من صفات أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ... الشجاعة
بقلم: د. علي محمد الصلابي
كانت الشجاعة من أهم وأبرز صفات أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ تجلت في مواقفه العظيمة التي خلدها التاريخ الإسلامي خلال سيرته ومسيرته، فلم تكن شجاعته مقتصرة على ميادين القتال فحسب، بل ظهرت أيضاً في ثباته على الحق، واستعداده للتضحية بنفسه وماله في سبيل الله، ومن النماذج الدالة على ذلك:
1- خروجه للجهاد في سبيل الله، وحضوره المشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ، وإذا اتُّهم بتخلُّفه في بدرٍ؛ فقد سبق أن قلنا: إنَّ ذلك كان بأمرٍ من رسول الله ﷺ، ثمَّ عدَّه رسول الله ﷺ من الّذين شهدوها، وأعطاه سهمه منها، ونال أجره إن شاء الله وليس بعد كلام رسول الله كلامٌ.
2- سفارةُ رسول الله ﷺ إلى قريشٍ في الحديبية: امتثل عثمان رضي الله عنه -كما مرَّ معنا- طلب الرَّسول ﷺ، وذهب إلى قريش، وهو يعرف ما أقدم عليه، غير أنَّ رجولته، وبطولته قد أبتا عليه إلا الامتثال، والطَّاعة.
إنَّ مَنْ يقبل السَّفارة في مثل تلك الظُّروف لَشجاعٌ عظيمٌ، وبطلٌ من الأبطال النَّوادر، صحيحٌ: أنَّها أمرٌ من رسول الله ﷺ، ولكنَّها في الوقت نفسه شجاعةٌ، لا يمكن أن يقبل بها جبانٌ، بل رجلٌ عاديٌّ (شاكر، ص 197).
3- الفداء بالنَّفس: عندما حوصر رضي الله عنه في داره؛ طلب منه المارقون التَّنازل عن الخلافة لا خيارَ غيره، أو القتل، أو عزل ولاته، وتسليم بعضهم، فأصرَّ على موقفه، مضحِّياً بنفسه من أن تصبح الخلافة بيد ثلَّةٍ تُزيح مَنْ ترغب، وتُعيِّن من تحبُّ، أو تنزع الخلافة من صاحبها الّذي اختارته الأمَّة، ويصبح ذلك قاعدةً (شاكر، ص 197)، فأصرَّ على موقفه، وهو يرى الموت في سيوف المحاصرين، وإنَّ الّذي يقف هذا الموقف لَهُوَ الشُّجاع، وإنَّه لصاحب حقٍّ، ولن يقف هذا الموقف رجلٌ جبانٌ، أو محبٌّ للدُّنيا أبداً، فالحياة عند هؤلاء الجبناء أفضل من المكانة، ومن الدُّنيا كلِّها (شاكر، ص 197)، ولكنَّ هذا الإصرار العجيب، والعزيمة النَّافذة، والشَّجاعة الفائقة من عثمان رضي الله عنه ثمرة إيمانٍ قويٍّ بالله عزَّ وجلَّ واليومِ الآخر وقر في قلبه، وجعله يستهين بكلِّ شيءٍ في هذه الحياة حتَّى بالحياة نفسها (الوكيل، ص 304).
4- المال: إنَّ الجهاد بالنَّفس اقترن مع الجهاد بالمال، وربما قُدِّم عليه؛ قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95].
وهناك آياتٌ كثيرةٌ تقرن المال بالنَّفس، وإنَّ الّذي ينفق المال في سبيل الله بسخاءٍ إنَّما هو مجاهدٌ وشجاعٌ، وقد أنفق عثمانُ رضي الله عنه الكثيرَ حتَّى قال رسول الله ﷺ: «ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم» مرَّتين (سنن الترمذي، رقم: 3785).
لقد كان عثمان رضي الله عنه شجاعاً، لا يهاب الموت، جريئاً يواجه الباطل في تحدٍّ سافرٍ، حليماً لا يُجَهِّله حمقُ الحمقى (الوكيل، ص 304).
المصادر والمراجع:
1. شاكر، محمود. الأمين ذو النُّورين، المكتب الإسلاميِّ، الطَّبعة الأولى، 1418ه - 1997م.
2. الوكيل، محمد السيّد. جولة تاريخيَّة في عصر الخلفاء الرَّاشدين، دار المجتمع، الطَّبعة الخامسة، 1416هـ - 1995م.
3. الصلابي، علي محمد. تيسير الكريم المنَّان في سيرة أمير المؤمنين عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه.