﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ .. فضيلة الصبر في سير الأنبياء والمرسلين عليهم السلام
بقلم: د. علي محمد الصلابي
في سياقٍ قرآنيٍّ بديع، يجمع الله تعالى بين ثلاثةٍ من أنبيائه الكرام في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: 85]، ليُبرز قيمةً إيمانيةً عظيمة هي الصبر. وليس الجمع بينهم لمجرد الذكر، بل لإبراز خصيصةٍ جامعة شكّلت ملامح شخصياتهم الإيمانية، فالقرآن لا يعنى بتفاصيل الأزمنة والأمكنة بقدر عنايته بالقيم الخالدة التي تصلح لكل جيل. ومن خلال التأمل في هذه الآيات، تتجلى منزلة الصبر، وأنواعه، وثمراته، وكيف كان الأنبياء عليهم السلام قمماً شاهقةً في تجسيده واقعاً وعملاً، حتى استحقوا الثناء الإلهي الخالد.
قال الله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ (86)﴾ [الأنبياء: 85-86]. قال السعدي رحمه الله: "أي: واذكر عبادنا المُصْطَفَين، وأنبياءنا المرسلين، بأحسن الذكر، وأثنِ عليهم، أبلغَ الثناء...، فهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد وصفهم الله بالصبر، فدلّ أنهم وفّوها حقّها، وقاموا به كما ينبغي. ووصفهم أيضاً بالصلاح، وهو يشمل صلاح القلب، وصلاح اللسان، وصلاح الجوارح... فبصبرهم وصلاحهم؛ أدخلهم الله برحمته، ونوّه بذكرهم في العالمين، وكفى بذلك شرفاً وفضلاً".
قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: "وجمَعَ هؤلاء الثلاثة في سلك واحد لاشتراكهم في خصيصيّة الصبر، كما أشارَ إليه قوله تعالى: ﴿ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: 85]".
قال محمد الدُّرّة رحمه الله في كتاب (تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه): " فنفعُ الصبر مشهور، والحضّ عليه في الكتاب والسنة مقرّر مسطور. وهو على ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، ولا تنسَ: أن من أسماء الله تعالى الصبور... والصبر المحمود: وهو أن يكون الإنسان صابراً لوجه الله تعالى، راضياً بما نزل به من الله، طالباً في ذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسباً أجره على الله؛ فهذا هو الصبر الذي يُدخِل صاحبه رضوانَ الله" (نوفل، ص 422-423).
وقد ذُكر الصبر في القرآن الكريم في خمسة وتسعين موضعاً. ومن أجمعها في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156-157]، ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، ومن آنقِها قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. قرن هاء الصابر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24].
ومن دروس قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: 85]:
• البشر يحتاجون دوماً إلى المُثُل العُليا.
• الرسل عليهم السلام هم هذه المثل العُليا للبشر، والقدوات والأسوات.
• الصبر قيمةٌ عظيمة، والرسل الكرام عليهم السلام هم جميعهم مُثُل هذه القيمة العظيمة، ونماذجها المحتذاة.
• أيوب وإسماعيل وذو الكفل وإدريس عليهم السلام من قافلة الصابرين، ومن نماذج الصبر.
• لا نعرف عن إدريس وذي الكفل عليهما السلام آية تفاصيل؛ ولكن الله أراد أن يُخلّد أسماءهم في كتاب الخلود العظيم.. القرآن الكريم. يخصّ الله تعالى مَن يشاء في الموضوع الذي يشاء من كتابه الكريم، وعلينا اكتشاف الحكمة من وراء ذلك.
• يخصّ الله تعالى برحمته من يشاء من عباده، بما يعلمه من قلوب عباده وقرّبهم منه وحبّهم له، فيزيدهم من فضله.
• نفعُ الصبر مشهور، والحضّ عليه في الكتاب والسنة مقرّرٌ مسطور.
• للصبر أنواع ثلاثة: صبرٌ على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء.
• من عظمة الصبر، أن أحد أسماء الله تعالى هو الصّبور.
• الصّبر المحمود، أن يكون الإنسان صابراً لوجه الله تعالى، راضياً بما نزل به من الله، طالباً في ذلك الصبر ثواب الله تعالى، محتسباً أجره على الله، فهذا هو الصبر الذي يُدخل صاحبه رضوان الله (نوفل، ص 424).
المصادر والمراجع:
1. نوفل، أحمد، تفسير سورة الأنبياء.
2. الصلابي، علي محمد، أنبياء الله إدريس وإلياس وذو الكفل واليسع عليهم السلام.