أحوال العالم الإسلامي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر
بقلم: د. علي محمد الصلابي
بدأ الضعف والانحلال يَدِبُّ في أوصال الأمة الإسلامية بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي الذي هزم الصليبيين، وطهَّر بلاد المسلمين منهم، ومما زاد الأمر سوءاً احتلال التتار للممالك الإسلامية، وتمزيقهم للأمة، والعمل على إزالة معالمها الحضارية، والدينية، والعلمية، وشاءت إرادة الله النافذة أن يلطف بهذه الأمة، فأكرم الله العثمانيين بالتمكين، وكان قمة ذلك التمكين في زمن السلطان محمد الفاتح ؛ الذي أجرى الله على يديه فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام (857 هـ/1453 م)، وبذلك عادت للأمة هيبتها، وقوتها، ومجدها، وعزتها، وتولى العثمانيون زعامة الأمة الإسلامية، وكان الشعب العثماني قد تميز بالحماس، وحب الجهاد، وعشق الشهادة في سبيل الله، وسلامة الفطرة، والبعد عن الأمراض الاجتماعية التي أصابت غيره من الشعوب، أضف إلى ذلك القيادة الربانية التي كانت تقود الشعوب نحو ساحات الوغى، وتعمل على نشر الإسلام، وتزيل العوائق من أمام الأمم المفتوحة، ليُعرضَ عليها الإسلام صافياً نقياً من كل شائبة، وهيمن الإسلام من جديد على زعامة العالم وقيادته، وأصبحت الدولة العثمانية تحكم في ثلاث قارات: أوروبة، وإفريقية، واسية، وتوغلت في أوروبة، حتى بلغت الجيوش العثمانية أسوار فيينة، وكانوا سادة البحر المتوسط من غير نزاع، وقد جمعوا بين السيادتين: البرية، والبحرية، وبين السلطتين: الروحية والساسية.
«ولكن من سوء حظ المسلمين أخذ الترك في الانحطاط، ودب إليهم داء الأمم من قبلهم: الحسد والبغضاء، واستبداد الملوك وجورهم، وخيانة الأمراء وغشهم للأمة وإخلاد الشعب إلى الدعة والراحة. وكان شر ما أصيبوا به الجمود في العلم والجمود في صناعة الحرب، وتنظيم الجيوش» (الندوي، ص 148).
وأخذت ملامح القوميات العرقية تظهر على مسرح الأحداث في الدولة، وتفجرت الثورات في البلقان، وشرعت في تشكيل جمعيات قومية سراً، وعلناً، وبدأت التوجهات العلمانية تظهر في الأمة، وعمل اليهود والنصارى على تقوية هذه الاتجاهات المفسدة. فاليهود أرادوا الانتقام لأن العثمانيين منعوهم من فلسطين، والنصارى يريدون أن ينتقموا لحملاتهم الصليبية التي فشلت في تحقيق أهدافها أمام جهاد عماد الدين، ونور الدين، وصلاح الدين.
كانت الأحزاب العلمانية، والجمعيات السرية، والعصبيات القومية، تنخر في كيان الدولة العثمانية؛ فظهر من يدعو إلى القومية الطورانية، والعربية، والكردية... إلخ، وبدأت الثورات تتفجر في البلدان، وأخذت الحركات الانفصالية تتكاثر، وأخذت الدول الأوروبية في دعمها، وتعد المشاريع لاقتسام تركة الرجل المريض، وكان العالم الإسلامي انذاك منضوياً تحت لواء الدولة العثمانية التي فقدت عوامل النهوض، وأهملت شروط التمكين، وتباعدت عن أسبابه، وتخلفت عن ركب الحضارة، فدخلت الأقاليم الإسلامية في دوامة التدهور، والظلام الحالك، والمحنة الشاملة، والجهل المطبق، والظلم الفادح، والفقر المدقع، فتفجرت الثورات بدوافع مختلفة، فمرة بدوافع العِرْق والقومية، وأخرى دفاعاً عن النفس ضد الجور، والتعسف والظلم، وتارة بدافع الحقد، والتعصب، وكانت اليهودية والصليبية خلف تمزيق السلطنة، وإضعافها، فكثرت مصائبها، وتعددت جبهاتها، وأصبح مركز الخلافة مفككاً، ضعيفاً، متدهوراً، منحلاً، وقد أصيبت الولايات، كالجزائر، وتونس، وليبية، ومصر، والشام، والحجاز، بالضعف الشديد، والتدهور المريع، بسبب الظلم والاستبداد، وانتشار الجهل، وجمود العلم، وغياب القادة.
وصاحَبَ هذا الانهيار في كيان الدولة أحداثٌ خطيرة، كان لها أثر فعال على المسلمين وجميع جوانب حياتهم: الفكرية والدينية والعلمية والسياسية ؛ فمن ذلك:
أ ـ احتل الفرنسيون مصر عام (1798 م)، وظلوا فيها حتى عام (1801 م)، وتمكَّن محمد علي باشا من الانفراد بحكمها بعد خروج فرنسة (1805 ـ 1848 م)، وكان هذا الرجل مصيبة كبرى على الأمة، واستطاعت الدول الأوروبية، والمحافل الماسونية أن تحقق أهدافها بوساطته، فعمل على:
1 ـ تحطيم الدولة السعودية الأولى التي كانت خنجراً مسموماً في ظهر الأطماع البريطانية في الخليج العربي خصوصاً، والمشرق عموماً.
2 ـ فتح البلاد على مصراعيها لإقامة مؤسسات معادية للدين الإسلامي والمسلمين؛ كالمحافل الماسونية، والإرساليات التبشيرية، والأديرة والكنائس، ومدارس تتعهد التيارات المعادية للإسلام، وبث الأفكار المعادية للأمة.
3 ـ أتاح الفرصة لشركات أوروبية تحكمت في اقتصاد البلاد.
4 ـ منح امتيازات واسعة للأوروبيين، ومنع المسلمين منها.
5 ـ خنق التيار الإسلامي الأصيل، وضيق على العلماء والفقهاء، ولم يسمح للمسلمين أن يتكتلوا من أجل أهدافهم السامية، وغير ذلك من المساوئ.
ب ـ وفي عام (1830 م)، احتلت فرنسة الجزائر، وفشلت الدولة العثمانية في منعها، وحاولت فرنسة جعل الجزائر قطعة منها، ثم امتد نفوذها إلى تونس عام (1881 م)، ودخلت إلى السودان الغربي.
ج ـ احتلت بريطانية عدن عام (1839 م)، وبدأت في توسيع نفوذها وسلطانها على دول الخليج العربي، وبعض بلاد الشام، وحاولت الدولة العثمانية وقف السرطان الصليبي الذي أنهك جسم الأمة ؛ ولكنها فشلت، وأصبحت الأمة تعاني من الاثار المترتبة بسبب ابتعادها عن شرع الله تعالى؛ فمن الناحيـة الاجتماعية: تفشى الجهل، وأصبح عاماً شاملاً لكل الديار الإسلامية، وضمر الإيمان، وتقاعست النفوس، وكان النزاع بين الأمراء مستمراً على حطام الدنيا، وأصبح كل حزب بما لديهم فرحين، وولاة الدولة العثمانية همهم جمع الأموال، وتكثير الأملاك إلا من رحم الله، وأخذ الظلم الذي استشرى يعجل بزوال الدولة العثمانية، أما من الناحية العلمية؛ فأصبحت الأمة في ليل حالك وظلام دامس؛ وتفشى الجهل في كل طبقات الأمة وفي جوانبها الثقافية كالأدب، والعلم، والصناعات ... وكان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصاباً بالجدب العلمي، وشبه الشلل الفكري، وأصبح في حالة غيبوبة، واستولى عليه النعاس الشديد، ومات فيه النشاط، والحيوية، والإبداع، والاجتهاد في العلم والدين، والأدب، والشعر، والحكمة، ودخلت الأمة في نفق التقليد الأعمى، وكان مظلماً شديد الظلمة.
وأصبحت الجامعات الكبرى كالأزهر، والزيتونة تهتم بالمتون، وتترقى في الشروح، ومن بلغ الذروة في العلم والمعرفة فهم ما في الحواشي، وعاش العالم الإسلامي في عزلة سياسية وعلمية مخيفة، فلا علاقة له بشعوب الأرض إلا من خلال النزاع السياسي، والصدام العسكري، فتجمدت حياته العلمية، وانتهت إلى ترديد كتب وعبارات الأقدمين، والمجتهد النحرير من يفهمها.
«وأصبح العلم مع الزمن احتكاراً لأسر معينة، وغدت طبقة العلماء طبقة اجتماعية ذات امتيازات خاصة، واتخذت موقفاً صلباً ضد كل تجديد في عالم الفكر، فقد قاوموا إدخال المطابع إلى الدولة وطباعة الكتب الدينية الإسلامية» (أمين، ص 6).
وكان العلماء هم المشرفين على التربية والتعليم في الدولة، ولم يستطع العلماء أن يجعلوا للتعليم في المدارس والمعاهد برنامجاً متطوراً يتناسب مع عصرهم، وقد تحدث بعض المفكرين عن عيوب التعليم متخذين من الأزهر الشريف مثلاً على ما وصلوا إليه؛ فقد قال محمد خليل المرادي عن عيوب التعليم في الأزهر ما يلي:
1 ـ قبول أبناء الأكابر والأغنياء في الأزهر ممن لا يتمتعون بمستوى تعليمي جيد.
2 ـ تدني مستوى الأساتذة.
3 ـ استئثار بعض الأساتذة بتعليم كثير من المواد ؛ بحيث يعينون بدلاء عنهم مقابل مرتب زهيد.
4 ـ تحديد الموضوعات، وضيق النظر في التدريس، فقد كان الهدف في التعليم تلقي بعض المعلومات المحدودة، أما تجاوز هذه المعلومات أو مجرد التساؤل عن صحتها، فقد يثير الشكوك ومقاومة العلماء، أو قد يصل إلى حد العقاب والطرد من المعهد أو فقدان مصدر العيش ناهيك عن التشهير (المحافظة، ص 14-15). هذه أهم ملامح الحياة الأدبية والعلمية في ذلك العصر.
المصادر والمراجع:
1. الندوي، أبو الحسن. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.
2. أمين، أحمد. زعماء الإصلاح في العصر الحديث.
3. المحافظة، علي. الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة.
4. الصلابي، علي محمد. الثمار الزكية للحركة السنوسية.