السبت

1447-10-09

|

2026-3-28

الشيخ عطية محمد سالم (رحمه الله) ... سيرة عالمٍ جمع بين العلم والقضاء والتربية

بقلم: د. علي محمد الصلابي

تأثّرتُ بسيرة الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله، وبقصته في القدوم إلى المدينة المنورة، وبصبره في طلب العلم ونبوغه فيه؛ إذ جاء مع البعثة المصرية في خمسينيات القرن الماضي، فآثر البقاء لطلب العلم على الرجوع إلى مصر، وبذل وقته كلّه للعلم والتعليم، حتى أصبح من علماء المدينة، ثم من علماء الأمة المشهود لهم بالخير والصلاح. وُلد شيخنا عام 1346هـ/1927م بقرية المعمدية، إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر. وبعد قدومه إلى المدينة سنة 1364هـ، واصل تحصيله العلمي في حلقات المسجد النبوي الشريف حتى عام 1370هـ، حيث افتُتحت المعاهد العلمية والكليات، فانتقل إلى الرياض، فالتحق بالمعهد العلمي الثانوي، ثم بكلية الشريعة وكلية اللغة العربية، ونال شهادتين منهما في سنةٍ واحدة، وهو إنجازٌ علميٌّ يدل على علوّ الهمّة والتفوّق المبكر (العبودي، علماء المدينة المنورة؛ الصلابي، مسودة كتاب "مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح والسياسة"، قيد التأليف).

وخلال تلك المرحلة، توطّدت علاقته بكبار علماء عصره؛ فمن علماء الأزهر: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ يوسف عمر (رئيس البعثة الأزهرية)، والشيخ الظواهري (وكيل الأزهر)، والشيخ عبد المنعم النمر (وزير الأوقاف بمصر)، والشيخ خليل الهراس، وهؤلاء من أعلام البعثة الأزهرية. ومن علماء المملكة: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ عبد العزيز بن رشيد، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، وغيرهم (العبودي، المرجع نفسه).

وفي هذه المدة أيضًا توثّقت صلته بفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، فصحبه طالبًا وتلميذًا في حلقاته ورحلاته، وكانت علاقته به علاقةَ الولد بوالده، والتلميذ بشيخه، حتى منّ الله عليه بإتمام تفسير "أضواء البيان" بعد وفاة شيخه، فكانت هذه التتمة شاهدًا على رسوخ قدمه في التفسير والأصول، وإحاطته بمنهج شيخه العلمي (عطية سالم، تتمة أضواء البيان).

- التدريس بالمسجد النبوي وكرسي الجامعة

عند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وُضع كرسيٌّ باسم الجامعة في المسجد النبوي الشريف، يتناوب عليه في بدايته الشيخ الأمين الشنقيطي والشيخ ابن باز. وبسبب ظروفٍ خاصة بالشيخ الشنقيطي، حلّ محلّه الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، ولكثرة ارتباطات الشيخ ابن باز حلّ محلّه الشيخ عطية محمد سالم. ثم انتقل الشيخ عبد القادر شيبة الحمد إلى الرياض، فانفرد الشيخ عطية بالتدريس على كرسي الجامعة في المسجد النبوي، ثم شاركه في السنوات الأخيرة الشيخ علي عبد الرحمن الحذيفي.

وقد بلغ ما سُجِّل للشيخ في المكتبة الصوتية بالمسجد النبوي نحو سبعمائة شريط في شرح موطأ الإمام مالك، وكانت حلقته بين المغرب والعشاء من أكبر حلقات العلم في ذلك الوقت. وكان الشيخ جميل الصوت، حسن الأداء، مهيب الطلعة، يجمع بين قوة العلم وحسن الإلقاء. وقد جلستُ إليه منفردًا، فأسدى إليّ نصائح نفيسة في طلب العلم، وشهدتُ فيه العالم المربي الذي جمع بين التفسير والفقه، والوعظ المؤثر، وأحكام القضاء (أرشيف المكتبة الصوتية بالحرم النبوي).

وكان من أخصّ تلامذة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، كما تتلمذ على الشيخ عبد الرحمن الإفريقي، فدرس عليه: موطأ مالك، ونيل الأوطار للشوكاني، وسبل السلام للصنعاني، ورياض الصالحين للنووي، والبيقونية في مصطلح الحديث، والرحبية في الفرائض. ودرس الأجرومية على الشيخ محمد الأنصاري، وشرح منتهى الإرادات، وصحيح البخاري على الشيخ محمد بن تركي، وقرأ صحيح البخاري كذلك على الشيخ محمد الحركان، وسنن أبي داود على الشيخ عمار الجزائري، كما أخذ عن الشيخ أحمد العرنوس والشيخ أحمد ياسين الجباري.

- تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة

في عام 1381هـ، شُكِّل مجلسٌ بقرار من الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (مفتي المملكة) لوضع الترتيبات اللازمة لافتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من برامج ومناهج وإدارات، برئاسة الشيخ ابن باز، وعضوية الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ مناع القطان، والأستاذ محمد ناصر العبودي، والشيخ عطية محمد سالم. ثم أُسندت إلى الشيخ عطية عمادةُ شؤون التعليم بالجامعة، إضافةً إلى تدريسه بداية المجتهد لابن رشد وأصول الفقه عند غياب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي. (العبودي، الجامعة الإسلامية: النشأة والتأسيس).

- انتقال الشيخ عطية محمد سالم إلى القضاء

انتقل الشيخ بعد ذلك إلى العمل بالقضاء بتكليفٍ من سماحة المفتي، فتدرّج في مراتب القضاء حتى بلغ رتبة قاضي التمييز، وأُحيل إلى التقاعد في 1/7/1414هـ. وقد اشتهر في القضاء بإنصاف الخصوم، وبذل الجهد في الصلح، وتطبيق الشريعة بحكمةٍ وعدل، لما وهبه الله من نجابةٍ، وحدة ذكاء، وسعة أفق، وغزارة علم. وكان حريصًا على جمع كلمة المسلمين، وتقريب وجهات نظر المختلفين، وتبسيط العلوم، وحسن عرضها لعامة الناس، ولا يملّ من كثرة الأسئلة في حلقاته العلمية أو في مجلسه.

- مؤلفات الشيخ عطية محمد سالم وآثاره العلمية

اطّلعتُ على عددٍ من مؤلفاته، ومن أبرزها:

• تتمة أضواء البيان (من سورة الحشر إلى الناس)، وقد طُبعت مرارًا مع التفسير.

• أصل الخاطبة وأصولها.

• في ظل عرش الرحمن (شرح حديث: سبعة يظلهم الله في ظله).

ومن كتبه كذلك:

• عمل أهل المدينة: تأصيل حجّيته عند الإمام مالك ردًّا على كتاب محمد بن الحسن الحجّة على أهل المدينة.

• آيات الهداية والاستقامة في كتاب الله (مجلدان).

وله الرسائل المدنية (16 رسالة)، من أشهرها: صلاة التراويح عبر ألف عام في مسجد رسول الله ﷺ، مع الرسول في رمضان، نكاح المتعة عبر التاريخ، زكاة الحلي، منهج المؤاخاة والتحكيم، أصول الخطابة والإنشاد، معالم الهجرة، حكمة التشريع في تعدد الزوجات وتحديد النسل، رمضانيات، آداب زيارة المسجد النبوي، مع الرسول في حجة الوداع، الإسراء والمعراج، سجود التلاوة، مع المرضى، العين والرقية، وكتاب الدماء في الإسلام. وله رسائل وأبحاث أخرى، بعضها تحت الطبع، إضافةً إلى إشرافه على رسائل جامعية، وعضويته في لجان مناقشة علمية.

- وفاة الشيخ عطية محمد سالم

تأثّر الشيخ كثيرًا لعدم استطاعته مواصلة دروسه اليومية في المسجد النبوي خلال فترة مرضه، إذ عانى في أواخر حياته من مرض القلب، مما منعه من مواصلة التدريس، ودخل المستشفى مرات عدة. وكان يستشعر دنوّ أجله، فجمع أبناءه وأوصاهم بالتمسك بالدين وخدمة الإسلام وطلبة العلم. وتوفي بالمدينة المنورة يوم الإثنين 6/4/1420هـ، ودُفن في بقيع الغرقد. رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وأعلى ذكره في المصلحين.

المراجع:

1. القرآن الكريم.

2. د. علي محمد الصلابي، مسودة كتاب "مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح والسياسة"، قيد التأليف، 1447ه/ 2026م.

3. محمد ناصر العبودي، علماء المدينة المنورة. المدينة: مكتبة دار التراث.

4. عطية محمد سالم، تتمة أضواء البيان. المدينة: دار الهجرة.

5. العبودي، محمد ناصر، الجامعة الإسلامية بالمدينة: النشأة والتأسيس.

6. فهارس الدروس والتسجيلات بالحرم النبوي الشريف (إدارة الشؤون العلمية).

7. فهارس مؤلفات الشيخ عطية محمد سالم (دور النشر المختلفة).


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022