الإثنين

1447-11-10

|

2026-4-27

تأملات تفسيرية في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ

إن في تدبر قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} ]الأنبياء:51[ مفتاحٌ لفهم شخصية الخليل عليه السلام وبدايات تكوينه الإيماني والعقلي. ومن خلال أقوال المفسرين، نتدبر دلالات الرشد باعتباره هداية شاملة تمسّ الفكر والسلوك، كما تسلط هذه التأملات الضوء على منهج القرآن في بناء الإنسان الرباني، الذي يجمع بين صفاء الفطرة، ونور الوحي، وقوة الحجة في مواجهة الباطل.

يبدأ الحقُّ سبحانه وتعالى القصة ببدايةٍ تعلو فيها نبرة التأكيد، حيث أكّد بلام القسم {وَلَقَدْ آَتَيْنَا}؛ لتحقيق مضمونها لدى المخاطبين وتقريره في أذهانهم؛ لأنّه من الأمور التي يجب أن يعلموها علم اليقين، ولتنزيل العرب في مخالفتهم لشريعة أبيهم إبراهيم - عليه السّلام - منزلة المنكر لكون إبراهيم - عليه السّلام - أوتي رشداً وهداية، وقد أخبر الحقُّ سبحانه عن إيتاء الرشد إبراهيم - عليه السّلام - بإسناد الإيتاء إلى ضمير الجلالة للتنبيه على تفخيم ذلك الرشد الذي أوتيه (شمس، ص 386).

قال ابن كثير: يخبر تعالى عن خليله إبراهيم - عليه السّلام - أنه آتاه رشده من قبل، أي من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه كما قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} ]الأنعام:83[.

وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب، وهو رضيع وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصر فيها، وما قصّه كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل، وما وافق منها الحق، مما بأيدينا عن المعصوم، قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئاً من ذلك، رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة، لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفاً، وما كان من هذا الضرب منها، فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم، لبيّنته هذه الشريعة الكاملة الشاملة.

والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة، والمقصود ههنا أن الله تعالى أخبر أنه قد أتى إبراهيم رشده من قبل، أي من قبل ذلك، وقوله: {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي: وكنّا أهلاً ذلك (ابن كثير، 5/341-342).

1. قول الدكتور فضل حسن عباس:

تبدأ القصة بما أكرم الله به إبراهيم - عليه السّلام- من الرشد، وهي كلمة جامعة لكل ما يصلح شؤون الحياة المادية والروحية والدنيا والآخرة. وإن الرشد يُقابل الغواية، كما أن الهدى يُقابل الضلالة، ومن عظمة القرآن أنه تستعمل الكلمة فيه مع غيرها فيكون لها معنى خاص، فإذا جاءت مفردة كان لها معنى أعم، وذلك كثير في كتاب الله تعالى:كالإسلام والإيمان، والبرّ والتقوى، والفقير والمسكين، والكفر والشرك، والرشد والهداية، فإذا استعملت هاتان الكلمتان معاً، كان لكل منهما معناها الخاص بها، ألا ترى أن قول الله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ]الحجرات:14[.

فلا يشكُّ أحد بأن كلاً من الإيمان والإسلام في الآية الكريمة له معنى خاص به، وكذلك قوله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ]المائدة:2[، وقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} ]التوبة:60[، وقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)} ]النجم:1-2[، فإن كل كلمة في هذه الآيات لها معناها اللائق بها.

أما إذا ذكرت الكلمة وحدها، فإنها تكون شاملة لمعنى الكلمتين معاً، فإن ذكرت كلمة الإيمان دون كلمة الإسلام كانت شاملة للمعنيين، وكذلك إذا ذكرت كلمة الفقراء دون كلمة المساكين، أو كلمة الكفر دون كلمة الشرك، والذي يعنينا هنا أن كلمة الرشد في سورة الأنبياء ذكرت وحدها دون كلمة الهداية، فهي إذاً كلمة عامة تدلّ على سلامة العقيدة والسلوك الخيّر، أنّها تدلّ على التوفيق في العلم والعمل وصدق الظاهر والباطن (عباس، ص 306).

2. قول الدكتور البهيّ الخوليّ:

ليس في القرآن الكريم ولا في التوراة نصوص مفصّلة عن نشأة إبراهيم - عليه السّلام - إلا آيتان تشيران في إيجاز دقيق إلى نشأته وتربيته:

- الآية الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} ]الأنبياء:51[، أي آتيناه رشده في صغره قبل الرسالة (الخولي، ص 46).

والرشد في فقه القرآن الكريم رشدان؛ الرشد الأول: ينظم به المرء شؤونه المعيشية والمالية والدنيوية، وهذا يبلغه الصالح والطالح متى أدرك سناً معينة، ومنه قوله تعالى في شأن اليتامى: {فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ]النساء:6[، والرشد الثاني: يتم به إدراك الحق والباطل وتمييز قيم كل منهما، والتصرف في الحياة على مقتضى هذا الإدراك والتمييز، ... وإن مقتضى الرشد الروحي ألّا يؤثر الباطل على الحقّ وإلا استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ... وإذا قال الله: إنه آتى إبراهيم رشده، فقد جُعل له مواهب كلّا الرشدين على أتمها سلامة ويقظة (الخولي، ص 46).

- والآية الثانية: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} ]الأنعام:75[، أي نريه ذلك الملكوت في طفولته ليكون من الموقنين عند البلوغ (الخولي، ص 46). وقد شرحت الآية الكريمة فيما مضى من الصفحات.

