دعوة إلياس عليه السلام بين بني إسرائيل والكنعانيين .. الجذور التاريخية لعبادة "بعل"
بقلم: د. علي محمد الصلابي
يشكّل الحديث عن مكان بعثة النبي إلياس عليه السلام مدخلاً مهماً لفهم الواقع العقدي والحضاري في المشرق القديم، ولا سيما في البيئة الكنعانية الفينيقية التي ازدهرت على سواحل بلاد الشام. ففي ظل التحولات السياسية والدينية التي شهدتها المنطقة بعد تراجع دولة بني إسرائيل، برزت ظاهرة عبادة "بعل" وانتشرت بين الشعوب المجاورة، متداخلةً مع إرث الكنعانيين وثقافتهم. ومن هنا تتجلّى أهمية دراسة العلاقة بين إلياس عليه السلام والفينيقيين، من حيث الجذور التاريخية، والأصول العرقية، والتسمية الحضارية، لفهم السياق الذي وُجّهت فيه دعوته، وطبيعة المجتمع الذي خاطبه، وأبعاد التأثير الديني والثقافي في تلك المرحلة.
يقول الدكتور حسين بن علي الزومي: يميل بعض المؤروخين من أهل الكتاب إلى أن إلياس عليه السلام بُعث بعد تشتت دولة بني إسرائيل، وبالتحديد بعد سليمان عليه السلام، اعتماداً على تسلسل الأحداث في سفر الملوك الأول، ولكن ذلك قرابة القرن التاسع قبل الميلاد، وذلك بسبب صراع ملوكهم وعظمائهم على السلطة، وما وصلوا إليه من الكفر والضلال الذي دخل عليهم من الأمم الأخرى، وقد سمح الملك أخاب لزوجته الوثنية "إيزابيل" بنشر عبادة قومها في بني إسرائيل، وكان قومها عباداً للأوثان، فشاعت العبادة الوثنية (الزومي، ص 26).
وعلى كل حال فالذي يهمّنا هو أن "إلياس" عليه السلام قد أرسل بدعوته إلى السكان القاطنين بتلك المنطقة، الذين كانوا يعبدون "بعلاً" في بعلبك، والبعل: باتفاق المؤرخين أنه أحد آلهة كنعان من العرب، وإليه نسبت "بعلبك" (ابن عطية، 4/484) (الزومي، ص 27) التي كان يقطنها الكنعانيون، فتحذير النبي لهم من عبادة هذا الصنم بالذات، دليلٌ على أنهم المخترعون لعبادته بالأصالة، بينما كان بنو إسرائيل يعبدونه بالاتباع والتقليد، هو وغيره من آلهة الأمم المجاورة لهم، كما أن لفظة "بَعْل" أصلها عربية يمنية بمعنى: الربّ (الطبري، 21/96).
علاقة إلياس عليه السلام بالفينيقيين:
التسمية والحضارة والأصول:
تدل طبيعة الآثار والنقوش على أن القوم القاطنين في بعلبك، قد وفدوا في موجات متتابعة واستقروا في أنحاء مختلفة منه، وأنهم أحد الأقوام الكنعانيين، وكانت تلك الهجرات حوالي منتصف الألف الثالث ق.م، وقد استقر هؤلاء الكنعانيون على ساحل الإقليم السوري، وأطلق عليهم اليونان اسم "الفينيقيين"، وظلوا يمارسون نشاطهم في هذه المنطقة حتى منتصف القرن الأول ق.م (عصفور، ص 273)، وأما حدود منطقتهم فهي المنطقة التي تمتد حالياً في المناطق الساحلية من سوريا ولبنان وفلسطين، ويمثل نهر الفرات الحدود الشمالية له، بينما يشكل جبل الكرمل حدّها الجنوبي (صبحي، ص 41).
وأما سبب تسميتهم بالفينيقيين، فمن المحتمل أن يكون الإغريق قد أطلقوا عليهم هذا الاسم، نظراً لوجوههم النحاسية التي لفحتها الشمس، ولقد تجول الفينيقيون في البحار بحثاً عن الثروة، فحرقت الشمس بشرتهم، فأطلق عليهم أيضاً "الرجال الحمر"، وأكثر ما ذكره الباحثون هو أن سبب التسمية نظراً للون الصبغة الأرجوانية التي استخرجها الفينيقيون من بعض قواقع البحر (الزومي، ص55-56)، فقد كان الفينيقيون أول من اكتشف اللون الأرجواني، فاستخرجوه من أصداف المريق، وهي نوعٌ من المحار وُجد بالقرب من الشواطئ الفينيقية، وقد أدخل الفينيقيون الصباغ الأرجواني على أقمشتهم، فاشتهروا ببضاعة الأقمشة الأرجوانية اللون، وتسمية الفينيقيين بهذا الاسم نسبةً إلى الصبغة الأرجوانية التي اكتشفوها وبرعوا فيها، أمرٌ قد يكون مقبولاً، فقد أطلق الإغريق على بعض المدن أسماء لمنتجات تشتهر بها.
فهذه التسمية هي نعتٌ أكثر مما هي تسمية، فالإريق هم من وصف الكنعانيين بالفينيقيين، وقد كانت الحضارة الكنعانية الفينيقية ريفية زراعية وتجارية في آن واحد، وقد اهتم الأوروبيون بالحضارة الفينيقية، لأن علماءهم اعتبروا أنفسهم مدينين ثقافياً وبنيويّاً لهذه الحضارة التي أعطتهم الكثير، وفي طليعتها الأبجدية الكنعانية التي قامت عليها الأبجدية الإغريقية ثم الأبجديات الأوروبية (معتوق، ص 22).
واستمرت فينيقيا طوال خمسة قرون قوةً عظمى كبلاد الإغريق، وكان الفينيقيون الكنعانيون يتكلمون جميعاً لغةً واحدة مع فارقٍ بسيط في اللهجات، وأسسوا شركات اقتصادية في المحطات التي كانت ترسوا سفنهم في موانئها وكانوا محط احترام وتقدير من الشعوب التي اختلطوا بها، ولكنهم كانوا موضع غيرةٍ وحسد من منافسيهم الإغريق ثم الرومان، وقد امتد مجالهم الحيوي إلى شبه الجزيرة العربية وآسيا الصغرى ومصر، وشمال إفريقيا، والصحراء الإفريقية وأوروبا المتوسطية، وتوزعت مراكزهم على الشكل التالي: مرحلة الاستكشاف الجغرافي، والمرحلة التجارية، ومرحلة التأسيس العمراني، ومرحلة إقامة المستوطنات القرطاجية، ومرحلة الهيمنة التي توصف بالإمبريالية، وتميزت الشخصية الكنعانية الفينيقية بالمرونة والكتمان والدفاع الشرس عن الذات (الزومي، ص 58).
ويعتبر الفينيقيون من أكثر الأقوام والحضارات شهرةً في التاريخ رغم الاختلاف الكبير بين المؤرخين حول الأصول التي يرجع إليها الفينيقيون، وهو ما جعل الآراء تتعدد حول أصولهم، فمنهم من يرى أنهم يعودون لنسل كنعان، ومنهم من يرجّح أن أصولهم تعود لسيناء في مصر، وفريقٌ يرى أنهم في الأصل نازحون من الجزيرة العربية ومن أصول قبائل "حمير" المعروفة، واعتمدوا في ذلك على علم "الآركيولوجيا" (الزومي، ص 60)، وذلك عبر النقوش والحفريات التي وجدوها لاحقاً في أماكن تواجدهم في تلك الممالك، فوثائق أوغاريت تشير إلى أن الفينيقيين جاءوا من سيناء أو من النقب نحو الشمال (مازيل، ص 32).
وسواءً كان قدومهم من جنوب الجزيرة أو من ساحل الخليج أو من سينا، إلّا أن كل ذلك لا يمنع من كون أصولهم عربية، ويبقى الخلاف محصوراً في دائرة المنطقة التي هاجروا منها، وهي مسألة شائكة لكل القبائل والقوميات التي كانت تتنقل كثيراً في ذاك الزمان، ولا نكاد نجزم بشيء منها (الزومي، ص 60).
والحقيقة الواضحة إن الفينيقيين هم جزء من الكنعانيين، وعلى الرغم من اختلاف المؤرخين في أصولهم، إلا أن هناك دلائل كثيرة لدى علماء الآثار تساعدهم في إثبات أن الفينيقيين هم في الأصل ساميّون كنعانيون. وقد قطع علم الوراثة الجينيّة إشكالية أصول الفينيقيين، حيث أثبتت الهندسة الجينية أصولهم الكنعانية وفق ما خرجت به الدراسة الجديدة التي نَشرت نتائجها "المجلة الأمريكية لعلم الوراثة البشرية"، حيث أثبتت الأصل الكنعاني للفينيقيين بنسبة تفوق 90%، ومن المعلوم أن علوم الوراثة تمتلك من القوة لتجيب على أسئلة تعجز أمامها السجلات التاريخية أو المواقع الأثرية (فردريك معتوق، ص 273).
ومما يدل على أصولهم العربية أن الأبجدية التي اخترعها الفينيقيون كتبوا حروفها من اليمين إلى الشمال مثل "العربية"، ونشروها في جميع بلاد العالم شرقاً وغرباً، إضافة للتشابه اللغوي بين الخط العربي الجنوبي "المسند" والكتابة الفينيقية، كما تدل على هذه النقوش المكتوبة بالحميّرية والفينيقية (الزومي، ص 61-62)، وعلى هذا فنسب الفينيقيين الكنعاني هو الصواب قطعاً، في الكنعانيون كانوا شعباً انتقل من الترحال إلى الحضر، لأن جذر الفعل السامي "كنع" يعني الثبات والاستقرار (معتوق، ص 22).
المصادر والمراجع:
1. الزومي، حسين، إلياس بني الفينيقيين.
2. ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
3. الطبري، تفسير الطبري.
4. عصفور، محمد. معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم.
5. صبحي، محمد. أطلس المملكة العربية السعودية.
6. معتوق، فريدريك. سوسيولوجيا الحضارة الكنعانية.
7. مازيل، جان. تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية.
8. فردريك معتوق، معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم.