تعزية للشعب المغربي وللأمة الإسلامية بوفاة الأديب المفسر الشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو (رحمه الله تعالى)
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]
إنَّ رحيل العلماء العاملين مصاب جلل وخسارة لا تُقدّر بثمن، فبموتهم تفقد الأمة منابر للهداية، وتغيب شموس البيان، وتنطفئ مصابيح الإرشاد. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، يعتصرها الألم، ويغمرها الأسى، ننعى إلى الأمة الإسلامية، وإلى الشعب المغربي خاصة، وفاة علم من أعلام الهدى، وإمام من أئمة الدعوة والعلم، رحيل الشيخ العالم العلامة الأستاذ الدكتور عبد الهادي حميتو، الذي وافته المنية مساء الأحد 18 رمضان 1447هـ موافق 08 مارس 2026م، عن سن يناهز 83 عاما.
سيرته:
ولد عبد الهادي بن عبد الله بن إبراهيم حمِّيتو في شهر رجب سنة 1362هـجرية الموافق لسنة 1943ميلادية، في قبيلة الشياظمة نواحي الصويرة جنوب مراكش، وحفظ القرآن الكريم على يد والده في البادية، وهو ابن السابعة من العمر، كما حفظ المتون المتعلقة به في الرسم والضبط والتجويد، وانتظم في التعليم الأصيل، فقرأ المتون القديمة في العربية والفقه وغيرهما، كالآجرومية والألفية والجمل لابن المجراد، ولامية الأفعال لابن مالك، وقرأ الفقه المالكي في كتب عديدة، كمنظومة ابن عاصم، وحصل على الإجازة من كلية اللغة العربية بمراكش سنة 1972.
ودرس الأدب والتفسير على عدد من الأعلام، أمثال: د.الفاروق الرحالي، والأدب العربي على د.محمد نجيب البهبيتي ، والبلاغة على د.عبد السلام جبران، وقرأها قبل ذلك على الشيخ أحمد أَملَاَّح المسفيِّوي، وقرأ الألفية لابن مالك مرة ثانية على الشيخ الحسين راغب المسفيِّوي، وقرأ التاريخ العام على الشيخ محمد بازي الحاحي.
كما تلقى دراسته بمدرسة ابن يوسف بمراكش. ثم انتقل إلى دار الحديث الحسنية، وقرأ فيها على عدد كبير من العلماء، وحصلت فيها على شهادتين في الحديث وعلوم القرآن، ثم شهادة دبلوم الدراسات العليا. وحصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1979 منها، ببحث قدمه تحت عنوان: “اختلاف القراءات وأثره في استنباط الأحكام”، ثم على دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية والشريعة من نفس المؤسسة سنة 1995 ببحث عنوانه: “قراءة الإمام نافع عند المغاربة: دراسة في تاريخها ومقوماتها الأدائية من القرن الرابع الهجري إلى القرن العاشر”.
التحصيل العلمي في صحبة العلماء:
• درس الدكتور عبد الهادي حميتو الأدب العربي بفاس على يد مجموعة من الأساتذة منهم الأخوان الدكتورين صالح وعبد الكريم الأشتر العراقيان،
• والأدب الأندلسي على الدكتور عبد السلام الهراس،
• والأدب المغربي على الدكتور عباس الجراري، والدكتور مصطفى المعداوي، والدكتور إبراهيم السولامي،
• ودرس النقد الأدبي على الدكتور أمجد الطرابلسي الدمشقي.
• و في مراكش درس الأدب والتفسير على الدكتور الفاروق الرحالي،
• والأدب العربي على الدكتور محمد نجيب البهبيتي ،
• والبلاغة على الدكتور عبد السلام جبران، وقرأها قبل ذلك على الشيخ أحمد أَملَاَّح المسفيِّوي،
• وقرأ الألفية لابن مالك مرة ثانية على الشيخ الحسين راغب المسفيِّوي،
• وقرأ التاريخ العام على الشيخ محمد بازي الحاحي ،
• وفي الرباط قرأ على عدد كبير من العلماء ، منهم عمر المعداني، وعمر بهاء الدين الأميري، ومحمد بن تاويت الفاسي، وعبد الكريم الداوودي، والسيد إبراهيم بن الصدِّيق الغماري،
• ومن دار الحديث الحسنية حصل على شهادتين في الحديث وعلوم القرآن، ثم شهادة دبلوم الدراسات العليا.
أهم المناصب العلميَّة والوظيفية:
أسندت إلى الدكتور حميتو العديد من المهام والمناصب العلمية الرفيعة داخل المغرب وخارجه، تقديراً لمكانته وكفاءته :
عضو دائم في الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة (المملكة العربية السعودية).
عضو المكتب التنفيذي للـ الرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.
رئيس لجنة مراجعة المصحف المغربي الذي طبع سنة 2010م، وهو منصب رفيع يتطلب دقة بالغة وأمانة علمية عالية.
رئيس الهيئة العلمية بـ مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف.
أستاذ بـ معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية.
محكم دولي: شارك في التحكيم العلمي في العديد من المسابقات الدولية الكبرى، منها:
جائزة الملك عبد العزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده وتفسيره (بمكة المكرمة) .
مسابقة القاهرة الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده وتفسيره .
مسابقة دبي الدولية للقرآن الكريم .
مسابقة سيد جنيد بالبحرين .
عضو لجنة الفقه المالكي في موسوعة "الدليل" بدبي، حيث أنجز القسم الموكل إليه في موضوعات الوكالة، الغصب، الاستحقاق، الوديعة، والإقرار .
كان مشرفا على دار صغيرة للقرآن الكريم في الجريفات بآسفي، منذ عام 1420هـ. كما أشرف على رسائل جامعية في مختلف الكليات المغربية.
مكانته العلمية:
وصفه تلاميذ ومعاصرو الدكتور حميتو بأنه "موسوعة في عصر التخصصات"، وهذا الوصف لم يأت من فراغ، فقد تميز بتنوع معارفه ورسوخ قدمه في فنون متعددة :
في علم القراءات والتجويد: كان إماماً محققاً في هذا الفن، عارفاً بطرقه وأسانيده، متقناً لخلافاته وأصوله. يُعتبر المرجع الأول في المغرب لمسائل القراءات ورسم المصحف وضبطه. تميز بجمع الرواية والدراية، فلم يكن مجرد قارئ، بل كان مؤرخاً دقيقاً للمدارس القرائية وتحولاتها .
في الفقه المالكي وأصوله: إلى جانب تخصصه الدقيق في القراءات، كان فقيهاً مالكياً بصيراً بالاستدلال والتعليل، قادراً على استنباط الأحكام من النصوص وربط الخلاف القرائي بالخلاف الفقهي، كما هو واضح في أبحاثه ودراساته .
في الحديث النبوي وعلومه: كان محدثاً بصيراً بعلل الحديث، ومتمرساً في علم الرجال (الجرح والتعديل)، وهو ما تجلى في تحقيقاته ومعاجمه عن شيوخ أبي عمرو الداني والمحدثين .
في اللغة العربية والأدب والشعر: كان أديباً وشاعراً مجيداً، له قصائد جميلة تشهد له ببراعة في النظم والإنشاء. كما أن عنايته بالتصحيف في التراث تدل على دقته اللغوية وحسه العالي بسلامة النص .
المؤلفات والآثار العلمية:
ترك الدكتور حميتو (رحمه الله) مكتبة علمية زاخرة بالكتب والبحوث القيمة، التي تميزت بالعمق والتحقيق وتصحيح الأخطاء الشائعة. من أبرز مؤلفاته:
الكتب والمؤلفات المستقلة:
1. قراءة الإمام نافع عند المغاربة (دراسة في تاريخها ومقوماتها الأدائية) - صدر في سبعة أجزاء عن وزارة الأوقاف المغربية. وهو موسوعته الكبرى .
2. الدليل الأوفق إلى رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق - صدر عن وزارة الأوقاف السعودية في 486 صفحة.
3. زعيم المدرسة الأثرية في القراءات وشيخ قراء المغرب والمشرق الإمام أبو القاسم الشاطبي - دراسة عن قصيدته "حرز الأماني" وإشعاعها العلمي - صدر عن أضواء السلف بالرياض (2005م) .
4. حياة الكُتَّاب وأدبيات المحضرة (صور من عناية المغاربة بالكتاتيب والمدارس القرآنية) - جزآن - وزارة الأوقاف المغربية (2006م) .
5. معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني - طبعته الثانية عن دار الغوثاني بدمشق (2010م) .
6. معجم مؤلفات الحافظ أبي عمرو الداني - طبعته الثانية عن مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض .
7. من جنايات التصحيف على علم المصحف الشريف وأثرها على الدراسة ومجامع التصحيح - صدر عن مركز الموطأ (2018م) .
8. إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي - صدر عن الرابطة المحمدية للعلماء بمناسبة حصوله على جائزتها التقديرية (1431هـ) .
9. منظومة في الأذان والإقامة (في حوالي 1200 بيت) مع شرحها .
10. أبو عبد الله الخراز ومدرسته في قراءة نافع ورسمها وضبطها من خلال أرجوزته مورد الظمآن .
البحوث والدراسات المحكمة (نماذج):
· اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام (بحث الدراسات العليا) .
· نظرات في كتاب إعراب القرآن للأصبهاني .
· أساليب المنهج النبوي في تعليم القرآن الكريم .
· من آفات التصحيف في تراجم أئمة القراء (نشر في مجلة الحكمة) .
· وقف الإمام الهبطي بوصفه أحد أهم مياسم التلاوة في المغرب .
· مختارات من الأطروحات والرسائل المقدمة إلى دار الحديث الحسنية .
شهادة من أحد طلابه:
كتبها عبدالله بنطاهر المشرف على مدرسة الإمام البخاري الخاصة للتعليم العتيق أمنه الله آمين:
"شهادة صدق ومحبة واحترام وتقدير
الدكتور سيدي عبد الهادي حميتو "موسوعة في عصر التخصصات"
كان العلماء قديما يتميزون بالتوسع في العلوم؛ فنجد العالم لغويا محدثا مقرئا مفسرا مؤرخا فيلسوفا شاعرا أديبا، اطلب ما شئت ممن شئت منهم فستجد الجواب الشافي الكافي الوافي الصافي؛ فهم قمة في جميع العلوم.
ثم في هذا العصر توسعت العلوم وكثرت الهموم وقصرت الهمم، فلم يستطع العلماء الوصول في كل شيء الى القمم؛ فظهرت التخصصات، وليس في علم من العلوم دون غيرها فقط؛ بل في علم واحد، حيث يقسم الى أجزاء تخصصية خاصة؛ فنجد في الفقه مثلا متخصصا في العبادات، وآخر في المعاملات؛ بل أكثر من ذلك متخصصا في فقه الأسرة وآخر في فقه الشركات وآخر في الميراث وآخر في الحج وآخر في الطهارة وهلم جرا...
إلا أن لكل قاعدة استثناء، والاستثناء هنا هو القلة القليلة التي تتميز بالنبوغ والتنوع، ومن هذا الاستثناء في هذا العصر شيخنا الكريم واستاذنا الجليل الدكتور سيدي عبد الهادي حميتو، الذي أستطيع أن أصفه بدون مجاملة بـ: الفقيه المحدث المقرئ المفسر اللغوي الأديب الشاعر المؤرخ المدرس لشتى الفنون والعلوم، وغير ذلك من الصفات العلمية الدقيقة التي ليست مدحا في فراغ؛ بل هي صفات لم أستطع أن أستوعب بها ما يتمتع به هذا العالم الجليل من الدقة والتدقيق والضبط والانضباط والتحقق والتحقيق.
