الشيخ الدكتور عبد الرزّاق بن عبد المحسن العبّاد البدر
العالم المربّي الذي جمع بين التأصيل العلمي وبلاغة الواعظ
بقلم: د. علي محمد الصلابي
المقالة الثامنة عشر
يُعدّ الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر من أبرز العلماء والدعاة المعاصرين الذين جمعوا بين رسوخ التأصيل العلمي، والعناية بأعمال القلوب، والتربية الإيمانيّة الهادئة، وهو من العلماء الذين تركوا أثراً واسعاً في طلاب العلم داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، عبر دروسه العلميّة، ومؤلفاته، ومحاضراته، وبرامجه العلميّة المتنوّعة.
وقد عُرف الشيخ بأسلوبه الهادئ المؤثّر، وحرصه على ربط العلم بالإيمان والسلوك، حتى غلب على كثيرٍ من دروسه طابع التزكية والإصلاح القلبي، مع المحافظة على التحقيق العلمي والتأصيل الشرعي.
نشأته والأسرة العلميّة التي تربّى فيها
وُلد الشيخ عبد الرزّاق في المدينة المنوّرة يوم 22 من ذي القعدة سنة 1382هـ الموافق 16 أبريل 1963م، ونشأ في بيتٍ عُرف بالعلم والحديث والاشتغال بالسنّة النبويّة.
فوالده هو العلّامة المحدّث عبد المحسن بن حمد العباد البدر أحد كبار علماء الحديث في العصر الحديث، وأحد أشهر شُرّاح كتب السنّة في المسجد النبوي، وقد كان لوالده أثرٌ بالغ في تكوينه العلمي والتربوي؛ إذ نشأ ملازماً لمجالس العلم، محبّاً للحديث النبوي، متأثّراً بأخلاق العلماء وهيبتهم وسمتهم.
وكان كثيرٌ ممّن عرف الشيخ عبد الرزاق يذكرون شدّة عناية والده به، وقد اشتهر بين طلاب العلم أنّ الشيخ عبد المحسن دعا لابنه بأن يفتح الله عليه أبواب العلم والنفع، فرأى الناس أثر تلك الدعوات المباركة فيما آتاه الله من قبولٍ وعلمٍ وانتشار.
وقد تربّى الشيخ في بيئةٍ علميّة قلّ أن تتكرّر؛ إذ اجتمع له شرف النشأة في المدينة النبويّة، وملازمة كبار العلماء، وسماع الحديث والسنّة منذ صغره، ممّا أورثه رسوخاً علميّاً ومنهجيّاً مبكّراً.
طلبه للعلم وتكوينه العلمي
حفظ الشيخ القرآن الكريم في سنّ مبكّرة، وبدأ بدراسة العلوم الشرعيّة على يد والده، ثم واصل طلب العلم بصورةٍ منهجيّة قائمة على التدرّج والتأصيل.
وقد برع في عددٍ من العلوم، وفي مقدّمتها:
* العقيدة
* الحديث وعلومه
* التفسير
* الفقه وأصوله
* فقه الأدعية والأذكار
* التزكية وأعمال القلوب
ومن أبرز العلماء الذين أخذ عنهم وتأثّر بهم:
* الشيخ عبد المحسن العبّاد
* الشيخ عبد العزيز بن باز
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين
* الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
* الشيخ علي ناصر فقيهي
* الشيخ صالح السحيمي وغيرهم
وقد بدا واضحاً في شخصيّته العلميّة تأثّره بمدرسة الحديث النبوي في المدينة المنوّرة، القائمة على تعظيم النصوص، والعناية بالسنّة، والابتعاد عن التكلّف والتعقيد.
نشاطه العلمي والتدريسي
عمل الشيخ أستاذاً في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة، ودرّس فيها سنواتٍ طويلة، وانتفع به عددٌ كبير من الطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
كما كانت له دروس علميّة ثابتة في المسجد النبوي الشريف، تناول فيها كتب العقيدة والحديث والتفسير والسلوك، وتميّزت دروسه بالوضوح، وحسن الترتيب، وربط العلم بالإيمان والعمل.
ومن أبرز الموضوعات التي اعتنى بها في دروسه:
* شرح كتب العقيدة
* تفسير القرآن الكريم
* شرح كتب السنّة
* أعمال القلوب
* فقه الأدعية والأذكار
* التربية الإيمانيّة
* تهذيب النفوس
وقد امتاز أسلوبه بالجمع بين التحقيق العلمي، والوعظ الرقيق، والتربية العمليّة، بعيداً عن الجفاف العلمي أو الإثارة الخطابيّة.
معالم منهجه العلمي والدعوي
ينتمي الشيخ عبد الرزاق العبّاد إلى منهج أهل السنّة والجماعة، ويقوم منهجه على:
* الاعتصام بالكتاب والسنّة
* فهم النصوص وفق فهم السلف الصالح
* تعظيم التوحيد والعناية بتحقيقه
* ربط العلم بالإصلاح القلبي والسلوكي
* الدعوة بالحكمة والرفق
* تجنّب الجدل والخصومات غير النافعة
ومن السمات البارزة في منهجه تركيزه الكبير على أعمال القلوب، ولذلك نجد كثيراً من دروسه تدور حول:
* الإخلاص
* التوكّل
* الذكر
* حسن الظن بالله
* تعظيم الله
* إصلاح القلب
كما يتّسم طرحه بالهدوء والابتعاد عن التشنّج، مع الحرص على ترسيخ العلم النافع والعمل الصالح.
ومن كلماته المشهورة:
“العلم إن لم يثمر عملاً وخشيةً وإنابةً لله؛ فإن صاحبه قد فاته أعظم مقاصد العلم.”
وقال أيضاً:
“صلاح القلوب هو أصل صلاح العبد، وإذا صلح القلب صلح العمل كلّه.”
ومن عباراته المتكرّرة في دروسه:
“العبد كلّما عظُم تعظيمه لله؛ عظُم نصيبه من الهداية والإيمان.”
مؤلفاته وآثاره العلميّة
للشيخ عبد الرزاق العبّاد مؤلفاتٌ كثيرة امتازت بسهولة العبارة، وحسن الترتيب، وقوّة الاستدلال، وربط المسائل العلميّة بالمعاني الإيمانيّة والتربويّة.
ومن أشهر مؤلفاته:
* فقه الأدعية والأذكار
* الحج وتهذيب النفوس
* الذكر والدعاء
* أذكار الطهارة والصلاة
* التبيين لدعوات المرضى والمصابين
* دراسات في الباقيات الصالحات
* الحوقلة: مفهومها وفضائلها ودلالاتها
* زيادة الإيمان ونقصانه
* القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد
* الأثر المشهور عن الإمام مالك في صفة الاستواء
* التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية
* تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي
* الشيخ عبد الرحمن السعدي وجهوده في توضيح العقيدة
كما انتشرت شروحه الصوتيّة والمرئيّة في العالم الإسلامي انتشاراً واسعاً، خصوصاً:
* شرح القواعد المثلى
* شرح الكلم الطيب
* شرح قواعد الأسماء الحسنى
* شرح الحائية
* شرح العقيدة الواسطية
* دروس فقه الأدعية والأذكار
أثره في طلاب العلم
ترك الشيخ أثراً تربويّاً وعلميّاً واضحاً في كثيرٍ من طلابه؛ إذ لم يكن اهتمامه مقتصراً على تلقين المعلومات، بل كان حريصاً على صناعة طالب العلم المتعبّد المتواضع المرتبط بالله تعالى.
ولهذا وجد كثيرٌ من طلابه في دروسه توازناً نادراً بين:
* العلم والتزكية
* التأصيل والتربية
* التحقيق العلمي ورقّة الوعظ
وقد أسهمت وسائل الإعلام الحديثة والمنصّات الرقميّة في انتشار دروسه ومحاضراته في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي، حتى أصبح من أكثر العلماء المعاصرين حضوراً في مجال التربية الإيمانيّة وأعمال القلوب.
وفي نهاية المطاف نقول: يمثّل الشيخ الدكتور عبد الرزّاق العبّاد نموذجاً للعالم المربّي الذي جمع بين العلم والعمل والدعوة والتزكية، واستطاع أن يقدّم خطاباً علميّاً هادئاً مؤصّلاً، يُعظّم النصوص الشرعيّة، ويربط الناس بالله تعالى، ويعيد للعلم الشرعي روحه الإيمانيّة والتربويّة.
وقد كان لصفاء منهجه، وحسن خلقه، وهدوء طرحه، وصدق توجّهه أثرٌ بالغ في قبول الناس له وانتفاعهم بعلمه، فصار من أبرز الوجوه العلميّة المؤثّرة في هذا العصر.
المراجع
* تجربة الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي في المدينة المنورة.
* الموقع الرسمي للشيخ عبد الرزاق البدر
* الموقع الرسمي للشيخ عبد المحسن العباد
* موقع مداد – ترجمة الشيخ عبد الرزاق البدر
* كتاب: فقه الأدعية والأذكار
* مقدّمات بعض مؤلفات الشيخ ومحاضراته الصوتيّة المنشورة رسميّاً.
ملاحظة: هذا المقال هو من سلسلة العلماء والمفكرين الذين تأثر بهم الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي، وهذه المادة مستقاة من مذكراته في العلم والسياسة والإصلاح بين عامي 1980 - 2026.
عرض أقل