الأحد

1447-11-02

|

2026-4-19

تعزية للشعب السوري وللأمة الإسلامية بوفاة العالم الأزهري والفقيه الشافعي الدكتور محمد حسن هيتو رحمه الله

 

قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]

إنَّ رحيل العلماء العاملين مصاب جلل وخسارة لا تُقدّر بثمن، فبموتهم تفقد الأمة منابر للهداية، وتغيب شموس البيان، وتنطفئ مصابيح الإرشاد. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

بقلوب مؤمنة وراضية بقضاء الله وقدره، بلغنا رحيل العلامة الدكتور محمد حسن هيتو، الذي وافته المنيّة في مدينة الكويت يوم الثلاثاء 7 رمضان 1447هـ الموافق 24 شُباط / فبراير 2026م، عن عمر ناهز 85 سنة هجرية، عند آذان المغرب هذا اليوم المبارك، ليختم رحلة عمر مديد في خدمة الدين والعلم.

عالم مسلم سوري أزهري، وأستاذ جامعي. يعد من كبار علماء أصول الفقه في عصره، ومن كبار فقهاء الشافعية، ومؤسس جامعة الإمام الشافعي في إندونيسيا. له اهتمام ومشاركة بالعلوم الشرعية الإسلامية المختلفة، كالعقيدة وعلم الحديث وعلوم العربية، وهو أديب شاعر. درس في جامعة الأزهر وحصل منها على شهادة دكتوراه. اشتَهَر بتشجيعه على الاهتمام بتعلُّم العلوم الشرعية وإتقانها، وذمِّ الجُرأة على الفتوى من غير علم كافٍ، وله كتاب في هذا الموضوع سمَّاه «المتفيهقون»

سيرته:

ولد في حي ركن الدين في دمشق عاصمة سوريا في الحادي عشر من ذي القعدة عام 1362هـ / الموافق العاشر من تشرين الأول عام 1943م، وهو عالم في علم أصول الفقه، وكثير من العلوم الشرعية الأخرى، كالعقيدة والفقه وعلم الحديث والتفسير والمنطق، إذ قام بدراستها بجامع الأزهر في مصر.

أصله وعائلته:

والشيخ محمد حسن هيتو من عائلة هيتو التي تنتمي إلى عشيرة الشيخانية، وهي عشيرة عربية عاشت بين الأكراد لمدة ستة قرون، وأصلها يعود إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي يعود نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضيَ الله عنه، وعائلة هيتو مشهورة بالاهتمام بالعلوم الدينية. فجد والد الشيخ كان قائداً عسكرياً كبيراً في الدولة العثمانية.

أما جده فكان عالماً بالفلك ومن كبار عائلة الآغا، توفى، وأنجب بنتاً وولداً، ونشأ والد الشيخ يتيماً، فقد توفيت أمه، وعمره تسعة أشهر، وتوفي أبوه، وعمره ست سنوات، فكفلته عمته، واعتنت به وبماله ولكنها لم تعتني بدراسته.

رحلته في طلب العلم:

كان والداه حريصين على تعليمه رغم أميتهما، فدخل المدرسة الابتدائية في مدرسة عثمان ذي النورين في دمشق، وكان مديرها الشيخ السلفي المشهور محمود مهدي الاستانبولي، الذي كان ذا منهج ديني، ويأخذ طلابه لصلاة الظهر والعصر في المسجد.

ثم درس المرحلة المتوسطة في (المعهد العربي الإسلامي)، وهو من أشهر المدارس في دمشق أسسه الإمام مصطفى السباعي رحمه الله، وكان المعهد حريصاً على تفوق طلابه، حيث كان يحضرهم إلى المعهد عند العصر للمطالعة، وكتابة الواجبات حتى الليل..

ثم التحق بمدرسة جودت الهاشمي الثانوية، فنجح بالثانوية بتفوق، وكان ينوي السفر إلى ألمانيا لدراسة الصواريخ والأقمار الصناعية، حيث كان توجهه علميا رياضيا، ولكن عندما كان في الصف الحادي عشر تحولت توجهاته العلمية إلى الرغبة بدراسة العلوم الشرعية، فأخبر أهله أنه يريد الذهاب إلى جامع الأزهر الشريف، فرفض أبوه ذلك رفضا قاطعا، خوفا عليه من أن “يعيش على الصدقات” كما كان يظن لجهله بحال العلماء، ولكن الشيخ أصر على السفر إلى الأزهر، وقال لأهله: “لو بقي في عمري يوم سأموته في الأزهر”، ولكن أباه رفض ذلك فاضطر الشيخ إلى التسجيل بكلية الشريعة بجامعة دمشق.

فلما عرف أبوه هذا غضب وأجبره على الانسحاب منها، فانسحب منها وسجل في قسم الجيولوجيا في كلية الآداب وهو غير راغب بها على الإطلاق، ثم قال لأهله أنه يرغب في الذهاب إلى ألمانيا فوافق أبوه على ذلك وفرح، ولكن رغبته في الدراسة في الأزهر كانت أكبر من إصرار أبيه ورفضه لذلك، فقام بدون علم أبيه بإخراج جواز سفر للقاهرة، فسافر أولاً إلى الأردن مدعيا أنه خارج في رحلة مع الجامعة، وذلك في عام 1964 م، ومن الأردن سافر إلى القاهرة، وقد كان الوضع السياسي في القاهرة متأزما في ذلك الوقت، فمنعوه من الدخول وأرادوا إرجاعه إلى سوريا، ولكنه رفض وأصر على البقاء، فظل في المطار حتى صدر قرار استثنائي سمح له بالدخول.

أراد الشيخ محمد أن يلتحق بالأزهر الشريف فواجهته بعض الصعوبات منها:

- أنه كان حاصلا على شهادة ثانوية علمية، والقانون كان يشترط على من يريد الالتحاق بكلية الشريعة أن يكون حاصلا على الشهادة الأدبية، ولكن يسّر الله تعالى له فتمكن من الالتحاق بعد عناء طويل وبعد أن نجح ببعض الامتحانات التجريبية.

عاش الشيخ في بداية مرحلته الدراسية بدون منحة دراسية، ولم يكن أهله يمدونه بالمال لمخالفته أمرهم، فعاش فقيرا في سبيل تعلم العلوم الشرعية الإسلامية، ثم فرّج الله تعالى عنه ونال المنحة الدراسية واتفق مع أهله، فتفرغ لطلب العلم.

استمر الشيخ بالدراسة في الأزهر حتى حصل على شهادة الدكتوراة في علم أصول الفقه، وعمل بعدها مدرسا في الكويت، وله نشاط في الدعوة الإسلامية، ومشاركة في إعداد الموسوعة الفقهية.

أخلاقه وسجاياه:

اتصف الشيخ محمد حسن هيتو بالصبر والجلد على طلب العلم، فلم يكن عنده قدر أو موقد يسخن فيه الماء، فكان يواصل الليل بالنهار في التحصيل.

وقد نسخ بيده أكثر من عشرة آلاف صفحة في أصول الفقه من الكتب المخطوطة والتي تهمه في دراسته العليا.

وشيخنا من العلماء الذين شغفوا بحب القراءة فهو واسع الاطلاع ولديه مكتبة غزيرة فيها كتب نفيسة نادرة، تبحر في علم أصول الفقه حتى حقق كتاب المنخول للإمام الغزالي، وكان عمره سبعة وعشرين عاماً.

وسئل د. محمد الزحيلي: ما رأيك في كتاب الاجتهاد للدكتور محمد حسن هيتو؟

فأجاب: "الدكتور محمد حسن هيتو من علماء الشافعية الكبار في عصرنا الحاضر ويؤلف أكبر كتاب في المذهب الشافعي، وهو الذي نشر المذهب في الكويت، فهو ثقة معتمد، أكاد أن أقول، وأرجو أن يسامحني هو متعصب للشافعية يحبهم حباً جماً "

أعماله:

يقول عنه الأستاذ الدكتور عبد الغفار الشريف وهو أحد تلاميذه:

((ولما وفد إلى الكويت فضيلة الشيخ الدكتور محمد حسن هيتو (حفظه الله) في سنة 1971 كمدير لمعهد الإيمان الشرعي بالمنقف، لازمته في دروسه العامة، ودرست عنده ما يلي:

1- إيضاح المبهم في شرح السلم (في المنطق)

2- شرح المحلي على ورقات الجويني، مع قراءات في حاشية الجاوي عليه.

3- تدريب الراوي للسيوطي (في مصطلح الحديث).

4- قراءات في شرح السيوطي على الموطأ مع إسعاف المبطان في رجال الموطأ للسيوطي.

5- دراسات في مغني المحتاج (في الفقه الشافعي).

6- دراسات في شرح ابن عقيل على الألفية.

7- حضور دروسه في تفسير الجلالين.

8- حضور بعض دروسه في شرح صحيح مسلم للنووي.

9- دراسات في العدة شرح العمدة للمقدسي (فقه حنبلي).

10- دراسات في التمهيد للأسنوي (تخريج الفروع على الأصول).

وهذه الدروس كانت موزعة في عدة أماكن، علاوة على دروسه في التفسير في مسجد مشاري الروضان.

ويعتبر الشيخ صاحب فضل كبير على فهو الذي حدد لي مسيرتي العلمية، وبناها على أصول صحيحة – فجزاه الله خيراً.

وهكذا كان دأب الشيخ محمد حسن هيتو حيث عمل مدرساً في الكويت، وله نشاط في الدعوة الإسلامية، فقد أعطى دروساً في العقيدة والفقه والأصول في الكويت، وما زالت له مشاركة في إعداد الموسوعة الفقهية هناك.

شيوخه:

• الشيخ شحاتة محمد شحاتة، درس عنده الفقه.

• الشيخ محمود عبد الدايم، درس عنده التوحيد والفقه الشافعي.

• الشيخ مصطفى مجاهد عبد الرحمن، درس عنده الفقه والأصول والتفسير.

• الشيخ مصطفى عبد الخالق، درس عنده أصول الفقه والنحو.

• الشيخ عبد الغني عبد الخالق، درس عنده أصول الفقه.

• الشيخ جاد الرب رمضان، درس عنده الفقه الشافعي.

• محمد سليمان الشندويلي، قرأ عليه روايتَي حفص وشعبة عن عاصم، وقراءة قالون وورش.

• الشيخ طه الديناري.

• الشيخ حسن وهدان.

• الشيخ الحسين الشيخ، درس عنده الفقه الخلافي.

• الشيخ كامل حسن، درس عنده التفسير.

• الشيخ محمد عمارة، درس عنده النحو.

• الشيخ محمد علي النجار، درس عنده النحو.

كتبه:

للشيخ مجموعة من الكتب قام بتأليفها، منها:

1. الحديث المرسل، حجيته وأثره.

2. الوجيز في أصول التشريع الإسلامي.

3. كشف الستر عن سنية القنوت في صلاة الفجر.

4. الإمتاع في أحكام الرضاع.

5. الدين والعلم.

6. العقل والغيب.

7. المتفيهقون.

8. الاجتهاد وطبقات مجتهدى الشافعية.

9. الإعجاز القرآني العلمي والغيبي.

10. الخلاصة في أصول الفقه.

11. الإمام الشيرازي: حياته وآراؤه الأصولية، وهي المقدمة لكتاب (التبصرة في أصول الفقه للشيرازي)

كما أبدع في تحقيق بعض الكتب، مثل لمنخول للإمام الغزالي، والتمهيد للأسنوي، مضيفًا إلى التراث الإسلامي لمسة علمية رصينة تحفظ له مكانته بين كبار علماء الحديث في العصر الحديث.

دعاء وختام:

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم اغفر لعبدك الشيخ الدكتور محمد حسن هيتو، وارفَع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجعل كتابه في عليّين، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.

اللهم اجعل علمه وعمله صدقةً جارية إلى يوم الدين، وأنِر قبره بنور وجهك الكريم، ووسّع عليه في قبره مدّ بصره، وبدّل غربته أنسًا ورحمة، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

اللهم كما نفع بعلمه في حياته، فاجعل أثره باقيًا بعد وفاته، وأجره متصلًا بكل من تعلّم منه أو عمل بعلمه أو اهتدى بهديه.

اللهم أنزله منازل الرضوان، واسقه من حوض نبيك المصطفى شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا، واجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

د. علي محمد محمد الصلابي

الأربعاء: 7 رمضان 1447هـ

الموافق 24 شُباط (فبراير) 2026م


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022