وأنا لا أقول هذا من فراغ أو من مجرد لقاء عابر معه، كما أنه ليست نشوة عابرة ناشئة من حب عالم؛ ألم يقل قديما: "ما سمي السفر سفرا إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال" فقد شاء الله أن يجمعني معه في سياحة قرآنية قطعنا بها مسافات في المغرب شماله وجنوبه شرقه وغربه، آلاف الكيلومترات بمعدل شهر من كل سنة لمدة ثلاث سنوات، حيث كنت معه في لجنة التحكيم لجائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية، نتتبع المحفظين في المغرب تقويما وتقييما وتوجيها وتنبيها.
وكنت السائق للسيارة، ويجلس الأستاذ بجانبي وهو بحر من العلوم تتلاطم أمواجه؛ فيتدفق حفظا وشرحا وتأويلا وإبداعا؛ وأحيانا -وأنا السائق- يرى أن العياء بدأ يتسرب الي بدني وأن السبات بدأ يداعب أجفاني، ولا يخفى ما في ذلك من الخطورة (السياقة والتعب) فيبادر بإنعاشي بمنعشات علمية وفوائد دقيقة؛ شعرا ونترا، لا تكاد تستوعب منه فائدة حتى يزودك بأخرى، يضرب في جميع الاتجاهات، فيجيب مفحما في المناقشات، مقنعا في الحوارات، مدققا في المعلومات...
فإن كنت أنسى فلن أنسى يوم خرجنا من عاصمة العلم في المنطقة الشرقية مدينة الراشيدية قاصدين العاصمة العلمية للمنطقة السوسية مدينة أكادير عبر طريق (الريصاني تزناخت) وهي يومها طريق ضيق خلاء لا تكاد تصادف فيه أحدا؛ فقد أنساني الشيخ تعب الطريق ووعثاء السفر وكآبة المسافر؛ بشعر بليغ شامل عبر محطات تاريخية؛ من الشعر الجاهلي إلى الاسلامي إلى الأموي والعباسي والأندلسي والمغربي القديم منه والحديث...
علاوة على تميزه في القرآن وعلومه وخصوصا القراءات، والحديث وعلومه وخصوصا علم الرجال، والفقه وأصوله وخصوصا الاستدلال والتعليل، والتاريخ والسير وخصوصا السيرة النبوية، واللغة وعلومها وخصوصا النحو والصرف، والشعر والشعراء فهو فيه المنشد والمنشئ؛ وكل ذلك كان منه لهجته وبهجته...
وباختصار فشيخنا سيدي عبد الهادي حميتو هو (الموسوعة في زمن التخصصات)...
حفظه الله. وحافظ به العلوم والفنون آمين....
16 ربيع الأول 1436 هج 8/ 1/ 2015م"
……..
اللهم اغفر لعبدك الشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو ، وارفَع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واجعل كتابه في عليّين، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
اللهم اجعل علمه وعمله صدقةً جارية إلى يوم الدين، وأنِر قبره بنور وجهك الكريم، ووسّع عليه في قبره مدّ بصره، وبدّل غربته أنسًا ورحمة، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
اللهم كما نفع بعلمه في حياته، فاجعل أثره باقيًا بعد وفاته، وأجره متصلًا بكل من تعلّم منه أو عمل بعلمه أو اهتدى بهديه.
اللهم أنزله منازل الرضوان، واسقه من حوض نبيك المصطفى شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا، واجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب.
اللهم ألهمنا فيه الصبر، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده، وتوفّنا وأنت راضٍ عنّا يا أرحم الراحمين.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
د. علي محمد محمد الصلابي
20 رمضان 1447هـ
الموافق 9 مارس (آذار) 2026م