الأربعاء

1447-10-27

|

2026-4-15

صبر أولي العزم من الرسل عليهم السلام ... نوح عليه السلام نموذجاً

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

الصبر من أعظم الأخلاق التي تميّز بها الأنبياء عليهم السلام في مسيرتهم الدعوية، وقد تجلّى هذا الخُلُق بأسمى صوره في سيرة أولي العزم من الرسل، ومنهم نبي الله نوح عليه السلام، فقد واجه قومه بدعوة التوحيد زمناً طويلاً، صابراً على تكذيبهم وإعراضهم وسخريتهم، دون أن يفتُر عزمه أو يضعف يقينه، واستمر في دعوتهم قرابة ألف سنة إلا خمسين عاماً، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، مؤسساً بذلك منهجاً راسخاً للأنبياء من بعده في الثبات على الدعوة وتحمل الأذى في سبيل الله. وتبرز قصته نموذجاً تربوياً عظيماً يبيّن قيمة الصبر وآثاره في الثبات والنصر وبناء المجتمعات المؤمنة. وقد أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر على الدعوة، وأن يقتدي بأولي العزم من الرسل في صبرهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: 35].

ويتفاوت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويتفاضلون في الصبر، فصبر أولي العزم من الرسل هو أعظم الصبر؛ لأنهم واجهوا من الأذى والصد ما لم يواجهه نبي قط، وقد جاء التنويه بذكر صبرهم في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، فنوح (عليه السلام) من أولي العزم، صبر في دعوته لقومه صبراً عظيماً (عبدالعزيز الجليل، 3/107).

فما أصبر نوحاً (عليه السلام) على قومه، فقد أنذرهم لأجل أن يتعظوا ويخشوا الله فيما يفعلونه فلم يستجيبوا، ومع ذلك صبر على أنهم لم يستجيبوا لدعوته التي دعاهم إليها أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، ولقد استمر فيهم داعياً ومبيناً لهم خطورة كفرهم وشركهم بالله، ومع ذلك فلم يستجيبوا أيضاً، وأعاد الكرة عليهم مرات عديدة؛ لأجل أن يتقوا الله ويؤمنوا به فلم يستجيبوا، وأنبأهم ليلاً ونهاراً بمغفرة الله لمن يؤمن منهم ويتوب ويتقي، فازدادوا ضلالاً وإصراراً واستكباراً، ومع ذلك صبر ولم يستسلم لرفضهم واستكبارهم فازدادوا إصراراً، وهكذا كلما ازدادوا إصراراً ازداد نوح صبراً (عقيل حسين عقيل، ص 89).

عاش نوح (عليه السلام) عمراً مديداً، ودهراً طويلاً منها ألف سنة إلا خمسين عاماً لبثها في دعوة قومه إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له والحث على تقواه وطاعته، لا يكل ولا يمل، ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً وجهاراً، وهذا من شدة حرصه على قومه، والتزامه أوامر في تبليغ دعوته.

إنَّ دعوة نوح (عليه السلام) والرسالة التي كلفه الله تعالى بتبليغها إلى قومه كانت تؤسس منهجاً عاماً للأنبياء والرسالات بعد نوح عليه السلام؛ وذلك لأنها:

- أول دعوة تحمل شريعة بعد آدم عليه السلام.

- طول المدة التي استغرقتها.

- الإيمان هو الأصل.

- الشرك والكفر هما طارئان.

- إظهار أسلوب الدعوة.

- توضيح طريق الدعوة.

- الدعوة من حيث الزمن ﴿ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾.

- الدعوة من حيث الوقت ﴿ليلاً ونهاراً﴾.

أسست نبوة نوح (عليه السلام)، ودعوة قومه - هذه المدة الطويلة - للأنبياء: النهج، الفكر، الأسلوب، المطاولة، الجدل، الحوار، الصراع، الابتلاء، العبر، وما من نبي جاء بعد نوح إلا وكان له في نوح أسوة حسنة (عقيل حسين عقيل، ص 246).

وكذلك لمن حوله من أتباعه الذين آمنوا به، فهل هناك أعظم من صبر نوح (عليه السلام) الذي بقي يدعو قومه قرابة عشرة قرون من الزمن، ثم بعد ذلك لم يؤمن معه إلا قليل، ولذا أخبر الله تعالى أن نوحاً بقي في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، تسعة قرون ونصف قرن، ومع هذه المدة الطويلة قال تعالى: ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]، فهذه دلالة على عظيم صبر نوح عليه السلام، ذلك الزمن الطويل وهذه الفترة المديدة في دعوة قومه إلى الله.

وكيف لا يكون نوح من الصابرين، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، فكان الله معه في كل لحظة من حياته ومن خلال دعوته، فقد قال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود:37]، وعندما صنع الفلك برعاية الله تعالى وعنايته ووحيه، كان نوح (عليه السلام) صابراً على كل ما يلاقيه من أذى قومه، محتسباً ذلك عند الله عز وجل (عقيل حسين عقيل، ص 248).

إنَّ نوحاً (عليه السلام) تميَّز في حياته بصفة الصبر، والتي كانت من أسباب الثبات والنصر على الأعداء وهو محل قدوة وأسوة إذ صبر على تكذيب قومه وما لقيه من الإيذاء والسخرية إلى أن جاء نصر الله المبين ونصره على القوم الكافرين، وهذا يدلُّنا على حسن عاقبة الصبر، فمن كان أصبر كان أجدر بالنصر.

كان نوح (عليه السلام) مدرسة فريدة من نوعها في الصبر والتحمل، وقد غرس هذا الخُلق في أتباعه، فكان المجتمع الجديد بعد الطوفان في أشد الحاجة إلى التخلق بهذه الصفة في أفراده وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية والحضارية، وللصابرين درجات وفضائل تترى بيّنها الله عز وجل في كتابه، فقد ترتب على الصبر خيرات الدنيا والآخرة:

ا- اِختصهم الله بمعيته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:153].

ب- في سياق الفئة الثابتة مع طالوت يأتي الثناء عليهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]، وهي معية خاصة تتضمن الحفاظ والرعاية والتأييد.

ج- محبة الله تعالى لهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].

د- إطلاق البُشرى لهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ١٥٦ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ١٥٧﴾ [البقرة: 155-157]، وكان عمر بن الخطاب يقرؤها ويقول: نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين، ويعني بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الهدى.

ه- إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، وتوفيقهم أجورهم بغير حساب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10]. قال الإمام الغزالي رحمه الله فما من قربة إلا وأجرها بتقديرٍ وحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر وأنه نصف الصبر، قال الله في الحديث القدسي: الصوم لي وأنا أجزي به، فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات (أبو حامد الغزالي، 4/310). وقال العلامة ابن القيم: الصبر نصف الإيمان، فإن الإيمان نصف صبر ونصف شكر (ابن قيم الجوزية، 2/115).

و- الحصول على درجة الإمامة في الدين، وقد نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية قوله: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين (ابن قيم الجوزية، 2/115)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. وقرأ سفيان بن عيينة الآية فقال: أخذوا برأس الامر – يعني الصبر – فجعلهم رؤساء (أحمد الرقب، ص 159).

إن خُلق الصبر وقيمته أصيلة في نشأة الحضارات الإنسانية، ولا يمكن أن ترتقي على المستوى المادي والمعنوي إلا بخلق الصبر على مستوى القيادة والأفراد والمجتمع، فمن ملامح ومعالم الحضارة الإنسانية الثانية خلق الصبر الذي تميز به نوح (عليه السلام) وربى عليه أتباعه.

المصادر والمراجع:

1. عبدالعزيز ناصر الجليل. وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم، دار طيبة، السعودية، الرياض، الطبعة الثانية، 1419ه- 1998م.

2. عقيل حسين عقيل. نوح عليه السلام من وحي القرآن، دمشق، دار ابن كثير، ط1 2011م.

3. أبو حامد الغزالي. إحياء علوم الدين لحجة الإسلام، دار الكتب العلمية، بيروت.

4. ابن القيم الجوزية. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفضي، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1412ه.

5. أحمد سليمان الرقب. منهج الدعوة إلى الله في سورة نوح، دار المأمون، الأردن، طبعة الأولى، 1431ه- 2010م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022