الإثنين

1447-11-03

|

2026-4-20

الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله) في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فاننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالما عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة علمية اصيلة وتفتح وعيه مبكراً على قضايا الامة وهمومها. وكانت رحلته في طلب العلم وما رافقها من مواقف ومحن عاملاً حاسماً في بناء شخصيته القيادية والدعوية. ولم تكن السجون التي مر بها الا محطات زادته صلابة وثباتاً واِدراكاً لطبيعة الصراع. ومن خلال هذه المرحلة تتجلى لنا حقيقة ان البناء الحقيقي يبدأ من عمق التكوين قبل ساحات العمل. وهذه قراءة أقدمها شهادة، واستفادة أستلهم منها معاني الدعوة، ومسؤولية العالم في زمن التحولات.

- الشيخ السباعي في مصر ..

بعد أن خرج السباعيّ من السجن توجّه إلى مصر عام 1933م لمتابعة دراسته بالأزهر الشريف بكلّيّة الشريعة تخصّص أصول الفقه والأصول، ولم يمضِ على السباعيّ عام واحد حتّى كان هو المعبّر عن حاجات الطلبة غير المصريّين ومطالبهم بالأزهر الجديد، وقد خطب في أوساط الطلبة خطبة تاريخيّة ظهرت مواهبه الطابيّة والقياديّة، فقد استهلّت هذه الخطبة بالإشادة بمصر، وقد أشاد بها في مناسبات كثيرة بعد ذلك، فقال: "بوركتِ يا مصر، مهد الحضارة، وموئل العلم، ومنبع العرفان، وموطن العظماء، ومحطّ رجال العلماء، وحاملة لواء الإسلام"، ثمّ وصف الأزهر بأنّه: "مهد النبوغ، وكعبة العلماء، وقبلة أنظار المسلمين في الشرق والغرب، ما زال الدهر ألف عام ناشراً العلم، ناشراً للمعارف، غير عابئ بصروف الأيّام ومصائب الحدثان".

وتوجّه إلى الطلبة المصريّين قائلاً: "إنّكم يا إخواني الطلبة المصريّين اجتمعتم هنا لترفعوا الصوت عالياً ببيان ما ترونه من مواطن الضعف في حالتكم العامّة، ونحن معاشر الغرباء أولى منكم ببيان ما أُصيب به أواصر الأزهر بالعالم الإسلاميّ حتّى غدت مهدّدة بالانفصام، ومن حقّ الأمانة والإخلاص ألّا يكتم هذه الأمور من يعرفها".

ثمّ بعد أن انتقد بعض المسائل الإداريّة والعلميّة لم يتردّد في أن يقول: "والغريب أنّ الدوائر الأزهريّة حينما تسمع بشكايات الغرباء على صفحات الجرائد يتبادر إلى تكذيبها بدعوى أنّ للغرباء حقوقاً كثيرة ليست للمصريّين، فأين هذه الحقوق؟ وأين العناية بهم؟"

وأخيراً ختم كلمته بقوله: "فباسم ألف طالب غريب أضمّ صوتي إلى أصواتكم راجياً ضمّ أصواتكم إلينا حتّى يتمّ الإصلاح المنشود، ويد الله مع الجماعة". (مصطفى السباعي، د.عدنان زرزور، ص102).

وسرعان ما قادت هذه الموهبة طلبة الأزهر، في العام نفسه 1934م، في مظاهرة ضخمة ضدّ الاحتلال البريطانيّ فألقت السلطات الاستعماريّة القبض عليه وأودعته السجن. وعمل بعض شيوخ الأزهر على إخراجه من السجن ووقفوا معه في محنته (مصطفى السباعي، د.عدنان زرزور، ص102).

ومضت بضع سنوات حتّى عام 1941م حيث اتّهمته القيادة البريطانيّة بتشكيل جمعيّة سرّيّة لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلانيّ في العراق، وبتحريض المصريّين على الثورة، فألقت عليه القبض وسجنته لمدّة أربعة أشهر (مصطفى السباعي، د.عدنان زرزور، ص103)، ثمّ نقلته سلطات الاحتلال إلى غزّة بفلسطين، ومنها عاد إلى سورية لتعيد السلطات الفرنسيّة اعتقاله من جديد فور وصوله، وأدخلته في سجون (الميّة وميّة) وفي قلعة (راشيا) في لبنان أكثر من ثلاثين شهراً (سنتين ونصف) تحت التعذيب وفي الأشغال الشاقّة. (مجموع مؤلّفات مصطفى السباعي، (1/7)).

أمضى السباعيّ في هذه المرحلة 8 سنوات في مصر ساهمت في تشكيل شخصيّته ووعيه ومستقبل كفاحه وجهده، ولعلّ المحطّات التالية كانت الأوضح تأثيراً:

الاستفادة العلميّة من الأزهر وبعض شيوخه الكبار، حيث لعب ذلك دوراً في تأسيسه لاحقاً كلّيّة الشريعة بدمشق.

