث ما حدث دون أن تكون له سيطرة على زمام الأمور، وحاول الإنكليز تدارك الموقف بالطرق الدبلوماسية، تجنباً للعنف والصدام مع السنوسيين، وتقليلاً لعدد خصومهم وأعدائهم، في وقت كانت الحرب العالمية الأولى على أشدها، فاتصلوا بالسلطان حسين كامل (سلطان مصر)، وأطلعوه على ما جرى وراء الحدود، ورجوه أن يعمل للإصلاح والتوفيق، ولإقناع أحمد الشريف بالتزام الحياد، والتنبيه إلى خطورة الاستماع إلى الأتراك والألمان، فأرسل السلطان حسين كامل وفداً برئاسة محمد الشريف الإدريسي نجل عبد المتعال بن أحمد بن إدريس، وكانت معهم رسائل من السلطان حسين كامل، ومن السير ماكمهون نائب ملك الإنكليز في مصر، ومن الجنرال ماكسويل قائد جيش الاحتلال البريطاني في مصر، وتدور الرسائل حول فكرة النصح للسيد أحمد الشريف بالتزام الحياد.
وهذا نص الرسالة التي أرسلها الجنرال السير جون مكسويل القائد العام لجنود جلالة ملك بريطانية العظمى: (مصر في 3 ديسمبر سنة 1915 م، 25 محرم سنة 1334 هـ).
حضرة الأستاذ الأعظم السيد أحمد الشريف السنوسي الخطابي الإدريسي الحسني دام وجوده الكريم.
تحية وسلاماً وبعد: فقد أدهشني ما وجدته بعد عودتي إلى مصر من زيادة الجيوش المتحالفة في غليبولي، إن العلاقات بيننا قد حدث فيها تغيير، وإن أتباع سيادتكم قد ارتكبوا أعمالاً عدائية ضد الحكومة المصرية.
وقد سمعت بارتياح أنكم أرسلتم كبيراً من مستشاريكم إلى البراني ليسعى في إرجاع بعض أتباعكم الذين عصوا أوامركم، ولكني تعجبت إذ سمعت أن هؤلاء الأتباع قد تمادوا في العصيان، حتى إنهم لم يطيعوا الأوامر فقط، بل أطلقوا فعلاً على جعفر أفندي، هذا وقد بلغني أيضاً ما أهمني وهو أن سبعين رجلاً من رعايا الدولة الذين نجوا من مركب غرَّقته العدو قد حجزوا غرب حدودنا، فأسألكم برهاناً على العواطف الودية التي أظهرتموها لنا أن ترسلوا هؤلاء الرجال المنكوبي الخط حالاً بدون أذى إلى مرسى مطروح، هذا ويظهر أن نفوذ نوري بك وأصدقائه الألمان عليكم يشبه نفوذ أنور باشا على جلالة سلطان تركية، وهذا النفوذ الضار هو الذي زج تركية في الحرب المهلكة، والتي ستنتهي حتماً بزوال دولة الأتراك من الوجود، إنكم تعلمون أن الحكومة المصرية والحكومة البريطانية عاملتا سيادتكم بكل اهتمام واحترام، وأما الان فقد اضطررت بسبب المقاصد السيئة التي تحيط بسيادتكم أن أستدعي رجالي من نقطة السلوم، وأتخذ لهم مركزاً في مرسى مطروح، وعليكم الان أن تبينوا بأعمالكم وأعمال أتباعكم إذا كنتم تحبون بقاء العلائق الودية أم لا.
ومن الان وصاعداً كل رجل من أتباعكم يتعدَّى الحدود حاملاً سلاحه أضطر أن أعده كمن له مقاصد عدائية، وأعماله كذلك، لقد سألتكم أن تظهروا مقاصدكم الودية بإبعاد الأشخاص الذين معكم الان المعروفين بعداوتهم لنا، وأنا أتأسف أن أرى أنكم لم تتمكنوا إلى الان من إبعادهم، إني لا أشك أن السيد محمد الشريف الإدريسي قد سلمكم كتابي، وفاوضكم في جميع الشؤون التي ولج إليه مفاوضتكم فيها، ولا أشك في أنه بين لكم مقاصدنا نحوكم ودية محضة، وأن ما أوجب التغيير في العلاقات بيننا هو أعمال صدرت من جهتكم لا من جهتنا، ولا يسعني إلا الظن بأن الدساسين قد نقلوا أخباراً كاذبة عن الحرب الأوروبية، والحقيقة هي أن خسارة إمبراطور الألمان وحلفائه بطيئة، ولكنها أكيدة على جميع خطوط القتال، والمستقبل يريكم ما أراد الله.
وإني أسألكم أن تمعنوا النظر في الأمر، وتعتبروا أنه إذا اتخذتم بسوء الحظ خطة عدائية فإنكم لا تجلبون عليكم إيطالية، بل فرنسة، وإنكلترة، ومصر، وتتحملون مسؤولية جميع النفوس التي تضيع في هذا السبيل، وتعرضون بلادكم للجوع، إذ تسد عليكم طريق الزاد والمؤنة برّاً، وتحصر الشطوط البحرية، وإذا كان مستشاروكم يعتمدون على غواصات الأعداء فاعتمادهم قائم على لا شيء، وأرفع لكم ذلك كله ليس بقصد التهديد، بل بقصد «النصيحة» كصديق، والأتراك يقضون بكم ماربهم، ثم ينبذونكم نبذ النواة وراء ظهورهم.
إن الحالة الحاضرة لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه الان، ولذلك فإني أسألكم أن تبرهنوا حسن مقاصدكم، بالأعمال، وليس بالأقوال، وأن ترسلوا حالاً إلى مرسى مطروح الرجال الإنكليز الذين نجوا من مركبهم، وهو الان غرب حدودنا، وأن تعيدوا العلاقات الودية معنا، وأن تخرجوا من بلادكم المستشارين الأتراك والألمان، أي نوري بك ومانسمان وغيرهما؛ من الذين لاشك في أنهم يجلبون عليكم وعلى بلادكم بلاءً عظيماً، ولي الرجاء أنكم توفون هذه المسائل حقها من الاهتمام قبل أن يقع ضرر ولا يمكن تلافيه.
مراجع البحث:
1.علي محمد محمد الصلابي، مِنْ أَعْلَامِ التَّصَوُّفِ السُّنِّيِّ: 7سيرة الزعيم أحمد الشريف السنوسي،دار الروضة،اسطنبول،1438ه،2017م ص(121:108).
2. محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، دار الفكر، 1948، ص (167).
3عبد القادر بن علي، الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية، مطبعة دار الجزائر العربية، دمشق، 1956م (2/36 37).
4.أحمد الطيب الاشهب، برقة العربية بين الأمس واليوم،دار الهواري:القاهرة،1364ه،1945م، ص (315).
5. مصطفى علي هويدي، الحركة الوطنية في شرق ليبيا خلال الحرب العالمية الأولى، مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، 1988، ص (63).