3. قول السعدي:

ولما ذكر الله تعالى موسى ومحمداً صلّى الله عليه وسلّم وكتابيهما، قال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} أي: من قبل إرسال موسى ومحمد ونزول كتابيهما، فأراه الله ملكوت السماوات والأرض، وأعطاه من الرشد الذي كمّل به نفسه، ودعا الناس إليه ما لم يؤتِ أحداً من العالمين غير محمد، وأضاف الرشد إليه لكونه رشداً بحسب حاله وعلو مرتبته، وإلا فكل مؤمن له من الرشد بحسب ما معه من الإيمان {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}: أي أعطيناه رشده واختصصناه بالرسالة والخُلة، واصطفيناه في الدنيا والآخرة لعلمنا أنه أهل لذلك وكفء له؛ لزكائه وذكائه ولهذا ذكر محاجّته لقومه، ونهيهم عن الشرك، وتكسير الأصنام وإلزامهم بالحجة (السعدي، ص 1071).

4. قول الشيخ محمد متولي شعراوي:

الرشد هو اهتداء العقل إلى الأكمل في الصلاح والأعلى في الخير، بحيث لا يأتي بعد الصلاح فساد ولا بعد الخير شر، ولا يسلمك بعد العلو في الهبوط، هذا هو الرشد، إما أن يحرك الصلاح الظاهر إلى فساد، أو يسلمك الخير إلى شر، فليس في ذلك رشد (الشعراوي، 15/9567).

5. قول الأستاذة فاطمة محمد أحمد علي:

تقول عن الرشد، أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار، وهو الرشد الكامل صلاحه وهداه، والاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا والإرشاد بالنواميس الأهلية من قبل البلوغ، أو من محمد صلّى الله عليه وسلّم وموسى {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي بأحواله، وما فيه من الكمالات أو بأنه أهل للمقام الذي رفعناه إليه أي أنه من أهل الهداية والنبوءة (علي، ص 58)، و{وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي بأنه أهل لما آتيناه وفيه من الدليل على أنه تعالى عالم بالجزئيات، مختار في أفعاله وأقواله (شلبي، ص 21-22).

إنَّ الله تبارك وتعالى هدى إبراهيم - عليه السّلام- إلى الحقِّ، وعرّفه طريق الصواب، ومن قبل أن يكون نبياً، بل من قبل أن يبلغ مبلغ الرجال (علي، ص 58)، وكان الله سبحانه وتعالى عالماً بأن إبراهيم - عليه السّلام - جامع المكارم والأخلاق التي تؤهله بالنبوّة والاصطفاء (القاسمي، 11/4279). فهداية الله لسيدنا إبراهيم - عليه السّلام - منذ الصغر أنه كان من أصحاب العقول النيّرة الراشدة (علي، ص 59)، وفي التعبير بقوله {آَتَيْنَا} دليلٌ على أن الرشد منحة وعطية من الله عزّ وجل للخليل - عليه السّلام - فهو لم ينلها بمحض كسبه، وأن التعبير باسم الفاعل {عَالِمِينَ} مع قوله {وَكُنَّا بِهِ} يشعر بثبوت العلم، واستمراره وفي هذا دليل على مكانة إبراهيم - عليه السّلام - عند رب العالمين (شمس، ص 387).

6. قول إسحاق محمد حمدان:

​يؤكد الله في هذا التمهيد أنه سبحانه أعطى إبراهيم - عليه السّلام - هداية مبكرة إلى توحيد الله عز وجل، وهذه غير الفطرة الموجودة عند كل البشر، وهذا هو الرشد الأكبر وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي والاقتداء على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية (البدارين، ص 67).

7. قول محمد راتب النابلسي:

الرشد هو الهداية إلى التوحيد، وهو طريق معرفة أنه لا إله إلا الله؛ لأن التوحيد نهاية العلم ومعنى {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أيّ: أن علم الله يشمل كل شيء (النابلسي، 9/450)، وفي هذه الآية الكريمة بيانٌ لشخصيته القيادية منذ الصغر، حيث امتنَّ الله عليه برجاحة العقل إلى الأكمل في الصلاح والأعلى في مراتب الخير، قبل إتيانه النبوّة كما نقله القرطبي وقال هذا ما عليه أكثر المفسرين (القرطبي، 4/215).

وقد جاء السياق المذكور في الآية نكرة مما يدل على أنه رشد عام، فيشمل الرشد الجسمي والمعنوي والفكري، بحيث لا يرتبط ببلوغ ولا نبوّة، بل هو رشد سابق لأوانه، وهذا مدلوله قوله {مِنْ قَبْلُ} أي من قبل النبوة والبلوغ (رامي، ص 57).

وقد ذهب صاحب الظلال في تفسيره أن المراد بالرشد الهداية إلى التوحيد، وهو أكبر الرشد، فقال: ويعني له الهداية إلى التوحيد، فهذا هو الرشد الأكبر الذي تنصرف إليه لفظة "الرشد" في هذا المقام (سيد قطب، 4/2385).

إنَّ الرشد من معالم القيادة الراشدة، وهذا ما ظهر في سيرة إبراهيم - عليه السّلام - فقد شبّ وعاش كريم النفس، سليم الفؤاد، حاضر البديهة، قوي الحجة، ثاقب النظرة، عميق التفكير، فيه من مؤهلات القيادة ومقوماتها ما يؤهله لأن يكون قائداً وقدوة للناس أجمعين، وقد اتّضح رشده في طبيعة حواراته كلها سواء مع أبيه، أو عبدة الكواكب أو قومه أو ملك بابل النمرود بن كنعان، فقد انتصر عليهم وأسقط حججهم مما آتاه الله تعالى من كمال الرشد والنضج العقلي والوعي بحجج خصومه ومكائدهم (رامي، ص 58).


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022