الثلاثاء

1448-04-11

|

2026-9-22

مفتي الشام الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي حفظه الله: عالم ربانيّ ومسيرة جليلة في خدمة العلم ونصرة الشعب السوري ووحدة الخطاب الإسلامي ..

د. علي محمد محمد الصَّلابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

10 ربيع الآخر 1448ه/ 22 سبتمبر 2026م

نشرتُ هذا المقال في السابع والعشرين من رمضان سنة 1447هـ، الموافق للسادس عشر من مارس/آذار 2026م، وأعيد نشره اليوم بعد إضافة عددٍ من المواقف المهمة؛ وفاءً لعالمٍ جليلٍ من علماء الشام، وتعريفاً بدوره في نصرة الشعب السوري، ومواجهة النظام البائد والعدوان الروسي والإيراني، والعمل على جمع كلمة العلماء والدعاة في سورية الجديدة.

وقد أكدت الأحداث اللاحقة المعنى الذي كُتب من أجله هذا المقال؛ فقد شارك الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي، بصفته مفتي الجمهورية ورئيس مجلس الإفتاء الأعلى، في رعاية «ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي»، ثم أصدر بيانه الأخير الذي دعا فيه إلى احترام مدارس أهل السنة، وتثبيت مكانة السلفية في النسيج العلمي والدعوي السوري، والابتعاد عن التنازع والتبديع، والتمسك بما يجمع المسلمين.

إن من حق العلماء على الأمة أن تُعرف لهم أقدارهم، وأن تُقرأ مواقفهم في ضوء سيرتهم الطويلة ومجمل عطائهم، لا من خلال كلمة مجتزأة أو مقطع مبتور أو خلافٍ عابر. ولا شك أن الشيخ والعالم ليس معصوماً عن الخطأ، غير أنه إذا راجع كلامه، وبيّن مقصده، ورجع إلى الصواب، كان الواجب قبول بيانه وحفظ مكانته، لا تحويل خطئه إلى بابٍ للطعن والتشهير.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، وقال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع».

وقد كثرت في السنوات الأخيرة حملات الإسقاط التي تستهدف العلماء والدعاة، ويقف خلف بعضها خلافٌ سياسيٌّ أو تعصبٌ مذهبيٌّ أو رغبةٌ في تصفية الحسابات. فيُترك تاريخ العالم، وتُنسى مواقفه وتضحياته، ويُحاكم من خلال عبارةٍ واحدةٍ، وربما من خلال كلامٍ لم يُفهم سياقه ولا مقصده.

ومن العلماء الذين تعرضوا لمثل هذه الحملات فضيلة الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي حفظه الله. وقد كتبتُ هذا المقال أول مرةٍ بعد الجدل الذي أثير حول كلامٍ له في مسألة قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. ومن ثم بادر الشيخ إلى توضيح كلامه، وقرر ما عليه أهل السنة والجماعة من أن من قذفها بما برأها الله منه فقد كفر. وكان هذا التوضيح كافياً لمن يطلب الحق، غير أن بعض المتربصين استمروا في الطعن والتشكيك، وكأن الرجوع إلى الصواب لا قيمة له.

نشأته وتكوينه العلمي

وُلد الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي في دمشق سنة 1944م، ونشأ في بيت علمٍ ودعوة. فهو الابن الأكبر للشيخ عبد الكريم الرفاعي رحمه الله، أحد علماء دمشق المعروفين، وشقيق الشيخ سارية الرفاعي رحمه الله.

درس في مدارس دمشق، ثم التحق بكلية الآداب في جامعة دمشق، وتخصص في اللغة العربية وعلومها، وتخرج سنة 1971م. وتلقى العلوم الشرعية على يد والده، ولازم عدداً من علماء دمشق، ومنهم الشيخ خالد الجيباوي، والشيخ عبد الغني الدقر، والشيخ أحمد الشامي، والشيخ محمود زيدان، والأستاذ سعيد الأفغاني.

نشأ الشيخ في مدرسة والده العلمية والدعوية التي عُرفت في دمشق باسم «جماعة زيد»، نسبةً إلى جامع زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه. وقد جمعت هذه المدرسة بين التعليم الشرعي، وتربية الشباب، وخدمة الفقراء، والعمل الاجتماعي، وكان لها حضورٌ معروفٌ في المجتمع الدمشقي.

وتولى الشيخ الخطابة والتدريس في جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي في كفرسوسة، وأصبح الجامع مركزاً للدروس والتربية والعمل الخيري. ومن المشروعات التي شاركت فيها هذه المدرسة مشروع «حفظ النعمة»، الذي عمل على جمع الطعام والملابس والأثاث وتقديمها إلى الأسر المحتاجة، قبل أن تضيّق سلطات النظام البائد على هذه الأعمال.

مواجهة الاستبداد والوقوف مع الشعب السوري

لم يكن الشيخ أسامة الرفاعي بعيداً عن هموم الناس، ولم يحصر دور العالم في الدرس والمنبر. فقد عُرف منذ وقتٍ مبكرٍ بموقفه الرافض لظلم نظام حافظ الأسد، وتعرض بسبب نشاطه الدعوي ومكانته بين الناس للملاحقة والضغط الأمني، فغادر سورية سنة 1981م إلى المملكة العربية السعودية، ثم عاد إلى دمشق سنة 1993م واستأنف نشاطه العلمي والدعوي.

ومع انطلاق الثورة السورية سنة 2011م، وقف الشيخ إلى جانب مطالب الشعب في الحرية والكرامة والعدل، ودعا إلى وقف القمع وسفك الدماء. وتحول الجامع الذي كان يخطب فيه إلى واحدٍ من الأماكن التي يجتمع فيها المحتجون قبل خروجهم في المظاهرات.

وفي فجر السابع والعشرين من أغسطس/آب 2011م اقتحمت قوات الأمن والشبيحة جامع الشيخ عبد الكريم الرفاعي أثناء صلاة التهجد، واعتدت على المصلين، وأُصيب الشيخ بجروحٍ في رأسه ويده، ونُقل إلى المستشفى للعلاج. ثم مُنع من الخطابة وتلقى تهديداتٍ مباشرة، فاضطر إلى مغادرة سورية، وانتقل إلى القاهرة، ثم استقر في إسطنبول، حيث واصل دروسه ومحاضراته وخدمته للسوريين.

وقد دفع الشيخ ثمن موقفه من ماله ووطنه واستقراره؛ فصودرت أمواله وممتلكاته، وتعرض المسجد المرتبط باسم والده لمحاولات طمس هويته، لكنه بقي ثابتاً في نصرة الثورة، ورفض الاحتلال الروسي والتدخل الإيراني والميليشيات الطائفية التي ساندت النظام في حربه على الشعب السوري.

وفي هذا يشبه موقفه مواقف العلماء الذين لم ينفصلوا عن شعوبهم، مثل الإمام عبد الحميد بن باديس في الجزائر، والشيخ علال الفاسي في المغرب، وغيرهما من العلماء الذين جمعوا بين العلم والإصلاح والوقوف في وجه الاستبداد والاستعمار.

بناء المرجعية العلمية للسوريين

أدرك الشيخ أسامة أن مواجهة الاستبداد يحتاج إلى عملٍ علميٍّ منظمٍ يجمع العلماء ويوجه الناس ويحفظ هوية المجتمع. ولهذا أسهم في إعادة إحياء رابطة علماء الشام، وسعى إلى جمع العلماء السوريين وتنسيق جهودهم في الداخل والخارج.

وفي الرابع عشر من أبريل/نيسان 2014م شارك مع عددٍ من العلماء والهيئات في تأسيس المجلس الإسلامي السوري، الذي ضم عشرات الروابط والمؤسسات والشخصيات العلمية. وكان الهدف أن يكون للسوريين إطارٌ علميٌّ يجمع الكلمة، ويوحد المواقف في القضايا العامة، ويقدم الفتوى والتوجيه بعيداً عن سلطة النظام وأجهزته الأمنية.

وانتُخب الشيخ رئيساً للمجلس، وقد اختير في نوفمبر/تشرين الثاني 2021م مفتياً عاماً لسورية من قبل المجلس الإسلامي السوري، بعد أن ألغى نظام بشار الأسد منصب مفتي الجمهورية وحاول إخضاع الفتوى لسلطة النظام.

وبعد سقوط النظام وعودة الدولة السورية إلى أبنائها، صدر في الثامن والعشرين من مارس/آذار 2025م قرار الرئيس أحمد الشرع بتعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً عاماً للجمهورية العربية السورية ورئيساً لمجلس الإفتاء الأعلى. وكان تعيينه تقديراً لمكانته العلمية ومواقفه خلال سنوات الثورة، وتأكيداً على استعادة مؤسسة الإفتاء دورها بعيداً عن توظيف الدين لخدمة السلطة.

وجرى بعد ذلك التوافق على إنهاء عمل المجلس الإسلامي السوري بصيغته السابقة، وإنشاء مجلس الإفتاء الأعلى ليكون مظلةً رسميةً جامعةً لأهل العلم، ويقوم بدوره في تنظيم شؤون الفتوى ومعالجة القضايا العامة وحفظ مكانة العلماء.

ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي

من أهم الأعمال التي شارك فيها الشيخ بعد عودته إلى دمشق «ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي»، الذي صدر عن المؤتمر الأول لوزارة الأوقاف برعاية مجلس الإفتاء الأعلى، تحت شعار «رَحِمٌ بين أهله».

وجاء الميثاق بعد ورشاتٍ علميةٍ وحواريةٍ شاركت فيها المدارس العلمية والدعوية في سورية، واعتمد بحضور أكثر من ألفٍ وخمسمئة عالمٍ وداعيةٍ من مختلف المحافظات. ولم يكن المقصود إلغاء المدارس أو منع الاجتهاد، وإنما الاتفاق على أصولٍ عامةٍ تضبط الخطاب الديني، وتحفظ وحدة المجتمع، وتمنع تحويل المنابر إلى ساحاتٍ للتحريض والتكفير والصراع المذهبي.

وأكد الميثاق أن الإسلام في سورية مرجعيةٌ دينيةٌ وأخلاقيةٌ وحضاريةٌ جامعة، وأنه لا يجوز توظيفه لمصلحة حزبٍ أو طائفةٍ أو جماعة، وأن القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة هما المرجع الأعلى، وأن الانتماء إلى الإسلام مقدمٌ على الانتماءات الضيقة.

كما دعا إلى احترام المذاهب الفقهية والمدارس العلمية المعتبرة، وتوقير الأئمة المجتهدين، ومنع غير المتخصصين من التصدر للفتوى، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض، وجعل المساجد مناراتٍ للعلم والأخلاق والإصلاح وخدمة الناس.

وفي كلمته خلال المؤتمر، أكد الشيخ أسامة الرفاعي أن وحدة الخطاب تبدأ من وحدة القلوب، وأن الوصول إليها يحتاج إلى عملٍ وصبرٍ وتعاون. وقد عبّر هذا الموقف عن منهجه الذي يرفض أن تتحول الاختلافات العلمية إلى عداواتٍ بين المسلمين.

بيانه الأخير وتأكيده وحدة أهل السنة

وفي الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول 2026م أصدر الشيخ أسامة الرفاعي بياناً توضيحيّاً بعد ما تداولته بعض صفحات التواصل الاجتماعي من كلامٍ منسوبٍ إلى لقاءٍ جمعه بوفدٍ إندونيسي. وقد جاء البيان واضحاً في رفض التنازع المذهبي، وفي تأكيد مكانة المدارس العلمية التي عرفتها بلاد الشام عبر تاريخها.

وأكد الشيخ أن المدارس العقدية لأهل السنة والجماعة، وهي الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، والمذاهب الفقهية الأربعة، يجمعها الإسلام تحت مصطلح أهل السنة والجماعة.

كما شدد على أن السلفية جزءٌ أصيلٌ من نسيج سورية العلمي والدعوي، وقال عن أهلها: «هم منا ونحن منهم»، مؤكداً أن الاختلاف العلمي لا يفسد للود قضية.

وهذا الكلام مهمٌّ في زمنٍ يحاول فيه بعض الناس تصوير الساحة العلمية السورية وكأنها ساحة صراعٍ بين الأشاعرة وأهل الحديث، أو بين الصوفية والسلفية. فالشيخ لم ينفِ وجود الاختلاف، ولم يطلب من أحدٍ التخلي عن اجتهاده، وإنما دعا إلى بقاء الخلاف في حدوده العلمية، وألا يتحول إلى خصومةٍ أو تبديعٍ أو تشكيكٍ في الدين والنيات.

وجدد في البيان التزامه بـ«ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي»، وعدّه إطاراً جامعاً وملزماً، ودعا إلى جمع الصفوف، وتوحيد الكلمة، وتغليب المشتركات، واحترام التنوع. وهذا الموقف ليس جديداً عليه، بل هو امتدادٌ لطريقته في العمل مع العلماء والدعاة من مدارس مختلفة، من غير أن يمنعه ذلك من الثبات على ما يعتقده حقّاً.

إن سوريا الخارجة من حربٍ طويلةٍ تحتاج إلى هذا النفس الهادئ؛ فهي لا تحتمل نقل خلافات الكتب إلى الشوارع، ولا تحويل المنابر إلى ساحاتٍ للثأر المذهبي. والمطلوب من العلماء أن يكونوا جسوراً بين الناس، وأن يحفظوا عقيدة المجتمع ووحدته في وقتٍ واحد.

منهجه العلمي ومواقفه من قضايا الأمة

عُرف الشيخ أسامة الرفاعي بالتمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة، مع الدعوة إلى الاعتدال ورفض الغلو والتكفير. وقد واجه فكر تنظيم «داعش» وتنظيم القاعدة، وحذر من استباحة دماء المسلمين وأموالهم، ومن الأثر المدمر للفكر المتطرف على الثورة السورية والمجتمع.

وفي الوقت نفسه، كان واضحاً في مواجهة المشروع الإيراني الطائفي، وكشف دوره في سورية والعراق واليمن ولبنان، ورفض استخدام الشعارات الدينية لتبرير التوسع السياسي والعسكري وتمزيق المجتمعات.

ولم تقتصر مواقفه على الشأن السوري؛ فقد بقيت فلسطين حاضرةً في خطبه وبياناته، وكان يؤكد أن نصرة الشعب الفلسطيني والدفاع عن المسجد الأقصى واجبٌ على الأمة، كما عبّر عن تضامنه مع الشعوب المسلمة التي تعاني الحروب والنزاعات، ودعا إلى وقف نزيف الدماء وحماية وحدة البلدان وكرامة شعوبها.

وهذه المواقف تكشف تصوره لوظيفة العالم؛ فالعلم عنده ليس معرفةً محفوظةً في الكتب وحدها، بل مسؤوليةٌ في بيان الحق، وتعليم الناس، ونصرة المظلوم، وإصلاح المجتمع، وجمع الكلمة.

كلمة إنصاف

أمضى العلامة المفتي الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي عقوداً في التعليم والدعوة وخدمة الناس، ووقف إلى جانب شعبه في أشد سنوات المحنة، وتحمل الأذى والهجرة ومصادرة الأموال، ثم عاد إلى دمشق بعد سقوط النظام ليشارك في إعادة بناء المرجعية الدينية وجمع العلماء تحت مظلةٍ واحدة. ومن الاجحاف أن تُختصر هذه السيرة في عبارةٍ مختلفٍ عليها، أو اجتهادٍ جرى توضيحه، أو خلافٍ مذهبيٍّ مع بعض الأشخاص. فالعدل يقتضي أن توزن أعمال الرجال كلها، وأن يُفرّق بين النقد العلمي وبين التشهير، وبين بيان الخطأ وبين إسقاط العالم ومحو تاريخه.

ولا يعني توقير العلماء القول بعصمتهم، فالعصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما يعني أن يكون النقد بعلمٍ وعدلٍ وأدب، وأن يُقبل رجوع العالم إلى الحق، وألا تُستخدم الأخطاء العارضة ذريعةً للانتقام أو تصفية الحسابات.

وقد قدم الشيخ في بيانه الأخير مثالاً يحتاج إليه السوريون؛ فقد أكد احترام المدارس العلمية، وثبّت مكانة السلفية في النسيج السوري، ودعا إلى وحدة أهل السنة، وربط ذلك بميثاقٍ جامعٍ يمنع الغلو والتكفير والصراع المذهبي.

نسأل الله تعالى أن يحفظ الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي، وأن يجزيه عن سورية وشعبها خير الجزاء، وأن يوفقه مع علماء البلاد إلى حفظ الدين، وجمع الكلمة، وترسيخ العدل والرحمة، والمشاركة في بناء سورية الجديدة على العلم والحرية والكرامة.

نُشر أصل المقال في:

27 رمضان 1447هـ، الموافق 16 مارس/آذار 2026م

وأعيد نشره بعد المراجعة والإضافة في:

10 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 22 سبتمبر/أيلول 2026م


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022