الأربعاء

1447-10-27

|

2026-4-15

رفعة المنزلة وعلوّ القدر .. .. تكريم القرآن الكريم لإدريس عليه السلام

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

ورد ذكر إدريس عليه السلام في القرآن الكريم في سورة الأنبياء وفي سورة مريم، وقد جاء ذكر إدريس عليه السلام في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ (58)﴾ [سورة مريم: 56-58].

فبعدما أثنى الله على إدريس بأنه صديقٌ نبي، أخبرنا بأنه رفعه عنده إلى مكان عليِّ، والمكان العلي هو عالي القدر والمنزلة، وكل الأنبياء مكرّمون عند الله، وكلهم رفعهم الله إلى مقامٍ ومكان عليٍّ عنده سبحانه (الخالدي، 4/88).

1-قال السعدي رحمه الله: أي: رفع الله ذكره في العالمين ومنزلته بين المقرّبين، فكان عالي الذكر وعالي المنزلة (السعدي، 646).

2- وقال أبو زهرة رحمه الله: والرفعة هنا معنوية، والمكان المراد به منزلةٌ عليا، وقد زعم بعض المفسرين أن ذكر المكان يدل على أنها رفعة مادية، ولا نرى وجهاً لتخصيص ذكر المكان بالرفعة الحسّية، فإن ذلك تخصيص من غير مخصّص قام الدليل عليه، وإنما نقول: إنها نعمةٌ من الله تعالى على عبده ونبيه الصدّيق الأمين، لأمر اقتضى ذلك في علمه المكنون ولم يبيّنه لنا، فحقَّ علينا أن نقول ما نعلمه، ونسلم بصدق ما لم نعلمه، والله هو العليم المحيط بكل شيء علماً (أبو زهرة، 9/4662).

3- قال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: مكاناً عالياً في السماء، رفعةٌ معنوية أو رفعة حسية، خذها كما شئت، لكن إياك أن تجادل: كيف رفعه(الشعراوي، 15/9128) ، لأن الرفعة من الله تعالى، والذي خلقه هو الذي رفعه، وقد رفع الله إدريس عليه السلام إلى السماء، بدليل إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رؤيته له في السماء الرابعة ليلةَ المعراج (الخالدي، 4/88).

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّث، أنه لما عُرج به إلى السماء قال: أتيتُ على إدريس عليه السلام في السماء الرابعة (البخاري، رقم: 7517. مسلم، رقم: 162). وهذه رواية مجّملة، نصّ فيها على أنه قابل إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، وهناك رواية تذكر بعض ما جرى في السماء الرابعة، حيث روى البخاري ومسلم عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث المعراج الطويل: ...... ثم صَعِدَ بي حتى السماء الرابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟

قال: جبريل.

قيل: ومن معك.

قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

قيل: أَوقد أُرسل إليه؟

قال: نعم.

قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء.

ففُتح، فلما خلصتُ فإذا إدريس، قال: هذا إدريس، فسلّمْ عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح (البخاري، رقم: 3207. مسلم، رقم: 164).

هذا ولم يبيّن القرآن كيفية رفع إدريس إلى المكان العليّ، وإنزاله في السماء الرابعة، فلا نعرف تفصيل وكيفية ذلك الرفع، ولا نخوض فيه، علماً أن الإسرائيليات قد أوردت تفاصيل غريبةً منكرة باطلة عن ذلك، ونقل عنها بعض المفسرين سامحهم الله (الخالدي، 4/81).

4-الراجح أن رفع إدريس عليه السلام ليس كرفع عيسى عليهما السلام:

قال الدكتور صلاح الدين الخالدي رحمه الله: وعندما ننظر في آيات القرآن فسوف نرى أنها أخبرت عن رفع نبيّين كريمين، هما إدريس وعيسى عليهما السلام، قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)﴾ [النساء: 157-158]، وخاطب الله تعالى عيسى عليه السلام بقوله: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 55]. وجمهور المسلمين أن الله رفع عيسى عليه السلام إلى السماء بروحه وجسمه، وذلك لما أراد اليهود والرومان صلبه، فحماه الله منهم ورفعه إلى السماء الثانية، وهو هناك حيٌّ بروحه وجسمه، وسينزل قبيل قيام الساعة، فهل كان رفع إدريس عليه السلام إلى السماء الرابعة هكذا؟

قال بهذا القول بعض المفسرين من التابعين، كمجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم، بل قال بهذا ابن عباس رضي الله عنهما، وقد أورد ابن كثير في التفسير، قال مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: رفعه الله إلى السماء الرابعة فإدريس رُفع ولم يمت، كما رُفع عيسى عليهما السلام. والله أعلم كيف كان رفع إدريس عليه السلام، وما المُراد بالمكان العليّ الذي رفعه الله إليه، وإن كنّا نرى فرقاً في التعبير القرآني عن رفع عيسى ورفع إدريس عليهما السلام، فلما أخبر عن رفع عيسى عليه السلام أتبَعَ الرفع بحرف الجرّ "إلى"، وذلك في قوله تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وفي قوله سبحانه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، بينما لم يذكر حرف الجرّ "إلى" في رفع إدريس عليه السلام، وإنما ذكر ظرف المكان "مكاناً"، وهو مفعول فيه منصوب، ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، ولعلّ هذا الفرق في الإخبار يوحي بأن رفع إدريس غير رفع عيسى عليهما السلام، فعيسى رُفعَ رفعاً حقيقياً مادّياّ، بروحه وجسمه إلى السماء الثانية -على قول جمهور المسلمين، ولهذا جاء بعد الفعل حرف "إلى" الذي يدلّ على مزيد من التخصيص والتكريم، ويوحي بالرفع المادي الحقيقي.

وإسقاط "إلى" من الإخبار عن رفع إدريس عليه السلام يوحي بأنّ رفعه ليس كرفع عيسى المادي، وإنما هو رفعٌ معنوي يقوم على رفع المنزلة والمقام، ولعل هذا يرجّح أن إدريس عليه السلام مات على الأرض موتاً طبيعياً كباقي الأنبياء، وهذا ما نرجحه والله تعالى أعلم (الخالدي، 4/91).

5-اسم الله، الرافع، والعليّ، والأعلى، والمتعالي:

وفي قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ﴾، فمن أسماء الله الحسنى، الرافع، وهو المعلي للأقدار، فهو الذي رفع أولياءه بالطاعة، فيعلي مراتبهم وينصرهم على أعدائه، ويجعل العاقبة لهم، لا يعلو إلا من رفعه الله ولا يتَّضِعُ إلا من وضعه وخفضه (الشيخ، 50). ففي قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ﴾ أثرٌ من آثار اسم الله "الرافع" على إدريس عليه السلام، فأعلى قدره ورفع ذكره (سيد قطب، 4/2313). فالله عز وجل هو الراقع لأقوام قائمين بالعلم والإيمان، والخافض لأعدائه، والخافض هو الواضع من الأقدار، الذي يخفض المتجبرين ويذلّ المتكبرين (الشيخ، 50).

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، قال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، ولكن يخفض القسط ويرفعه، ويُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفها للأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (مسلم، رقم: 179). وقال أبو الدرداء في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن: 29]، يغفر ذنباً ويكشف كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين (الشيخ، 51).

ومن معاني الخافض الرافع:

الخافض، يخفض من يشاء من عباده فينزل مرتبته ويضع قدره، ويحط من شأنه، والرافع يرفع من يشاء من خلقه، فيُعلي مكانته ويزكّي قدره ويقدّم ذكره (الشيخ، 51). وفي قوله تعالى: ﴿مَكَانًا عَلِيًّا﴾، أي أن الله العلي الأعلى المتعالي هو الذي أعلى قدر إدريس عليه السلام ورفع ذكره، فالعلو الكامل لله وحده، والعلو الدائم له وحده سبحانه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: حقٌ على الله أن لا يرتفع شيءٌ من الدنيا إلا وضعه (البخاري، رقم: 2872). ومن علوه: أن جعل الرفعة والعلو لكتابه ولدينه ولأوليائه الصادقين (العودة، 156)، كما قال سبحانه: ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾ [سورة طه: 68]. وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الزخرف: 4]. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع آخرين (مسلم، رقم: 817). فالله العلي الأعلى المتعالي، وجميع معاني العلو ثابتةٌ له سبحانه، علو الذات، ولعو القدرة، وعلو القهر والغلبة، وعلو الحجة، وقد جبلت الفطرة على الإيمان بعلوه، فلا نجد داعياً ولا مبتهلاً إلا ويتوجه بقلبه ووجهه ويديه إلى السماء (العودة، 155).

ومع علوه سبحانه فهو قريبٌ مجيبٌ سميع، ولذا يناديه العبد نداءً خفياً، ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [سورة مريم: 3]، ويخبر عن نفسه أنه يسمع السر وأخفى، وما هو أخفى من السر فهو الخطرات التي لا يعيها صاحبها ولا يدركها، والمعاني المكنونة التي لا يحيط المرء بها حتى عن نفسهو وذاته، فهناك عالم الأسرار، وهناك اللاشعور واللاوعي، وهناك الخفايا الخلقية التي لم يصل إليها العلم، وهناك الخفايا المستقبلية، فهو مع علوه واستوائه على عرشه محيطٌ بذلك كله، لا تخفى عليه خافية (العودة، 156)، فسبحان الله الرافع الخافض العلي الأعلى المتعالي، الذي رفع إدريس عليه السلام بطاعته، وأعلى قدره وجعل له مكاناً علياً.

﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: ولكل مؤمن نصيبٌ من هذه الآية، فإذا عرفت الله واستقمت على أمره وأخلصت له، فلا بدّ من أن يرفعك الله عزّ وجل، ولا بدّ أن يُعلي قدرك ولا بدّ أن يطهّر اسمك، ولا بدّ أن يجعل قلوب الناس تهفو إليك (النابلسي، 7/264).

﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: قال الشوكاني رحمه الله: وقيل: إن المراد برفعهم كان علياً ما أُعطيه من شرف النبوة (الشوكاني، 6/180). وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله: والمراد برفع المنزلة ما أوتيه من العلم الذي فاق به على من سلفه، و﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: رفع النبوة والتشريف والمنزلة العالية عند ربه في الجنة (ابن عاشور، 7/85).

المصادر والمراجع:

1. الخالدي، صلاح، القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث.

2. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.

3. أبو زهرة، محمد، زهرة التفاسير.

4. الشعرواي، تفسير الشعراوي.

5. الشيخ، علي محمد، المختصر في أسماء الله الحسنى.

6. سيد قطب، في ظلال القرآن.

7. العودة، سلمان، مع الله.

8. النابلسي، تفسير النابلسي.

9. الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير.

10. ابن عاشور، التحرير والتنوير.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022