هاجر وإسماعيل (عليه السلام) في الحجاز
بقلم: د. علي محمد الصلابي
توجَّه إبراهيم عليه السَّلام بهاجر وإسماعيل، ووضعهما في بلاد الحجاز في وادٍ غير ذي زرع، تنفيذًا لأمر الله، ولما غادرهما توجَّه إلى الله ودعا دعاءً خاشعًا منيبًا، كما سيأتي في حديث البخاري المطوّل، والراجح أن البيت الحرام لم يكن قد بُني عندما وضع إبراهيم هاجر وإسماعيل في تلك البقعة، وأن البلد لم يكن قد وُجد، وعرف أنه سيكون في تلك البقعة: البلد الحرام والبيت المُعظَّم الكعبة المشرّفة، وذلك عن طريق الوحي من الله تعالى.
جاءت تفاصيل وضع هاجر وإسماعيل (عليهما السلام) في ذلك الوادي في حديث صحيح عن رسول الله ﷺ، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما اتّخذ النساء المِنْطَق من قبل أمِّ إسماعيل، اتّخذت منطقةً لتعفي أثرها عن سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل ـ وهي ترضعه ـ حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم، في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء. (القصص القرآني، (1/385))
أ- وضع هاجر وإسماعيل والبحث عن مغيث:
لقد وضعها هناك، ووضع عندها جرابًا من تمر وسقاء فيه ماء، ثم قضى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أمُّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء؟! وقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضيّعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثّنيّة، حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وجعلت أمُّ إسماعيل تُرضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت، وعطش ابنُها وجعلت تنظر إليه يتلوّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فهَبَطَت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طَرَفَ دِرْعِها، ثم سعَت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي ﷺ: «فلذلك سعى الناس بينهما»، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صَهْ ـ تريد نفسها ـ ثم تَسَمَّعَت، فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعتَ إن كانَ عندَكَ غَوَاث. (إسماعيل عليه السلام، د. علي الصلابي، ص24)
ب- الملك ونبع ماء زمزم ومجيء جُرْهم:
فإذا هي بالمَلَكِ عند موضع زمزم، فبحث بعقبه ـ أو بجناحه ـ حتى ظهر الماء، فجعلت تَحوطُه بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يَفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: "يَرحَمُ الله أمَّ إسماعيلَ، لو تركَت زمزمَ ـ أو لو لم تغرف في الماء ـ لكانت زمزم عينًا مَعينًا"، فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها المَلك: لا تخافوا الضَّيعة، فإن ههنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يُضيِّع أهلَه.
وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرّت بهم رفقة من جُرْهم، مقبلين من طريق «كداء»، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على ماء، وعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأمّ إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك، قالت: نعم. ولكن لا حقّ لكم بالماء، قالوا: نعم، فقال ابن عباس: قال النبي ﷺ: «فألفى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الأُنس»، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى كان بها أهل أبيات منهم، وشبّ الغلام وتعلَّم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أمُّ إسماعيل، التي كانت محل احترام وتقدير في المجتمع الجديد، وذرف إسماعيل (عليه السلام) الدموع حزناً عليها، وشوقاً إليها، وشاركه في هذا الحزن الوادي كلّه نساء الحي ورجاله، بكوا بحرقة على السيّدة الكريمة المضيافة، بكوا أميرتهم وسيّدة مكّة فقد رحلت أوّل امرأة سكنت مكّة، وأوّل امرأة شربت زمزم، رحلت من اصطفاها الله لتكون أمّاً لإسماعيل وأمّاً لقبائل عظيمة من العرب، رحلت المناضلة التي صبرت على الابتلاء في الغربة وفي المعاناة والبذل لله وابنها البار إسماعيل، وضعها في قبر مع الدموع، والرضا بقضاء الله وقدره. (في ظلال الأنبياء قصصهم في القرآن والسنة، محمد حمد عبد الله الصوباني، ص64)
المراجع:
• إسماعيل (عليه السلام)، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق.
• القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، صلاح الخالدي، (1/387).، الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي سمعون جزومي، ص191.
• في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003 م.