اتّصاله بالأستاذ محبّ الدين الخطيب صاحب مجلّة الفتح، التي تأثّر بها وهو فتى، وأصبح من كُتّابها المرموقين.

اتّصاله بالإمام حسن البنّا واقتباسه من فكره في العمل الإسلاميّ لينسج على منواله حراكه المستقبليّ في سورية.

مقاومة الاستعمار البريطانيّ وحمله هموم الأمّة، ونفخة تلك الروح بمن حوله في مصر. (مجموع مؤلّفات مصطفى السباعي، المصدر السابق، (1/7).

وكانت مقالته قويّة وشديدة، وكذلك خطبه ضدّ الاستعمار، ومن هذه المقالات: "لم يبقَ بعد هذا شكّ في سوء مقاصد المستعمرين، وأنّ عهودهم إنّما كانت حبراً على ورق، اتّخذوها شباكاً وحبائل، فكان ضربة لازب علينا بعد هذا كلّه أن نعمل على ما يصون كرامتنا ما يردّ إلينا حقوقنا، وأن نسيء الظنّ بكلّ ما يقدّمه إلينا هؤلاء مهما زيّنوه بشتّى الزخرفة والبهرجة.

ولكن المؤسف المؤلم أنّ الجمهرة من هذه الأمّة ما برحت تعتقد أنّه لا يزال في الدنيا عدل ورحمة، فكلّما أصابتهم شدّة من دول الاستعمار لجؤوا إلى أساليب النساء فأبرقوا واحتجّوا ولكن إلى من؟ إلى عصبة الأمم؟ إلى وزارة الخارجية؟ إلى المندوب السامي؟ إلى الصحف والمجلّات؟

والمستعمرون يقابلون هذا كلّه بابتسامة عريضة فيها كلّ معنى الهزء والازدراء، ثمّ يضحكون علينا بتأليف لجان للتحقيق وما أشبهها حتّى تهدأ ثورتنا الكلاميّة وتخفّ حملاتنا الثرثارة". وكان خطابه للشباب عن معاني الرجولة والإقدام والإخلاص والثبات.

- عودة الشيخ السباعي من مصر إلى سورية

بعد أن أطلقت السلطات الفرنسيّة سراح السباعيّ عاد إلى حمص واشتغل بالتدريس وذلك عام 1944م، فدرّس مادّتي اللغة العربيّة والتربية الإسلاميّة في ثانويات حمص، وشارك في تأسيس الرابطة الدينيّة، ثمّ انتقل إلى دمشق فأسّس (المعهد العربيّ الإسلاميّ)، وكان أوّل مدير له، وشارك في تأسيس (جمعيّة شباب محمّد ﷺ) و(جمعيّة الشبّان المسلمين).

وفي عام 1945م شارك مع عدد من إخوانه في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية، وكان أوّل مراقب عامّ لها.

وفي العام نفسه 1945م قاد الثورة المسلّحة على الاستعمار الفرنسيّ في مدينة حمص، وأطلق الرصاصة الأولى إيذاناً بالكفاح المسلّح حتّى يتحقّق جلاء المستعمر عن أرض الوطن، وتمّ ذلك عام 1946م.

وفي عام 1948م قاد السباعيّ المجاهدين السوريّين وشارك بهم في حرب فلسطين، وخاضوا ضدّ اليهود معارك ضارية على مشارف القدس، وكان لهم شرف الإبقاء على عروبة القدس الشرقيّة والحفاظ على المسجد الأقصى المبارك.

وفي عام 1949م خاض السباعيّ الانتخابات عن مدينة دمشق ونال أكثر الأصوات، وكان أحد الأعضاء البارزين في الجمعيّة التأسيسيّة في لجنة الدستور التي وضعت أوّل دستور لسورية بعد الاستقلال، ثمّ صارت الجمعيّة برلماناً وانتُخب السباعيّ نائباً للرئيس.

وفي عام 1950م نال شهادة الدكتوراه من الأزهر في مصر برسالته العلميّة الفذّة (السنّة ومكانتها في التشريع) وهو أوّل مؤلَّف له. وعُيِّن في العام نفسه مدرِّساً للحقوق في الجامعة السوريّة، جامعة دمشق الآن، ثمّ صار رئيساً لقسم الفقه ومذاهبه في الكلّيّة. (مجموع مؤلّفات مصطفى السباعي، المصدر السابق، (1/9).

وفي عام 1952م تقدّم السباعيّ وإخوانه بطلب إلى الحكومة السوريّة للسماح لهم بمشاركة إخوانهم المصريّين لمحاربة الإنجليز في قناة السويس، فما كان من رئيس الحكومة أديب الشيشكليّ إلّا أن أمر بحلّ جماعة الإخوان المسلمين واعتقال السباعيّ وإخوانه وإلقائهم بالسجن، ثمّ أصدر أمر بفصل السباعيّ من الجامعة السوريّة وأبعده خارج سورية إلى لبنان. (أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، (3/1233)).

بعد رحيل أديب الشيشكليّ 25 شباط 1954م وفي عهد الرئيس الأتاسيّ استطاع السباعيّ تأسيس كلّيّة الشريعة عام 1955م بعد أن خاض معركة شرسة ضدّ العلمانيّين الذيم حاولوا الحيلولة دون ذلك، وكان أوّل عميد للكلّيّة (مجموع مؤلفات السباعي، (1/9))

وتمّ الاحتفال الرسميّ بافتتاح الكلّيّة بتاريخ 2/4/1955م برعاية الرئيس هاشم الأتاسيّ وحضوره، وقد حضر معه رئيس المجلس النيابيّ ورئيس الحكومة والوزراء، كما حضر الحفل السفراء والعلماء ولفيف من أساتذة الجامعة، وألقى السباعيّ كلمته وختمها بقوله: "لقد قال التاريخ قبل قليل: في 27 رمضان 1373ه وُلدت كلّيّة الشريعة، وسيقول التاريخ بعد قليل: وفي ذلك اليوم أيضاً عرفت الأمّة سبيلها الصحيح إلى تحقيق حلمها الجميل، حلم العيش في وطن تحكمه شريعته، ويسود فيه قانونه، والسير في طريق أوّله الخلود وآخره الجنّة". (مصطفى السباعي الداعية المجاهد، ص313).

وقد تسلّم الأستاذ السباعيّ عمادة الكلّيّة في المرحلة العصيبة فسار بها مع اللجنة يشقّ لها الطريق في خضمّ الأمواج والأعاصير بمهارة الربّان الخبير، والقائد الشجاع المؤمن المخلص الذي يبتغي رضا الله قبل هواه، وقد وهب الكلّيّة في تلك المرحلة من روحه وحيويّته وعلمه وتوجيهه أثراً توارثه تلاميذه من بعده. (مصطفى السباعي وجهوده في السنة والفقه، ص123).

- إنشاء موسوعة الفقه الإسلاميّ

تعتبر موسوعة الفقه الإسلاميّ من أجلّ أعمال السباعيّ في خدمة العلم فضلاً عن خدمة الإسلام، وهي عبارة عن موسوعة للفقه الإسلاميّ تضمّ مختلف المذاهب والآراء الفقهيّة بأسلوب علميّ معاصر، يسهل على الباحثين ورجال التشريع والقانون الرجوع إلى الثروة الفقهيّة الإسلاميّة الموزّعة في بطون الكتب والمراجع القديمة، خصوصاً وأنّ قسماً كبيراً له طريقته الخاصّة التي لم تعد مألوفة الآن في الكتابة والتأليف وطريقة العرض، وقد تجلّت من خلال هذه الموسوعة فكرة السباعيّ الجليلة في خدمة الفقه الإسلاميّ التي تتمحور حول: عرض الفقه الإسلاميّ بجميع مذاهبه وآراء فقهائه عرضاً علميّاً حديثاً يتجلّى فيه سعة هذا الفقه وعظَمَته وغناؤه واحتواؤه، بمجموع هذه المذاهب والآراء، على ثروة تشريعيّة تجد فيه كلّ دولة وكلّ شعب المبادئ التشريعيّة لأرقى القوانين والأنظمة في كلّ عصر.

واعتمد رئيس الجمهوريّة هذا المشروع بالمرسوم رقم (1711) بتاريخ 3/5/1956م، وتألّفت لجنة تضمّ المختصّين بهذا الموضوع من رجال الفقه والقانون من كلّيّتي الشريعة والحقوق بالجامعة السوريّة، وهم: الدكتور مصطفى الزرقاء، والدكتور معروف الدواليبيّ، والدكتور يوسف العش لوضع أسُس العمل في هذه الموسوعة وطريقة إخراجها، وكانت اللجنة برئاسة السباعيّ، وبعد جهود متواصلة أصدرت اللجنة نشرة عن الموسوعة وأهدافها ونظام الكتابة وأسلوب عرض الآراء الفقهيّة في مختلف المذاهب، ونصّت على المذاهب الأربعة ومذاهب الظاهريّة والإماميّة والزيديّة والإباضيّة، كما نصّت على أنّها ستذكر آراء الفقهاء ولو لم تكن لهم مذاهب مدوّنة كالثوريّ والأوزاعيّ والطبريّ وغيرهم (مصطفى السباعي وجهوده في السنة والفقه، المصدر السابق، ص84). وكأنّ هذا المشروع يهدف لإحياء التراث الفقهيّ الإسلاميّ العظيم وبعثه بقالب جديد يلائم التطوّرات الاجتماعيّة والتشريعيّة الحديثة (مصطفى السباعي وجهوده في السنة والفقه، المصدر السابق، ص85).

ملاحظة: هذه المقالة ضمن سلسلة من ٦ مقالات عن حياة الشيخ مصطفى السباعي وشهادتي به. وهذه معلومات مستقاة من مسودة كتاب عن مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح والسياسة.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022